جوهرة، جوهر، جواهر، الجوهري، جواهري… أسماء تطرق أسماعنا، من دون وعي حقيقي منا، تحديدا لكونها أسماء شخصية (جوهرة، جوهر، جواهر) أو عائلية (الجوهري، جواهري) كثيرا ما صادفتها، خلال إقامتي في المغرب مثلا. ودائما توحي لنا المقاربة بالأسماء بشيء من الوعي الجماعي، هنا، تعلقنا كبشر بالغالي والنفيس.
لهذا لا نستطيع حصر قضية مجوهرات اللوفر في مسألة أمن وتعقب لصوص، إنما لا بد من ربطها بما هو أسمى (وإن كان، طبعاً، ضمان السلامة الأمنية أساسية وبالتالي سامية). القضية قضية دولة، هذا الأمر لم نتحدث عنه بما يكفي، وهنا تدخل عناصر كثيرة وغير مادية، أجل غير مادية. وهو ما قد ينساه أو ما يتناساه المراقبون، فواهم من تصور أن الثماني والثمانين مليون يورو، التي قدرت بها قيمة المجوهرات المسروقة، قد تعود لمدبري العملية.. كلا، ويعلم هؤلاء ذلك أيضاً.. إنها مجوهرات الدولة، وأي محاولة مرتبطة بتحقيق مبيعات جانبية تقوم على تجزئة جواهر الدولة وتمريرها محكومة بالفشل أصلا.
للاختلاس هنا معنى آخر، معنى فلسفي – أخلاقي يذهب بنا إلى تحويل اتجاه القيمة من معانيها السامية، إلى تقدير بخس متدن لها. كلنا هنا في فرنسا يتذكر سوابق من التاريخ، من بينها قضية العقد الماسي – المعروفة أكثر بقضية «عقد الملكة»، وقعت الأحداث سنة 1785 قبيل الثورة الفرنسية في بلاط الملك لويس السادس عشر. وتفصيل الأمر أن إحدى المغامِرات، تدعى الكونتيسة دو لا موت، أدخلت في وهم الكردينال دو روان الشهير عن طريق رسائل مزوَّرة ولقاء ليليّ دَبَّرتهُ بين هذا الكردينال وفاجرة انتحلت شخصية الملكة ماري أنطوانيت، أن الملكة ترغب، بكثير من التكتّم، في شراء عقد ماسيّ قيمته 1.600.000 ليرة فرنسية. فما كان من الكردينال إلا أن وافق، بدافع من طمعه في الفوز بالحظوة لدى الملكة، على تسهيل عقد الصفقة مع جوهريين بارزين، متعهِّداً لهما بدفع الثمن تقسيطاً. وفي الوقت الذي عجز فيه عن تسديد القسط الأول عند استحقاقه، راجَعَ الجوهريان الملكة ماري أنطوانيت غاضبَين، فأنكرت أن تكون على علم بشيء، فكانت الفضيحة. وقد أظهر التحقيق الذي أجري بعد الحادث، أن العقد جزئ وبيعَ في لندن. وعندئذ أمر الملك لويس السادس عشر، الذي رفض التكتم على القضية، باعتقال الكردينال دو روان، وسجن الكونتيسة دو لاموت مدى الحياة.
مجوهرات، جواهر، دبابيس مرصعة بأحجار كريمة، كلها أدوات في قلب رهانات السلطة، تخللت تاريخ الملكية الفرنسية العريقة
ماذا تروي هذه القصة؟ تروي بكل بساطة أن الفضائح المحيطة بالمجوهرات تتمركز في الإسقاطات التي تفرزها قيمتها، قبل أن تدخلنا في منطق التعاملات المالية وإغراءات الكسب المادي. مجوهرات تكرس إغراءات الكاردينالات زمن الملكية الفرنسية، وتكرس أيضا استحكام عرى السلطة في أياديهم. أولم يستخدم الكردينال ريشوليو مستشار الملك الذي كان يخطط للاستيلاء على الحكم سرا، قضية «الفيري» (دبابيس معدنية صغيرة مزينة بأحجار كريمة) أو «فيري الملكة» كما سميت، لتلويث سمعة الملكة آن دوتريش (آن النمساوية) زوجة الملك لويس الثالث عشر، ووالدة الملك لويس الرابع عشر الشهير لاحقا؟ كانت الملكة قد أهدت هذه الدبابيس لدوق باكنغهام سفير بريطانيا في فرنسا حينها، بعد لقاء سري بينهما دبرتها مقتصدة الملكة. غير أن دوق باكنغهام بادر إلى ارتداء الدبابيس خلال سهرة راقصة في لندن، ما ورطه لدى ريشوليو الساعي لإطلاق البلبلة وزعزعة الاستقرار بتطليق الملكة من زوجها. فما كان من ريشوليو، إلا أن سارع إلى الاستعانة بمساعدته- عينها على العالم كما كان يقال، لوسي ها كونتيسة كارليسل، التي تمكنت من نزع بعض الدبابيس من جاكيت الدوق أثناء الحفلة، وأرسلتها إلى ريشوليو. تفطن الدوق إلى العملية فأدرك أن الأمر قد يتطور إلى ما لا يحمد عقباه فأمر خياطه بتعويض الدبابيس الناقصة لتعود الشارة إلى صورتها الأصلية فأرجعها إلى الملكة «مخافة أن يصيبها مكروه». في الوقت ذاته، وفي محاولة له فضح الملكة، طالب ريشوليو من الملك أن يلح على زوجته بارتداء الدبابيس موقنا بتعذرها عن ذلك لأن الدوق كان قد تسلمها.. إلا أن العكس هو الذي حدث: فقد توصلت الملكة بالدبابيس التي أرسلها الدوق إليها قبل فوات الأوان فأرجعتها إلى صندوقها فأرتها للملك وفضح أمر الكردينال.
وقد اشتهرت هذه القصة بكونها مثلت مصدر إلهام لرواية «الفرسان الثلاثة» الفرنسية الشهيرة للكاتب ألكسندر دوما، خاصة في شخصية الكونتيسة كارليس التي تظهر في رواية تحت اسم «ميلادي». مجوهرات، جواهر، دبابيس مرصعة بأحجار كريمة، كلها أدوات في قلب رهانات السلطة، تخللت تاريخ الملكية الفرنسية العريقة. من هنا يجب أن ننطلق لنفهم أبعاد هذه السرقة، وصداها في الوعي الجماعي الفرنسي.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي