برلين ـ “القدس العربي”:
في سابقة عبر تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب، فشل فريدريش ميرتس، زعيم الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، في تأمين الأغلبية المطلقة لتولي منصب المستشار في الجولة الأولى من التصويت بالبوندستاغ (البرلمان الألماني). هذا الإخفاق، الذي جاء رغم اتفاق التحالف بين المحافظين والحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD)، يكشف عن انقسامات داخلية تهدد استقرار أكبر اقتصاد أوروبي في وقت يواجه تحديات عالمية متصاعدة. ومع مناقشات جارية حول إمكانية إجراء جولة ثانية من التصويت، تتجه الأنظار نحو قدرة ميرتس على توحيد التحالف واستعادة الثقة السياسية.
وقاد ميرتس (69 عامًا) تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي (CDU/CSU) إلى الفوز في الانتخابات التشريعية في 23 فبراير 2025، بحصوله على 28.5% من الأصوات، وهي نتيجة متواضعة مقارنة بتوقعات استطلاعات الرأي التي تجاوزت 30%. وبعد مفاوضات شاقة، وقّع التحالف المسيحي اتفاقًا مع الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD)، الذي حصل على 16.4% فقط في أسوأ نتيجة له منذ عقود، لتشكيل حكومة ائتلافية تهدف إلى إنعاش الاقتصاد وتعزيز الدور الألماني في أوروبا. ومع ذلك، فشل ميرتس في الجولة الأولى من التصويت بالبوندستاغ، حيث حصل على 310 أصوات فقط، أقل بستة أصوات من الأغلبية المطلقة المطلوبة (316 صوتًا)، رغم أن التحالف يمتلك 328 مقعدًا.
كشفت رئيسة البوندستاغ، يوليا كلوكنر، أن تسعة نواب امتنعوا عن التصويت، بينما صوت 307 نواب ضد ميرتس، ما يعني أن 18 نائبًا على الأقل من التحالف لم يدعموه. هذا الانقسام، الذي يُعزى بشكل رئيسي إلى الحزب الديمقراطي الاجتماعي، يكشف عن توترات داخلية، خاصة بعد هزيمتهم الانتخابية المريرة واستياء بعض أعضائهم من التحالف مع المحافظين. وأثار الفشل صدمة داخل التحالف، حيث كان قادته يعبرون عن ثقتهم بالفوز قبل التصويت. رفع كلوكنر الجلسة للسماح بمشاورات عاجلة، بينما بدأ التحالف المسيحي والاشتراكيون، بدعم من الخضر وحزب اليسار، مناقشة إمكانية إجراء جولة ثانية في نفس اليوم، وهو أمر أكدته مصادر برلمانية أنه مسموح دستوريًا بناءً على تقييم مكتب الرئيس الاتحادي ووزارة العدل.
التداعيات السياسية
يُعد فشل ميرتس في الجولة الأولى سابقة تاريخية في ألمانيا ما بعد الحرب، مما يُضعف موقفه كزعيم محتمل ويُلقي بظلال من الشك على استقرار التحالف. يرى هولجر شميدينج، كبير خبراء الاقتصاد في بنك بيرينبرج، أن هذا الإخفاق “إشارة سلبية كبيرة” تُظهر عدم وحدة التحالف، مما قد يُقوض قدرة ميرتس على تنفيذ سياساته الاقتصادية والدفاعية. بدوره، وصف ينس سوديكوم من معهد دوسلدورف النتيجة بأنها “إشارة مدمرة” للمجتمع والاقتصاد، مشيرًا إلى أنها تعكس انقسامات عميقة.
على الصعيد الاقتصادي، شهدت الأسهم الألمانية انخفاضًا بعد التصويت، مع تراجع عائدات السندات، مما يعكس قلق الأسواق من عدم اليقين السياسي. كما أُلغيت زيارات ميرتس المخطط لها إلى فرنسا وبولندا، التي كان يعتزم من خلالها تأكيد دور ألمانيا كقوة دافعة في أوروبا.
