لم يكن سقوط حكومة البعثِ في سوريا بصورةٍ دراماتيكية بهذا الشكل متوقعاً للكثيرين، مع جمود الملف السوري داخلياً وخارجياً. كانت الدول الداخلة في الملف حريصةً هي الأخرى على تهميشه، لدوافع محلية وخارجية مرتبطةٍ بسياساتها. الملف الذي أصبح يُعتبر بحكم الميت في المفاوضات بين الأطراف، مع ترسيم العجز للأطراف الفاعلة على الأرض بالالتزام بذلك الجمود الغليظ. لذا، كان جمودُ المفاوضات يمتد من أستانا إلى جنيف إلى القامشلي فإدلب. لم يكن هناك من يقدر على تجاوز تلك الحواجز المرسومة للأطراف المحلية. عجزٌ تامّ عن بناء حلٍ، ولو بين أجزاءٍ محددة. لذا، كانت التفاهماتُ الأمنية والاقتصادية الآنية هي المتاح الوحيد بين الأطراف.
طوابيرُ الشاحنات النفطية تعبر من شرق الفرات إلى دمشق، حيث الأسد وروسيا وإيران، وطوابيرُ أخرى إلى الشهباء، حيث المعارضة وتركيا. وبالطبع طوابيرُ نحو شرق الفرات نفسه، حيث الإدارة الذاتية وقسد والتحالف الدولي لمحاربة داعش، ليبني نفسه ويستطيع الصمود. كانت تلك الطوابيرُ هي في شيءٍ منه كعملية إبقاء الجميع على مستوى من الإنعاش، إنعاش لكيلا يموتوا ولا يستطيعوا الوقوف مجددا بقوة. باستثناء أن قسد التي حاولت تفادي الدخول في صراعات كبرى من خلال تسيير تلك الطوابير، استطاعت إحاطة ذاتها بالكثير من القدرة.
لكنّ الجميع كان ينظر، في معمعة هذه التفاهمات الخشنة والباردة معاً، لفتح الطريق للحل. لم يقدّم الأسد الحل، ولم تقدّم تركيا غير المؤامرات على قسد من خلال المعارضة، ولم تكن روسيا تتحرك، دون أن يكون هدفها إزعاج واشنطن لا فتح الأبواب لحليفها الأسد. وكانت إيران تراقب عجزها من خلال الضربات الإسرائيلية المستمرة على جماعاتها في سوريا، وإسرائيل التي كانت ترى بدورها سوريا فرصةً لاقتناص الأعداء. لذا، كان التطبيعُ العربي مع سوريا نافذة غير قابلةٍ لنشر الضوء اللازم لانبعاث البعث من جديد.
بعد حرب غزة الطويلة، وقمع إسرائيل لحزب الله بتلك الصورة الصارخة، والتزام روسيا بحماية حدودها وحربها مع كييف، ووصول ترامب للسلطة في واشنطن، وضعف حركةِ إيران، فتحت الأطراف البابَ لهيئةِ تحرير الشام لإسقاط الأسد، كان السقوط، وإن جاء متتابعاً مع الحرب التي شنتها إسرائيل على المحور الإيراني في تلك الأثناء، بمثابةِ المفاجأة للجميع. مفاجأةٌ شكّلت عالماً جديداً للخريطة الأمنية والسياسية لسوريا ككلّ، سوريا التي لا تشمل مناطق شرق الفرات بالطبع. قسد، التي حافظت على ما وراء نهر الفرات شرقاً، ظلّت تتحصّن في منطقتها، وتمارس هوايتها في محاربة الإرهاب، بدعم التحالف الدولي. لكنها، بدأت تلاحظ أن التغيير لا بدّ ان يتلامس مع حدودها وأُسسها. لذا، بدأت مرحلةُ المفاوضات منذ مارس لليوم، بالتوازي مع استمرار الفجائع والفظائع من الساحل للسويداء. كانت تلك الانتهاكات الصادرةُ بحق الساحل والسويداء، تزيد من حمولة التفكير لدى قادة شرق الفرات حول كيفية الرؤية والتحليل وبناء القرار.
سعد الأكراد برحيل البعث، الذي نكل بهم، لكنهم كانوا في ترقّب لما وراء البعث، مستفسرين إن كان ما زال هناك انبعاث للتمييز ضدهم من جديد في هذه البلاد
لم يكن هناك متنفّسٌ من الوقت لاستقبال الجديد والتعامل معه، لذا دخلت المفاوضات مراحل خطيرةً أحياناً. وكان العالم يراقب كيف تتغلغل تركيا في سوريا، وتوجّه البلاد بطريقة تناسب طموحاتها، وكيف أن تل أبيب اختارت قطع يد تركيا من الجنوب السوري، وشاهد العالم كيف أن حزب الله وإيران أصبحا بعيدَين عن الساحة السورية بصورة كبيرة، وكيف أن روسيا اختارت التحجيم وحماية وجودها فقط، مقابل نفوذٍ أمريكي كبيرٍ على دمشق والقامشلي.
