الشرق الأوسط فسيفساء مكوّنة من أقليات ضعيفة، تتصارع بها وعليها دول قوية. الأقليات تشغَلُ مناطق جغرافية محدودة المساحة، تعيش في كلٍّ منها أكثرية من لون ديني معيّن: مسيحية أو شيعية او علوية أو درزية. هذا التوصيف ينطبق، بصورة خاصة، على مصر وتركيا والعراق وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان. الدول القوية تشغل مساحات جغرافية كبيرة تعيش في كلٍّ منها أكثرية من المسلمين السنّة، أو المسلمين الشيعة. هذا التوصيف ينطبق، بصورة خاصة، على مصر وإيران وتركيا. عانت هذه الدول كلها، بأكثرياتها وأقلياتها، تدخلات خارجية متعددة منذ منتصف القرن التاسع عشر، لأغراض اقتصادية وسياسية. بريطانيا وفرنسا سبّاقتان في هذا المضمار، تليهما الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن العشرين. اتخذت هذه التدخلات تسميات عدّة أشهرها “سايكس- بيكو” سنة 1916 و”مبدأ أيزنهاور” سنة 1957 و”مشروع الشرق الأوسط الجديد” منذ سنة 2024 فصاعداً.
تبدو سوريا هذه الأيام المسرح الأكبر لدول قوية تتصارع على المصالح والنفوذ بأقلياتها الضعيفة. أبرز الدول القوية الولايات المتحدة و”إسرائيل” وتركيا وإيران. أشرس هذه الدول واكثرها طمعاً “إسرائيل” التي احتلت، بعد تهاوي حكم بشار الأسد، مساحةً من جنوب سوريا لا تقلّ عن خُمس مساحتها الإجمالية. تركيا دعمت وسهّلت لمجموعة من التنظيمات الإسلاموية المتطرفة بقيادة أحمد الشرع (محمد الجولاني سابقا) السيطرة على معظم المحافظات ذات الأكثرية الإسلامية السنّية من حلب شمالاً إلى دمشق جنوباً، ومن دير الزور شرقاً إلى إدلب غرباً.
إيران البعيدة جغرافياً عن مسرح الصراع، اكتفت بالتنديد بالاحتلال الإسرائيلي للجنوب السوري، وبموقف الدعم السياسي لوحدة سوريا. الولايات المتحدة لعبت، وما زالت، دور المهيمن السياسي والعسكري على مسرح الصراع والمنسّق بين “إسرائيل” وتركيا والحكم الانتقالي في دمشق، مع انحيازٍ واضح لمصلحة الكيان الصهيوني.
ماذا تبتغي كلٌ من الدول المتصارعة؟
ما تبتغيه “إسرائيل” واضح بل صارخ: أولاً، البقاء داخل سوريا كي تستطيع أن يكون لها الدور الأفعل في رسم خريطتها المقبلة. ثانياً، الادعاء بحماية الدروز كي تحول دون قيام حكومة مركزية فاعلة في دمشق قادرة على احتواء جميع الأقليات التي تشكو من غلبة التنظيمات الإسلامية السنّية المتطرفة على الحكم الانتقالي في دمشق. ثالثاً، توسيع رقعة احتلالها لمنطقة الجولان وضمّها إلى كيان الاحتلال. رابعا، العمل على إقامة نظام لامركزي في سوريا تحتفظ بموجبه كل من الأقليات الكردية والعلوية والدرزية بصيغةٍ من الحكم الذاتي. خامسا، المشاركة الفاعلة في استثمار منطقة الجنوب السوري المحتل اقتصادياً وسياحياً بعد تحويله إلى منطقة عازلة منزوعة السلاح. تركيا تبتغي منع الأكراد في شمال شرقي البلاد من إقامة منطقة حكم ذاتي يمكن أن يشكّلوا، بالتعاون مع أكراد تركيا والعراق، نواةً لدولة كردية مستقلة. الولايات المتحدة تقوم، بالتعاون مع تركيا، على إعادة صياغة دولة سورية لامركزية، تدور في فلكها وتكون عضواً منتظماً في مجموعة الدول العربية السنّية التي تجمعها بـِ”إسرائيل” معاهدة صلح، أو علاقات تطبيع إبراهيمية.
كلُّ ما تقدّم بيانه مهم، بل خطير وله تداعيات بالغة السلبية على سائر العرب، حاضراً ومستقبلاً. غير أن الخطر الأكبر الماثل في الوقت الحاضر هو استمرار الفتنة الطائفية، واحتمال تطويرها من جانب “إسرائيل”، بالتعاون مع الولايات المتحدة، إلى حرب أهلية تمتد إلى كلٍّ من لبنان والعراق والأردن، وربما إلى وادي النيل بشطريه المصري والسوداني أيضاً. من هنا تستبين الحاجة إلى ضرورة إدراك القوى الوطنية النهضوية في عالم العرب عموماً، وفي دول المشرق العربي خصوصاً (المترعة بفسيفساء من الأقليات الضعيفة والمستهدَفَة، لاسيما من “إسرائيل” ) كي تجابه مخاطر الانزلاق إلى حروب أهلية متطاولة، الأمر الذي يستدعي مسارعة هذه القوى الوطنية النهضوية إلى التلاقي والتنسيق في ما بينها، في سياق عمل جدّي موصول يؤدي إلى بناء جبهة عريضة لدعم وحماية النسيج الوطني داخل أقطارها وترجمته بوحدة وطنية راسخة، وصولاً إلى تعزيز قدراتها للضغط على الفئات الحاكمة، كي تبقى بمنأى عن تأثير الولايات المتحدة ونفوذها ومطامع “إسرائيل” التوراتية والتلمودية اللامتناهية في أراضيها ومواردها.
صحيح أن “إسرائيل”، ومن ورائها الولايات المتحدة، وحلفاؤهما في غرب آسيا وأوروبا أقوياء ونافذون، لكن من شأن يقظة القوى الوطنية النهضوية ونجاحها في الاتحاد وتعبئة الجماهير في عالم العرب والإسلام، تحريكُ الدول العربية المنتجة للنفط، وحملها على ممارسة ضغوطٍ على الولايات المتحدة لتمارس بدورها ضغوطٍ على “إسرائيل” للحدّ من غلوائها، وتدخلها السافر والمتصاعد في سوريا، خصوصاً مع المتعاملين معها داخل مختلف الأقليات، بقصد تفكيك بلاد الشام إلى كيانات متنازعة قائمة على أسس طائفية او إثنية (عرقية) أو قَبَلية. لئن تكن هذه المهمة صعبة جداً لكون الدول المنتجة للنفط، تخشى تيارات التغيير الليبرالية واليسارية أكثر مما تخشى “إسرائيل”، لكن تمادي هذه الأخيرة في اعتداءاتها الوحشية في فلسطين المحتلة، وإصرارها على تجويع الفلسطينيين وقتلهم ودفعهم إلى الهجرة قسراً إلى صحراء سيناء المصرية، أدى إلى توليد ردود فعل استهجانية واسعة في كل أنحاء العالم، قد تدفع أجيال الشباب المتعاطفة مع الفلسطينيين المضطهدين (وربما لاحقاً مع السوريين المضطهدين) إلى الانتقال من التأييد الإعلامي المدني إلى الدعم الإجرائي الميداني، على نحوٍ يحاكي ما يقوم به اليمنيون شعباً وحكماً، الذي أدى إلى إغلاق ميناء إيلات الإسرائيلي على البحر الأحمر، وقد يؤدي لاحقاً إلى إغلاق أو شلّ ميناء حيفا على البحر المتوسط.
حتى لو تجاوبت الدول المنتجة للنفط بشكلٍ محدود مع الضغوط الشعبية، التي تمارسها القوى الوطنية النهضوية، فإن لدى هذه الأخيرة مجالات أخرى للنشاط وممارسة الضغوط الوازنة. ففي مقدور القوى الوطنية مثلاً، تنظيم حملة واسعة لمقاطعة منتجات الدول المتحالفة مع “إسرائيل” أو المعارضة لحق الشعب الفلسطيني في تحرير أراضيه المحتلة، وإقامة دولته المستقلة. إن مقاطعةً شعبية واسعة ومنظمة من شأنها أن تُلحق أضراراً كبيرة بمختلف الدول الداعمة للكيان الصهيوني. مع العلم ألا سبيل للدول العربية والإسلامية المتحالفة مع الولايات المتحدة، أو تلك المطبّعة مع “إسرائيل” إلى منع شعوبها من ممارسة مقاطعة منتجات الدول الداعمة للكيان الصهيوني، لأن الأمر يتعلق بالأذواق الشخصية، فلا قدرة للسلطة على تغيير أذواق المستهلكين، أو على وقف حملة المقاطعة، فضلاً عن أن من شأن مقاطعة المنتجات الأجنبية دعم المنتجات الوطنية وترويجها، وهو هدف وطني نبيل ومُرحب به شعبياً.
المهم أن تتوحد وتتحرك القوى الوطنية النهضوية والحركات الشعبية لأن ما من أحد غيرنا يهمه أو في وسعه أن يحقق لنا أهدافنا. نعم، إن التحديات والمخاطر كثيرة وماثلة ولا سبيل إلى مواجهتها بفعالية إلاّ بمقاومةٍ للعدو الصهيوني متزامنة مع مقاومة صانعي الفتنة الطائفية والحرب الأهلية والتقسيم داخل بلادنا.
كاتب لبناني