سؤالان عن الكتابة

من ضمن أسئلة الكتابة التي تخطر على أذهان بعض الناس، ويودون مشاركتها دائما إما مع الكتاب أو القراء، سؤال عن إمكانية الإقلاع عن الكتابة الإبداعية نهائيا، وسؤال عن إمكانية العودة إليها بعد الانقطاع عنها زمنا طويلا.
في رأيي كلا السؤالين قد يكونان مهمين، وقد يكونان غير مهمين على الإطلاق، إذا قلنا إن القارئ من المفروض أن يكون مهتما بالنتاج الأدبي المتوفر لكاتب ما، سواء أن كتبه متواصلا أو متقطعا، أو كتبه وانقطع تماما وانزوى بعيدا. لكني أميل إلى أخذ السؤالين على محمل الجد، خاصة أنهما وردا لي من قارئة، أعرف أنها مواظبة، ومهتمة، ولها مراجعاتها المنتظمة للكتب الإبداعية، في مواقع القراءة المختلفة.
الانقطاع التام عن الإبداع، بعد كتابة عمل أو إثنين، موجود، سواء عندنا عربيا أو حتى في الغرب. هناك من كتب بالفعل عملا أصبح خالدا، أو لم ينتبه إليه أحد، وابتعد تماما، ليختار سكة أخرى غير الكتابة، وعندنا أمثلة كثيرة مثل «موبي ديك»، و«الحارس في حقل الشوفان»، وعربيا عندنا «الشمندورة» للكاتب المصري محمد خليل قاسم وهي رواية ملحمية أضاءت الكثير من عالم النوبة في صعيد مصر، رصدت العادات والطقوس، والأكل والشرب، وأشياء كثيرة مهمة، وأظنها كانت ضوءا هاديا للكتابات عن تلك المنطقة، التي أتت بعد ذلك. ولعل الكاتب أراد أن يكتبها وحدها، ولا يزيد عليها، وربما يكون محقا، لأن الكتابة عن عالم واحد، أحيانا تكرر نفسها، أو تقترب من التكرار، والرتابة. وربما كانت كتابات الكوني في عالم الصحراء، على جمالها وتفردها، تمنحك إحساسا أنها رواية واحدة، صيغت في أجزاء مختلفة.
لا أحد يعرف بالتأكيد مبررات الانقطاع، أو ترك الكتابة الجميلة واختراع العوالم، لكاتب ما، هي أشياء تحدث كما قلت، ولو سألت الكاتب نفسه، إن صادفته قبل أن يرحل، فلن تجد عنده مبررا معقولا. قد يقول لن أكرر نفسي، وقد يقول أنا لست كاتبا، وإنما هي خواطر خطرت ببالي ودونتها، وهذا طبعا غير صحيح، لأن غير الكاتب، الذي تخطر بباله الخواطر، لن يسعى لنشرها أبدا، فالنشر يعني استدراج الناس للقراءة، وهذا ما يفعله الكاتب، أو من يظن نفسه كاتبا.
وأعرف كتابا وشعراء أصدقاء، بدأنا معا، في أواخر الثمانينيات، وكنا نلتقي بانتظام، ونقرأ ما كتبناه على بعضنا، ثم فجأة اختفوا تماما، لم يعرف عنهم أحد شيئا، بعضهم نشر عملا واحدا، وآخرون لم ينشروا أي شيء. وأذكر أن أحد هؤلاء تحول إلى تاجر ميسور، وواحد آخر تطرف دينيا وينظر للأدب نظرته إلى عورة مكشوفة. وحين زرت الرياض مرة للحديث عن تجربتي المتواضعة في معرض الكتاب جاء إلى أمسيتي أحد هؤلاء وكان غائبا عني حوالي الثلاثين عاما، أنا لم أعرفه حين سلم علي بعد الأمسية، والحقيقة هو لم يقدم نفسه كمبدع قديم بدأ معي السكة وفارقها، لكن ذكرني بأنه إبن الجيران القديم، وحين انصرف، تذكرت فجأة أن هذا الرجل، ذا اللحية البيضاء الخشنة، كان شاعرا عظيما في زمن ما.
على أن هناك عوامل أخرى تتوفر، في مسألة الانقطاع عن الكتابة من عمل واحد أو عملين روائيين، أو مجموعة قصصية أو ديوان شعر، وهي الموت المبكر، الغياب الذي يلم الأحلام والطموحات ويطحنها، ولا يكون ثمة مجال لمنازلته. وصديقنا خيري شلبي الذي بدأ الكتابة في سن مبكرة، ونشر مجموعته القصصية «حكايات الديب رماح»، ثم نشر بعدها روايتين صغيرتين كما أذكر، مات وهو في السبعينيات من العمر، وكان يمكن أن يصبح كاتبا عظيما جدا، بتخصصه في الكتابة، نابشا التراث العربي القديم. كذلك صديقنا فوزي شلبي، الموظف في إدارة البريد، وكاتب القصة المتميز، مات مبكرا أيضا قبل أن يضع بصمته في لوح الكتابة الكبير. ولعل الذين عاصروا مقاهي وسط البلد في القاهرة، في أوج ازدهارها، يذكرون إبراهيم فهمي، مبدع القصة الذي رحل مبكرا أيضا.
ماذا عن العودة إلى الكتابة بعد طول انقطاع؟
السؤال الثاني من السؤالين الذين اعتبرتهما مهمين.
هذا هو الأكثر شيوعا من الانقطاع، لأن إحدى خصائص الكتابة المزمنة أنها لا تقلع عن الكاتب حتى لو أقلع عنها، والنماذج التي ذكرتها سلفا عن الانقطاع التام، إنما هي استثناءات.
الإنسان الكاتب هو في النهاية إنسان عادي له مشاغله واحتياجاته، وظروفه التي قد توقفه عن الكتابة فترة من الوقت، ويكون في أثناء ابتعاده، في حالة غليان كبير، يتمنى لو يستطيع أن يركل مشاغله بعيدا ويكتب، وقد ينتصر وينجز شيئا، لكن يتركه لحين يتفرغ تماما، ويعمل على تجويده.
أنا مررت بهذه التجربة، انقطعت طويلا، حتى أنغرس جيدا في مهنتي التي سأعيش من إيرادها، وكنت أعمل في مكان ناء وبعيد، برغم امتلائه بالأساطير والحكايات، فقط لا وقت لكتابة أي شيء. وحين انتهيت من تلك المرحلة، أي وضعت قدمي جيدا في سكة الوظيفة، عدت وبدافع العض المتواصل لأسنان الكتابة، إلى الدرب القديم، الذي تركته مرة أخرى فترة، بعد عدة أعمال، ثم العودة مرة أخرى.
هناك من يمرون بمرحلة جافة، ولا يكونوا مشغولين بشيء، هم يحاولون ويحاولون، ولا يخرج شيء، ثم يوما ما، تنهمر الكتابة، كأن لم تكن محبوسة. أنا لا أمر بمسألة الجفاف هذه، أو لا أحس بها، وإنما تمنعني المشاغل كما قلت، ولكن أعود دائما للدرب.
الكتابة الإبداعية عمل شاق، وعمل غير مثمر، وغير مجد، ووصفتها يوما بأنها مشروع الخسارات، من خسارة الوقت، إلى خسارة المال، حتى ينشر لك ناشر كتبك الأولى، ومع ذلك، هي موجودة، ومستمرة.
*كاتب من السودان

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية