سؤال «الما بعدية»: ماذا يعني «الخروج» الثقافي؟

شهدت الثقافة المعاصرة، خاصةً منذ القرن العشرين، استخداماً مكثّفاً لتعبيرين، يبدوان متعارضين، وهما «الما بعد» و»العودة إلى». الأول يشير إلى التجاوز النقدي لمنظومة، فكرية غالباً، وفتح آفاق جديدة، لم تتخذ اسم منظومة أو مذهب جديد، ولا تريد ذلك. هكذا انتشرت تسميات مثل «ما بعد البنيوية»، «ما بعد الحداثة»، «ما بعد الاستعمارية»، إلخ. والثاني يرتبط بإعادة قراءة مفكّر كبير، أو حقبة زمنيّة تأسيسيّة، واسترجاع أفكارها الأساسية، بعيداً عمّا شابها من أساليب دارجة ومعاصرة في التأويل، فعرفنا «العودة لكانط» و»العودة لماركس» و»العودة لفرويد»، وغيرها من «العودات». التعارض بين «الما بعدية» و»العودة إلى» شكلي أكثر من كونه فعلياً، فكلاهما من أساليب إعادة القراءة، بوصفها نشاطاً فكرياً أساسياً، يقوم على النقد المفاهيمي، الذي يصل إلى حد الخروج من عالم ثقافي ورمزي بأكمله، والمغامرة في التجريب الفكري، كما في حالة «الما بعدية»؛ أو الرجوع إلى أساس أكثر متانة، كما في حالة «العودة إلى». بالطبع، قد «يعود» أنصار الما بعدية إلى أصول فكرية منسية أو مُساءة الفهم؛ أو يغامر أنصار «العودة إلى» في قراءة تتجاوز نقدياً ما عادوا إليه. ومعظم المدارس الفكرية المعاصرة، الأكثر ثراء، حوت مزيجاً من الظاهرتين.
ارتباط «الما بعدية» بإعادة القراءة النقدية يجعلها أكثر من مجرد صيحات فكرية، أو عجز عن التسمية، كما قد يظن كثير من مناهضي هذا التعبير؛ كذلك الأمر بالنسبة لـ»العودة إلى»، التي يجعلها طابعها النقدي أكثر بكثير من مجرّد أصولية. وكلتا الظاهرتين برزتا ضمن سياقات فكرية واجتماعية شديدة الحيوية، وشديدة الصراع والانقسام أيضاً، ما يجعلهما من الظواهر الملازمة للحداثة نفسهاModernity ، والتي ربما ما يزال تعريف الشاعر الفرنسي شارل بودلير لها هو الأفضل: «العابر، الهارب، العرضي… أما النصف الآخر فهو الأبدي والثابث». أي، بتأويل سياسي إلى حد بعيد، التوتر الذي خلّفه انهيار المجتمعات التقليدية، التي كانت تحدد لكل أفرادها أدوارهم ومعنى وجودهم، عبر ربطها بآخر متعالٍ (الإله)، لتحلّ محلها مجتمعات تتصارع على إنتاج المعنى والهوية والدور والأداء، ولا متعاليا فعليا فيها إلا السيادة الدنيوية، القابلة للنقض والمقاومة ومواجهة الهيمنة. إلا أن تلك المجتمعات تتوق إلى «الأبدي والثابت»، أو على الأقل إلى فهمه، أو فهم نتائج عدم وجوده، فتتجاوز وترجع، وتُنتج «الما بعديات» و»العودات». بهذا المعنى فمهما كان المفكر «ما بعد حداثياً» أو «أصولياً» فهو حداثي حتى النخاع.
