سوريا بعد قمة ترامب ـ الشرع

حجم الخط
0

فصلت بين زيارتي الشرع إلى كل من موسكو وواشنطن مدة تقل عن شهر واحد. في الأولى بدا وكأنه يستأنف العلاقة التاريخية لـ«سوريا الأسد» مع موسكو، في حين بدت الثانية كما لو أن سوريا تعيد تموضعها بصورة تامة لتتحول إلى دولة حليفة لواشنطن من باب انضمامها إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. لا يتعلق الأمر بإقامة علاقات متوازنة بين قطبي الحرب الباردة القديمة والمستجدة، بقدر ما يكشف ضعف سوريا التي تتجاذبها مراكز القوة الدولية من غير أن تحوز أي حصانة ذاتية من شأن امتلاكها أن تمنحها قدرة على المناورة وعلى فرض شيء من مصالحها الوطنية في العلاقات مع الدول القوية. ومرد هذا الضعف هو استعجال السلطة لنيل المزيد من الشرعية الدولية للاستقواء بها على الداخل الهش. منذ انتهاء زيارة واشنطن، وتلتها مباشرة زيارة وزير الخارجية إلى لندن، اندلعت اشتباكات «غامضة» (!) في محافظة السويداء الجريحة بين «فصائل خارجة على القانون» وقوات الأمن العام كما جاء في بيان وزارة الداخلية. هذا ما نقصده بالضبط حين نتحدث عن الاستقواء بالخارج على الداخل. مع العلم أن وقفاً لإطلاق النار كان قد تم بضمانة أمريكية أردنية منذ شهر تموز بما يعني وجوب الحفاظ على التوازن القائم هناك في الوقت الحالي، علماً بأن الحصار المفروض على المحافظة ما زال قائماً، وهو سبب دائم لتفجير الوضع.
على أن الاستقواء بالخارج على الداخل لن يأتي بالنتائج التي تريدها السلطة، أي إخضاع المكونات الوطنية التي لديها مشكلات مع السلطة المركزية بالقوة، بل هو وصفة لمزيد من التدخلات الخارجية التي لا قبل للسلطة بمواجهتها. وهكذا تصبح السلطة، ومعها البلاد، داخل دائرة مغلقة من موجات عنف تليها تدخلات دولية تليها إملاءات جديدة.
يصور الإعلام الموالي للسلطة دخولها في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب كما لو كان مكسباً لها، وفي ظنها أن من شأن هذا الانضمام أن يضعف من وزن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو يدفع بالتحالف للاستغناء عن الأخيرة. في حين أن انضمام السلطة قد أثقل كاهلها بالتزامات لا قدرة لديها على الإيفاء بها. لخص المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك ما هو مطلوب من سلطة دمشق فقال إن عليها أن تحارب المجموعات المتطرفة في سوريا وحزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني وحركة حماس جميعاً! في الوقت الذي كانت السلطة تأمل فيه أن تقوم واشنطن بالضغط على قسد لـ«الاندماج» في السلطة المركزية بشروط الأخيرة! علق قائد قوات قسد مظلوم عبدي على الاتصال التليفوني الذي تم بينه وبين براك، في أعقاب اجتماعات واشنطن، قائلاً إنها كانت مكالمة رائعة!

حزمة العقوبات الأمريكية المسماة «قيصر» تم تعليقها لستة أشهر إضافية، على أن تكون بمثابة فترة اختبار لسلطة دمشق على طريق رفعها بصورة نهائية

كان من مفاجآت قمة واشنطن حضور وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الذي شارك في جانب من اجتماع القمة، كما شارك في اجتماع عمل مع وزيري خارجية الولايات المتحدة وسلطة دمشق. قيل إن الاجتماع الثاني كانت مهمته إيجاد صيغة لإدماج قسد في السلطة المركزية، خرج بعده فيدان بتصريحات أكثر اعتدالاً مما اعتدنا منه بخصوص قسد. معنى ذلك أنه تم إقناع تركيا بأن تكون شريكة في إيجاد الحل الذي يرضي الطرفين السوريين بدلاً من لعب دور المعرقل للتفاهم بينهما كما كانت الحال في الأشهر السابقة.
حزمة العقوبات الأمريكية المسماة «قيصر» تم تعليقها لستة أشهر إضافية، على أن تكون بمثابة فترة اختبار لسلطة دمشق على طريق رفعها بصورة نهائية. نفهم أن تكون السلطة مستميتة من أجل رفع هذه العقوبات، فبقاء العقوبات عائق أمام أي بدء بتعاف اقتصادي وإعادة بناء. ولكن أن يكون الثمن دخولاً في التحالف الدولي واتفاق أمني مع إسرائيل واشتراطات أخرى لا تملك السلطة القدرة على تنفيذها، فهذا يدخل في باب المغامرة غير محسوبة العواقب. زيارة واشنطن، من هذا المنظور، شكلت نوعاً من فرجة إعلامية للسلطة بتكاليف باهظة جداً حتى لو اقتصرنا على مكاسب السلطة المفترضة فقط، بغض النظر عن المصالح الوطنية. بل إنه حتى في محاربة الإرهاب يبدو أن دور السلطة سيقتصر على جانب تقديم معلومات استخبارية للتحالف، دون مشاركة ميدانية، وهو دور لعبته قيادة هيئة تحرير الشام، على أي حال، منذ أيام إدلب، وليس جديداً عليها. يبدو من مخرجات اجتماعات واشنطن السورية أن المايسترو الأمريكي يعمل على نوع من تقسيم العمل، في محاربة الإرهاب، بين شريكين: قسد وسلطة دمشق، بخلاف ما كانت تأمله السلطة من «وكالة حصرية». أما بخصوص التكاليف المحتملة لمواجهة المجموعات الجهادية على السلطة، فلعل الهجوم بالصواريخ على حي المزة 86 في دمشق يشكل إشارة مبكرة إليها.
حين تركز اهتمام السلطة، منذ استيلائها على دمشق، على الانفتاح على الخارج في محاولة لنيل رضى مختلف اللاعبين الإقليميين والدوليين، مقابل الاستئثار بتشكيل السلطة ورفض التعاطي الإيجابي مع الداخل الوطني، باتت مرتهنة لتوازنات القوى بين مختلف اللاعبين، من غير أي حصانة في مواجهة الضغوط والإملاءات. وبعدما رفضت الالتزام بقرار مجلس الأمن 2254 الذي توافقت عليه جميع الدول المعنية في أعقاب سقوط نظام الأسد، بات عليها إرضاء واشنطن وموسكو، تل أبيب وأنقرة والدول العربية في الوقت نفسه. وفي الداخل: المنظمات الجهادية وقسد والدروز والعلويين وملايين السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، ومجموعات مافيوية من تركة نظام الأسد، جميعاً معاً!
بالنسبة للاعبين الإقليميين والدوليين، لا بأس من التعامل مع سوريا كحقل تجارب قد تنجح أو تفشل. أما السوريون فلا يملكون هذا الترف.

كاتب سوري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية