حضر ممثلون عن 50 دولة الاجتماع الافتتاحي لـ”مجلس السلام” الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن 26 دولة فقط من أصل الدول المدعوة وقّعت على ميثاق المجلس، وهو ما دفع ترامب للتلويح باستخدام ضغط على المتحفظين على التوقيع بتأكيده أن “الجميع سينضم في النهاية”.
أثار تأسيس المجلس بالصيغة التي وضعها ترامب انتقادات كبيرة، منها أنه يتمتع فيه بصلاحيات واسعة جدا، ولا ينص ميثاقه على مدة محددة لرئاسته له، فضلا سلطته الحصرية في اختيار المجلس التنفيذي وإنشاء الكيانات التابعة للمجلس وتعديلها وحلها، إضافة إلى اعتباره المرجع الوحيد لتفسير الميثاق وتطبيقه والتصديق على تعديله بل وحتى حقه في حل المجلس برمّته!
انتقدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، المجلس، وقالت إنه أداة شخصية في يد ترامب تعفيه من المساءلة أمام الفلسطينيين أو الأمم المتحدة، كما أبدت دول أوروبية عديدة شكوكا في أهداف المجلس، وظهرت البلبلة بين الأوروبيين مع إعلان وزارة الخارجية الفرنسية، في تصريح أمس الجمعة، عن تفاجئها بإرسال المفوضية الأوروبية مفوضا إلى المجلس في واشنطن مشيرة إلى أن الوفد المبتعث لا يملك تفويضا لتمثيل الدول الأعضاء.
حول موضوع غزة، الذي أنشئ المجلس المفترض بسببه، أعلن ترامب تخصيص 10 مليارات دولار لصالح المجلس لتمويل إعادة إعمار غزة، كما أعلن “البيت الأبيض” تلقي نحو 6,5 مليار دولار ضمن تعهدات من دول أخرى، وأن الأموال ستودع في صندوق خاص في البنك الدولي على أن يتولى المجلس إدارة الأموال، لكن ترامب ربط “إعادة الإعمار” الموعودة بـ”إعلان حماس استعدادها الكامل لنزع سلاحها” مانحا إياها مهلة 60 يوما، تعضدها تهديدات إسرائيلية باستئناف الحرب.
في الوقت الذي يبدو الحديث وكأنه يدور فعلا حول “إعادة إعمار” غزة فإن خطة ترامب، التي لم تضع جدولا زمنيا أو خريطة طريق لانسحاب إسرائيل، ولم تلزم الدولة العبرية بشيء، تفتح الطريق لتعزيز المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، وتوسيع إلى المنطقة المحتلة من قطاع غزة بعد طرد السكان وهدم العمران.
أما وجود وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في اجتماع المجلس، فكان لتمرير الوقت المستقطع، ورفع سقف المطالب الإسرائيلية فيما يتم فرض الوقائع الاستيطانية على الأرض، والسعي لتأجيج احتمالات الحرب على إيران، وبذلك تحقق الحكومة الإسرائيلية هدفيها الأقصيين: خرط واشنطن في حرب كان نتنياهو يحرّض عليها لمدى طويل، وفتح الطريق لاستكمال خططه القديمة بالتطهير العرقي وإلغاء المشروع السياسي الفلسطيني بأكمله.
أعاد ترامب فتح باب إحلال المجلس محل الأمم المتحدة بإلماحه مجددا أن دوره قد يتجاوز الأمم المتحدة مستقبلا، كما استخدم الاجتماع لمتابعة فصول “مجلس الحرب” المعقود ضد إيران بإعطاء حكامها، أيضا، مهلة لإبرام “صفقة مجدية” وإلا ستواجه “أمورا سيئة”.
كان الاجتماع أيضا فرصة لبعض زعماء الدول لإظهار أشكال الولاء لترامب، كما فعل رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف اللذان أشادا بدوره في حل الخلافات الدولية، بحيث بدا الاجتماع منصة ترامب لتطويع العالم، ومكانا لمبايعة زعماء العالم له.