ليس كل هذا من خصائص المجتمعات الغربية حصراً، فالمنطقة الناطقة بالعربية، لم تعد تعيش في علاقة ثابتة مع المتعالي، مهما تطرّفت دينياً. وصراعاتها على المعنى والهوية والدور تبدو من قلب عوالم التحديث، حتى لو كانت غير «حداثية» بالمعنى البودليري. لقد تم تقديم العابر والزائل، المتصل بالسيادة السياسية الدنيوية، بصفة الأبدي والثابت، المرتبط بالدين والأمة والمقدّس، إلا أن هذا لم يخفف من طابعه الدنيوي الزائل، ولم يؤد إلا إلى مجتمعات ممزّقة، غير قادرة على ضبط نزاعاتها في أطر تحوي الحد الأدنى من التوازن. مع قمع فكري شديد، يرفض من حيث المبدأ حرية المعتقد والضمير والتعبير. ربما من الخطأ القول إن مجتمعات المنطقة محافظة أو تقليدية، فهذا لا يتفق مع الكم الكبير من الحركات الراديكالية التي أنتجتها، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين الديني، ومن الخلايا والجمعيات القومية الأولى في نهاية العصر العثماني، وحتى «الدولة الإسلامية في الشام والعراق».
حاول آلاف الراديكاليين في المنطقة إعادة هندسة مجتمعاتهم، وشدّها أو بترها على قياس أفكارهم، وتحطيمها ومن ثم إعادة بنائها، وكان لهم كثير من الأنصار، وقد شهدنا بدورنا كثيراً من «العودات» و»الما بعديات»، من «الخلافة على منهج النبوّة» إلى «ما بعد الاستعمار»، إلا أن السياق لم يكن نقدياً أو منهجياً، بقدر ما كان محاولات متعثّرة، للإجابة على أسئلة فاجأت المفكرين والسياسيين من «الخارج»، ونتيجة أحداث وتطورات لم تكن بالحسبان، مثل «سؤال الهزيمة»، «لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟»، و»ما الإسلام؟».
في كل الأحوال، يبدو أن هذه «الحداثة» المفاجئة قد صارت وراءنا، والسؤال اليوم حول النجاة، وإمكانية استمرار الحياة في مجتمعات ممزّقة ودول فاشلة. ما يعيد طرح إشكالية «الما بعدية» بطريقة أخرى: ماذا بعد دمار المدن أو موتها البطيء؟ ماذا يفعل من وجدوا أنفسهم في مجتمعات يبدو سلوكها أقرب للانتحار الجماعي؟ هل يمكن «الخروج»، بالمعنى الثقافي والسياسي، بل حتى الروحي، من حالة الاستعصاء الاجتماعي والفكري والأخلاقي في هذه البلدان؟ إذا كنّا في حالة «الما بعد»، فهل يمكن أن نجد أصلاً ما، يمكن «العودة» إليه، أو ربما إعادة إنتاجه؟ أم أننا نلقي بأنفسنا إلى المجهول؟ قد يكون طرح هذه أسئلة أكثر جدوى بكثير من البقاء في الإشكاليات التأسيسية، التي تجمّد عندها ما يسمى «الفكر العربي» طيلة قرنين من الزمن.

«الهزيمة» أم «النجاة»؟
تحفل أدبيات اللغة العربية بمفردة «الهزيمة» وأسئلتها، لدرجة تبدو معها حداثة المنطقة حربيةً إلى حد بعيد. لقد هزمنا في معركة مع الآخر، وعلينا أن نفهم السبب، وأن نفكّر بالثقافة والمجتمع انطلاقاً من هذه الإشكالية، والغاية بالتأكيد تجاوز الهزيمة نحو النصر. تتفرّع عن هذه «الهزيمة» هزائم أخرى أصغر، مثل هزيمة الأجيال والثورات والأيديولوجيات، التي كان لنجاحها أن يقودنا إلى نصر ما، حتى لو كان معنوياً، على الآخر، ولمصلحة الذات. أحياناً يبدو التكرار الملح لعبارة «نحن مهزومون» أقرب لتلذذ جماعي بالاضطهاد والألم؛ فيما تؤدي أي بارقة «نصر»، مهما كان زائفاً، أو نتائجه كارثية على المجتمعات، إلى موجة احتفالية، أقرب للعدوانية والهلوسة.