يأتي هذا الإخفاق في ظل مشهد سياسي معقد. حصل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف على 20.8% من الأصوات في الانتخابات، محققًا أفضل نتيجة في تاريخه، مما يعكس استقطابًا متزايدًا حول قضايا مثل الهجرة والطاقة. رفض ميرتس بشكل قاطع أي تحالف مع البديل، مما جعله يعتمد بشكل كبير على الاشتراكيين، الذين يعانون من أزمة داخلية بعد هزيمتهم واستقالة أولاف شولتس المتوقعة.
يُضاف إلى ذلك تحديات خارجية، حيث يواجه ميرتس ضغوطًا لتعزيز الدفاع الأوروبي في ظل عدم اليقين بشأن سياسات الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب تجاه الناتو وأوكرانيا. أعرب ميرتس عن قلقه من “تقارب روسي-أمريكي” قد يُهمش أوروبا، داعيًا إلى إنشاء قوة دفاعية أوروبية مستقلة. هذه الرؤية، إلى جانب مواقفه الصلبة بشأن الهجرة، كتصريحه بعدم قبول المزيد من اللاجئين الفلسطينيين، أثارت جدلًا داخليًا وخارجيًا.
الخطوات القادمة
وفقًا للمادة 63 من القانون الأساسي الألماني، يملك البوندستاغ 14 يومًا لانتخاب مستشار بأغلبية مطلقة. إذا فشل ذلك، تُجرى جولة ثالثة تكفي فيها الأغلبية النسبية، مع خيار للرئيس الاتحادي بتعيين المرشح الفائز أو حل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة. أكد ينس شبان، رئيس الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحي، أن ميرتس سيُرشح لجولة ثانية، لكن التوقيت يبقى غامضًا، مع احتمال تأخير التصويت لتأمين دعم أوسع.
يكشف فشل ميرتس عن هشاشة التحالف المسيحي الاشتراكي، الذي يعاني من اختلافات أيديولوجية عميقة. يميل الاشتراكيون إلى يسار الوسط، بينما يتبنى ميرتس نهجًا ليبراليًا اقتصاديًا ومحافظًا اجتماعيًا، مما يثير توترات حول قضايا مثل الهجرة والإنفاق الاجتماعي. كما أن نتيجة الانتخابات الضعيفة للتحالف (28.5%)، مقارنة بأداء أنجيلا ميركل التاريخي (41.5% في 2013)، تُضعف موقف ميرتس التفاوضي.
يُضاف إلى ذلك أن ميرتس، الذي عاد إلى السياسة عام 2021 بعد غياب 12 عامًا بسبب خلافات مع ميركل، يواجه تحديات في بناء الثقة داخل حزبه وحلفائه. مواقفه المثيرة للجدل، مثل تصريحاته عام 2001 التي ربطت بين المثلية الجنسية والاستغلال الجنسي للأطفال، لا تزال تُستخدم ضده من قبل منتقديه.
على الجانب الخارجي، يُنظر إلى ميرتس كقائد قد يعيد تعزيز دور ألمانيا في أوروبا، خاصة في مواجهة سياسات ترامب وتصاعد النفوذ الروسي. لكن فشله الأولي قد يُضعف مصداقيته دوليًا، خاصة مع دعواته لدعم أوكرانيا وضمها للناتو، وهي خطوة يراها البعض غير عملية.
تتوقف قدرة ميرتس على تولي المستشارية على إصلاح الانقسامات داخل التحالف. قد يضطر إلى تقديم تنازلات للاشتراكيين، مثل زيادة الإنفاق الاجتماعي أو تخفيف سياسات الهجرة الصارمة، لضمان دعمهم. ومع ذلك، أي ائتلاف ثلاثي محتمل مع الخضر أو حزب اليسار يبدو معقدًا بسبب رفض ماركوس زودر، زعيم الاتحاد الاجتماعي المسيحي، التعاون مع الخضر.
في حال فشل الجولة الثانية، قد يواجه ميرتس منافسة من مرشحين آخرين، مثل بوريس بيستوريوس من الاشتراكيين، الذي يحظى بشعبية كبيرة. وإذا أدت الأزمة إلى انتخابات جديدة، قد يستفيد حزب البديل من أجل ألمانيا من حالة عدم الاستقرار، كما توقع إيلون ماسك، مما يُنذر بمزيد من الاستقطاب.