هذا العالمُ الجديد كله لاحظته الأطرافُ كلها، ومنها شرقُ الفرات، ولكن بقي شيءٌ وحيدٌ لم يتغيّر لدى دمشقَ الجديدة عن سابقتها، وهو الهروبُ من خلق الحلّ للملف الكردي السوري بصورةٍ دستوريةٍ حقيقيةٍ لا شكلية.
ظن الكثيرون أن العهد الجديد سيدفع بالحل للملف الكردي، وملف الإدارة الذاتية بصورة جذرية، بعيدة عن مرحلة حزب البعث الفاشي. هؤلاء، ورغم شكوكهم المشروعة من تاريخ قادة المرحلة الجديدة في دمشق، والذين كانوا قادةً لهيئة تحرير الشام وباقي الفصائل المتهمة بالكثير من الاستبداد والفظائع من إدلب إلى تل أبيض وعفرين، ظنوا أن الواقع الدولي سيدفع هؤلاء للخروج من عقلية المركز والحكم المركزي والتعالي السياسي في التعامل. لكن صدمت توقعاتهم بالحقيقة. يشاهد هؤلاء كيف ان الحكومة الجديدة تبحث عن ذرائع وطرق للالتفاف على بناء سوريا جديدة مرنة للشعوب التي تعيش فيها. سوريا لا تكون «الديمقراطية ودولة القانون» فيها عبارة عن شكليات، تبقي طرفاً سيداً لدمشق، طرفاً لا يسمي نفسه الحزب الحاكم للدولة والمجتمع هذه المرة. لكن بعد مأساة الساحل والهجوم الفظيع على السويداء، والتهديدات المستمرة لشرق الفرات، وبالترويج لقوة الجيش التركي كأداة لتخويف المنطقة، لم يكن هناك جديد يتلقاه الأكراد وشركاؤهم من المسيحيين والعرب في شرق الفرات من دمشق. وعرف فريق المفاوضات أنهم أمام سدود جديدة قد تُبنى لتحطيم طموحاتهم المحلية في الحكم الذاتي، وفي سوريا ديمقراطية ذات نظام لامركزي سياسي. وبالتالي فهم الأكراد أنهم يعيشون هذه الأيام عوالم جديدة كاملة في ساحة سوريا، باستثناء عالم العلاقة بين دمشق والكرد، عالم لا يتغير منذ ستينيات القرن الماضي. وكان ذلك دافعاً إضافياً لزيادة التشدد في المطلب والقرار، والريبة الزائدة عند التوجه لدمشق وسماع طروحاتها لهم، والتي تقف أنقرة التي تعاديهم وراءها دون شك.
في السياق كله، لم يشعر الكردي المفاوض والمراقب والمجتمع بأي تغيير في رحلتهم للوصول إلى حل دستوري لقضاياهم الرئيسية. سعد الأكراد أكثر من غيرهم برحيل البعث، الذي نكل بهم، لكنهم كانوا في ترقّب لما وراء البعث، مستفسرين إن كان ما زال هناك انبعاث للتمييز ضدهم من جديد في هذه البلاد. لم تكن السعادة تصحبها الكثير من الثقة. لذا، كانت الصور المقبلة من الساحل والسويداء تساهم بسرعة في غياب تلك الابتسامة القصيرة عن وجوههم. وكان لسان حالهم يقول: «إننا جَبّلنا على الشعور بعدم الأمان في هذه البلاد الجميلة التي تقبل كل شيء إلا أن تكون جميلة معنا».
هذا الفهم للسياق السياسي السوري، الذي نتج عن تراكم عقود من الاضطهاد والمحق، يدفع الجميع لمراقبة المفاوضات بين قسد وحكومة دمشق بحساسية عالية، وتدفع المفاوضين للحذر من كل ما يمكن أن يُحسب عليهم. ويزيد هذا الترقب حمولة المسؤولية على المفاوضين أنفسهم، ولا بد انه يزيد الدافع لدى حكومة دمشق للتفكير أكثر بحل حقيقي شرعي ومناسب لهذا الملف التاريخي في سورياـ لإنهاء عدم الثقة العميق لدى الأكراد مع دمشق. دافع قد يضعها في مسار تاريخي وإيجابي مختلف عن سابقاتها من أنظمة الحكم في دمشق، اقله بما يرتبط بالملف الكردي في سوريا.
كاتب وباحث سوري