من المثير للعجب بالفعل بقاء جانب كبير من ثقافتنا المعاصرة عالقاً في سؤال النصر والهزيمة، وكأن مجتمعاتنا معسكرات دائمة، فيما تمّ تجاهل سؤال الحياة نفسه: استمرارها، ومستواها، وجمالياتها. قد يكون الردّ التقليدي أن «المعركة مفروضة من الخارج»، إلا أنه رد يبدو بليداً ومكرراً إلى حد كبير، كما أنه لا يجيب عن وقائع أساسية، مثل تكريس «الأمة» كثيراً من مجهودها الحربي لمعارك الاستئصال والإلغاء الداخلية. لدينا «مجازر مؤسسة» إن صح التعبير، من مجزرة سميل في العراق، مروراً بمجازر حماة وحلبجة، وصولاً إلى الإبادة الإيزيدية وما بعدها، مما نشهده حالياً من مجازر في سوريا. قد تكون نظرية المؤامرة، أو «رد الفعل على الغرب» جيدة لمن يؤمنون بها. ولكن خارجها، وإذا أردنا التفكير جديّاً، فلا يمكن لمقولتي «المؤامرة» «ورد الفعل» تفسير السبب، الذي قد يدفع رجالاً من سوريا أو العراق لإبادة أقلية فقيرة ومضطهدة ومسالمة، مثل الأقلية الإيزيدية، ووسط صمت، أو لا مبالاة، من محيط عربي وإسلامي كبير، لم تهزّ تلك الإبادة وجدانه، بما يتناسب مع أهوالها وفظائعها.
قد يكون سؤال «الحياة» غير مفكر فيه عربياً بالفعل. وبغض النظر عن الأسباب، فلا يمكن تجاهله أكثر، لأن اللحظة الآشورية، أو الكردية، أو الحموية، أو الإيزيدية، قد تكون مصير الجميع، فضلاً عن الدمار الاقتصادي والبيئي والحضاري، الذي قد يجعل المنطقة غير صالحة للحياة حرفياً، ولذلك فالأجدى ترك التفكير بـ»الهزيمة» لمن يحبون الانتصار، والانشغال بالنجاة، وربما النجاة من «المنتصرين» الأبديين بالدرجة الأولى. هذا يتطلب التصدّي لمهام كثيرة، لا يطرحها سؤال «الهزيمة»، مثل تفكيك الروايات عن الأمم، وشعوبها الواحدة؛ والكفاح لأجل السلام بدل النصر؛ والسعي لتأمين الحقوق الأساسية للأفراد والفئات المختلفة؛ والاعتراف بالصراع الاجتماعي الداخلي، وتمايز الجماعات والفئات والشعوب والطوائف، وليس إنكاره، أو السعي لـ»الانصهار في بوتقة» ما، سواء كانت وطنية أو فوق وطنية.
إلا أن مقولة «الحياة»، ليست بسيطة أو بديهية على الإطلاق: كيف ولماذا نحيا؟ وما تعريفنا للنجاة؟ ثم مَنْ الذات التي يجب أن تجيب وتُعرّف؟ ستختلف الإجابة بالتأكيد باختلاف المجيب. الأمر الذي سيعيدنا إلى سؤال «الما بعدية»: إذا أردنا أن لا نكون من الأمم المهزومة/ المنتصرة نصراً إلهياً بعد اليوم، فماذا سنكون؟ مَنْ نحن في ما بعد الأمة أو الوطنية أو الهوية المألوفة؟

«الخروج» من الوطن
شهدت المنطقة موجات نزوح جماعية هائلة إلى الخارج، ملايين اللاجئين تركوا بلدانهم وتفرّقوا في دول الجوار، وحول العالم، إلا أن هذا النزوح لم يكن «خروجاً» بالمعنى الأعمق للمفهوم، أي الافتراق الاجتماعي والثقافي والروحي عن الفضاء الأصلي، أو السابق. قد يكون «الخروج» أعقد كثيراً من مجرد تغيير الموقع الجغرافي، ومحاولة الاندماج في مجتمعات أخرى. وربما لا يكون ممكناً من دون الإجابة عن أسئلة «الما بعدية» المعلّقة. فضلاً عن هذا فقد يؤدي «الخروج» إلى «التيه»، إذا عدنا إلى التراث اليهودي/المسيحي عن المفهوم. و»التيه» مفهوم تطهّري للغاية، يحمل أيضاً معنى «العودة» إلى أرض الميعاد، عندما يصبح الإنسان جاهزاً ومستحقاً لها. وربما لا يكون من الظلم القول، إن الثقافة العربية، بل اللغة العربية المعاصرة، أعجز عن التعاطي مع الصعوبات الفكرية والاجتماعية والروحية، التي يثيرها «الخروج»، وغالباً ستؤدي محاولة تحقيقه إلى إعادة إنتاج نسخة مُصغّرة عن الأرض التي يهرب منها الخارجون، ولكن بعد تصويرها أيديولوجياً على أنها أرض ميعاد، لشعب أو طائفة أو فئة مُختارة.
ربما الأجدى طرح «الما بعدية» بمعناها الحداثي الفائق، بوصفها طريقة للخروج من الهوية، من دون السعي إلى الغرق في هوية أخرى. بما يجعلها أقرب لـ»صيرورة»، حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، وحسب مثاله الشهير: «الخط الذي يتركه الطائر أثناء الطيران». وهذا ليس مجرد تعبير شعري، بل محاولة للتركيز على الحركة والفعل والتجاوز. بالنسبة لدولوز يجب أن لا يسعى البشر لأن يكونوا أقليات وفئات، يشهرون هوياتهم في وجه أكثرية مسيطرة تقوم باضطهادهم، فهذا سيوقعهم في اضطهاد داخلي جديدة، بل أن يبقوا في حالة التجاوز، أي «الصيرورة أقليّات» becoming-minoritarian.
قد يبدو هذا الطرح صعباً، وربما متحذلقاً وخاوياً من المعنى «الواقعي»، إلا أن ترجمته الأقرب قد تكون: أن يكون الجهد المبذول للنجاة، ولضمان استمرار الحياة، غير متوجّه مسبقاً لتجسيد هوية أو حالة أو تصور معيّن، بل سعي لإنتاج المشتركات بين متعددين، ولغة تواصل عمومية مُحدّثة، في سياق مقاومة القوى المدمّرة للحياة، ومن دون اشتراطات مسبقة. لا يلغي هذا إمكانيات «العودة إلى»، قد يعود البشر إلى ما يرونه مفيداً أو ضرورياً من عناصر هوياتهم، ولكنها عودة في سياق حركي ونقدي، وقابل بدوره للتجاوز، يشبه حركات «العودة» التي طبعت الحداثة. مَنْ سيقوم بمثل هذه المهمة، في غياب نخب، أو قوى سياسية، أو حتى بنى اجتماعية واعية ومتطورة؟ قد يكون سؤالاً مُثبّطاً أو دافعاً لليأس، إلا أن كثيرين اليوم في بلداننا يرون أنفسهم بالفعل «ما بعديين»، حتى لو لم يسمعوا بالمصطلح، وربما عليهم أن يفكروا بطريقة لـ»الخروج»، وإخراج ما يستطيعون من مجتمعاتهم معهم، أو أن يحاولوا على الأقل. من جهة أخرى، فإن المزيد من الانحدار إلى الهمجية احتمال قائم، بل ومُرجّح، وربما لا أحد، في هذا الجيل على الأقل، قادر على إيقافه.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية