رياض شيرازي: الأسئلة الوجودية تتراكم.. والمسرح اللبناني ينمو ويتطور… والمسارح مزدحمة بالمواعيد

زهرة مرعي
حجم الخط
0

في عالم الحروب المتنقلة والعبثية المتحكمة بوجودنا وتسارع تطورات المجتمع الرقمي

بيروت ـ «القدس العربي»:  بهدوء ينجز المخرج الفنان رياض شيرازي أعماله المسرحية. وإن كان الهدوء أحد صفاته المميزة، فمن صفاته الأخرى المهمة ذاك التعاون الخلاّق مع كل من عمل معهنّ أو معهم من ممثلين وكُتّاب. الأعمال المسرحية التي وقّعها في السنوات الأخيرة شكّلت بعناوينها ومضمونها حالة جذب للمشاهدين، فأقبلوا عليها وتفاعلوا معها بحيوية كبيرة، خاصة مسرحية «شو يا قشطة». مسرحيات بغالبيتها تُعالج إشكاليات نسائية اجتماعية وعلائقية.

«طربوش جدي معلّق» المسرحية الأخيرة التي أخرجها رياض شيرازي في العام الماضي، ما تزال مطلوبة من قبل الجمهور سواء في بيروت أو بقية المدن اللبنانية. فموضوعها الذي يجسّد حال الوطن، وصلة المواطنين به جذب الكثيرين، فهو يمثلهم، بقلقهم واستقرارهم، بقرار البقاء أو الرحيل، ويحكي مشاعرهم حيال وطن إن غادروه فلا يغادرهم.
يجد رياض شيرازي في المسرح حاجة. ويقول بأنه بات في السنوات الأخيرة وجهة مقصودة للخروج من المنزل. وجديد المسرح برأيه يتمثل في جمهوره الذي ينمو بشكل لافت. جمهور كسر قاعدة وسم بها سابقاً، بأنه هو نفسه يتنقّل بين مسارح العاصمة الثلاثة. ازداد الجمهور كثيراً وما يزال يكبر، والمنتجون متحمسون جداً، ولهذا تشهد مسارح العاصمة الثلاثة كثافة مواعيد، ولأمد طويل.
هنا حوار مع رياض شيرازي:
○ نعيش في عالم يخضع لتبدلات مخيفة فلا قانون ولا قيم ولا أخلاقيات دولية. هل للمسرح دور في طرح الأسئلة عن تلك الانهيارات؟
• بالتأكيد له دور، لأن المسرح يشكّل انعكاساً للحياة التي نعيشها. على الدوام كان المسرح أداةً لمعالجة موضوعات اجتماعية وسياسية، وهذا واضح عبر العصور، حيث الكثير من الكتّاب والمخرجين تأثروا بمحيطهم، وتالياً كتبوا مسرحياتهم بما يعبّر عن العصر الذي عاشوا فيه. ولأن التاريخ الإنساني يكرر ذاته أحياناً، نلحظ بأن بعض الموضوعات تعيش لكافة الأزمنة، وأخرى لحقبة محددة فقط.
○ أي موضوع تراه مناسباً لهذه الحقبة سواء من المسرح العربي أو العالمي؟
• نعيش حقبة فيها الكثير من التغيرات على الصعيد الاجتماعي والإنساني، ولهذا قد استعيد قليلاً من لحظات كتابة المسرح العبثي، أعني مسرحيات يونيسكو وبيكيت. فنحن كما هو ظاهر نعيش عبثية متجددة. ربما سابقاً كانت العبثية لغوية، سياسية أو وجودية كما طرحها جان بول سارتر. لسنا في حرب عالمية ثالثة، إنما كافة الأحداث المحيطة بنا سواء التغيرات المتسارعة في المجتمع الرقمي وفي كافة وسائل التواصل، إضافة إلى الحروب المنتشرة في العالم والتي تعتمد التكنولوجيا وسيلة، ومن خلالها نشعر بمدى العبثية التي نعيشها نتيجة تلك الحروب القائمة. وكأن الإنسان يعيش انفصاماً على صعيد الشخصية والأفكار. يحدث هذا فيما العالم يتابع مساره السريع، وكذلك التغيير على مختلف الأصعدة. لهذا أشعر بأننا نعيش العبثية نفسها، ولدينا الأسئلة الوجودية نفسها، إنما بطريقة تحاكي زمننا.
○ كنت بطل ظل للعديد من العروض المسرحية التي عالجت عناوين اجتماعية حسّاسة خاصة بالنساء. كيف انعكس حضورك كمخرج نصير لحقوق النساء في تلك العروض؟
• هو موضوع قريب مني جداً، سواء عندما كنت على مقاعد الدراسة، أو في علاقاتي الاجتماعية والعائلية. دائماً الموضوعات الخاصة بالمرأة تحاكيني بشكل مميز جداً. نشأت في عائلة ساوت بيننا أنا وأخي وشقيقتنا. عائلتنا تنظر بقدسية إلى دور المرأة. ما لا أفهمه استمرار النظرة الذكورية تجاه النساء، إن على صعيد قانون الأحوال الشخصية، أو ما يُسمّى بالكوتا النسائية لجهة تمثيل المرأة في البرلمان. نحن في لبنان ندّعي أننا متقدمون عن سوانا من الدول الشقيقة، في حين يقول الواقع أننا ما نزال نمارس التمييز بحق النساء، من دون أن نضيء على تلك المشكلة. وللمسرح دوره في مثل هذه القضايا الاجتماعية. لهذا آمل لو تتمكن العروض المسرحية ذات الطابع الاجتماعي، أن تشقّ طريقها نحو كافة المناطق اللبنانية. نشر رسالة المسرح بما له من دور على الصعيد الاجتماعي، يجب أن تخرج من مسارح العاصمة إلى مسارح المدن الأخرى والبلدات الكبيرة.
○ نعرفك أباً فهل بينهم فتيات؟
• عائلتي مؤلفة من ولدين وبنت، ومعهم أمارس ذات المبادئ التربوية التي عشت وفقها. أحد منهم لم يلحظ تميزاً في التربية، وكذلك في هامش الحرية، وهامش التعبير عن الرأي. وألاحظ أن ابنتي تصل في هامش الحرية والتعبير بشكل أسرع من أخويها، كونها الأصغر، وتأثراً باختلاف الزمن. يعرف أبنائي أن لا اختلاف في أسلوب التربية والتعامل بين فتاة وولد، والميزان هو العدل بينهم.
○ هل سعيتم لتقديم عروض خارج بيروت وواجهتكم عقبات خاصة بالنسبة للمنتجين؟
• انتقال العرض المسرحي من مكان إلى آخر يحتاج لتعاون لوجستي بين طرفين. يمكن ان تتسهل المهمة عبر تعاون وثيق بين الإنتاج والمكان الذي سينتقل إليه العرض.
○ تميزت في الإخراج وكذلك في السينوغرافيا. فهل يختلف دور السينوغرافيا في العروض ذات الموضوع الاجتماعي؟
• أكيد لأنها تحمل رمزية مهمة جداً. فالمسرح لديه مساحة لها صلة بعلم النفس، وبالتالي اُطر السينوغرافيا ليست عبثية، بل هي ذات صلة مباشرة بالنص وبشخصية الممثلين، وبالحالة النفسية التي يمرون بها، وبالحالة النفسية للنص. والسينوغرافيا ليست الديكور فقط، بل تشمل الإضاءة والألوان، وكافة أدوات المسرح ذات الرمزية. وكل في مساحته يترك أثراً كون الإنسان مبني على السمع والبصر، وهو يُشاهد ويسمع. إذاً كل ما هو موجود على المسرح له رمزيته، وبالتالي يترك أثره بشكل مباشر أو غير مباشر على نفسية المشاهد. وللسينوغرافيا دورها في إيصال رسائل للمشاهد لم يوصلها النص وكذلك الممثل.
○ ماذا قالت لك السنوات الماضية عن ذائقة جمهور المسرح اللبناني خاصة بعد كورونا؟
• عُرضت مسرحية «مفروكة» في مرحلة العودة التدريجية للحياة الطبيعية بعد تراجع حدّة الوباء. وحينها كان تباعد المقاعد مُلزما في الصالة، وإلتزام الكمامة مفروض على الجمهور. ما أذكره هو الاستقبال الرائع للمسرحية. بالعودة إلى الحاضر فالحمدلله النهوض واضح وكبير في الإقبال على المسرح في لبنان. بات العاملون في المسرح أكثر جرأة على تقديم المسرح. وهذا طبعاً ناتج عن الجمهور المقبل بحيوية على العروض المسرحية، مع الملاحظة بأن جمهور المسرح كسر قاعدة قيلت بحقه سابقاً، بأنه هو نفسه يتنقّل بين مسارح العاصمة الثلاثة. الجمهور السابق حافظ على وجوده، ومعه جمهور واسع جديد، ويتجدد على الدوام. ما كنا نتمناه بات حقيقة، وصار المسرح في طليعة اختيارات مشروع الخروج من المنزل. والملاحظة المهمة الثانية تتمثّل بالأعمال المسرحية التي تُعرض، والتي تجد قبولاً من الجمهور. وباتت الدعاية للعروض المسرحية في جانب ملحوظ منها قائمة على قاعدة بدايات المسرح، أي من الفم للأذن. آخر عرض مسرحي «طربوش جدي معلّق» الذي كتبته مع مروى خليل وأخرجته وجنيد زين الدين، جال على مسارح بيروت الثلاثة العاملة وهي مونو، ودوّار الشمس والمدينة. وفي المسارح الثلاثة كانت الصالة شبه ممتلئة، وهذا دليل صحة. إنما تتمثّل الصعوبة في الابتعاد عن بيروت. ومن المقرر أن تعرض مسرحية «طربوش جدّي معلّق» مع مروى خليل وجنيد زين الدين خارج لبنان في دبي وباريس ومونتريال. وأن تجول مسرحية «طربوش جدّي معلّق» بين طرابلس وصيدا وغيرهما من المُدن اللبنانية. هناك ضرورة مُلحة لأن يعيش المسرح من جديد خارج بيروت. نقل المسرح إلى المناطق يحتاج لدعاية مميزة وواسعة تحيي لدى الجمهور عادة ارتياد صالات العرض. في المحصّلة أقول الحمدلله المسرح نشيط خاصة بعد الحرب الكبيرة التي مرّت على لبنان، حيث كانت التوقعات غير إيجابية، لكن المسرح استنهض نفسه بحكم إقبال الجمهور.
○ المطالعة التي تقدمت بها رداً على السؤال تقول إن المسرح حاجة أكثر من كونه مشروع خروج من المنزل؟
• أعتبره حاجة، خاصة لدى طرحه لموضوعات تعنينا. برأيي أن المعادلة المطلوبة في العرض المسرحي تتمثل في الإستجابة لذائقة المتلقي. فمن يقصد المسرح ليكون حيال تحد لفكره، يجد هدفه، ومن يقصده للاستمتاع، يجد رغبته، ومن يأتي إلى المسرح ليمضي وقتاً مثمراً، سيتمكن من ذلك، إنها التركيبة المهمة. بالطبع للمسرح أساليبه المختلفة، وهو تنوع جميل يمكن للمتلقي ان يعتاده، وبالتالي يصبح أمام اختيارات متنوعة للمشاهدة. والحمدلله ثمة تجارب عظيمة في العروض المسرحية التي شهدتها مسارح العاصمة في السنوات القليلة الماضية.
○ ما هي العروض المسرحية التي تحمسك لمشاهدتها؟
• عندما يتسنى لي الوقت أختار العروض كما يختارها أي مشاهد آخر. بصراحة وأمانة ما من عرض مسرحي يمكن أن أرفعه من قائمة اختياراتي عندما يتوفر الوقت. أحترم الأسماء البارزة لكنها ليست هي التي تحدد اختياري، فكل تجربة مسرحية لا بد سنقطف منها جديداً. في كل عرض أشاهده أحرص على الاستمتاع به، وأترك التحليل لحين مغادرتي المسرح. برأيي كل إنسان يحترم المسرح ويقدّم عرضاً مسرحياً، لا شك سنلمس جهده وجديده معاً. وبالنهاية لكل رأيه فيما يحب، وهذا جمال المسرح. مع المسرح نحن في رحلة تعلّم دائمة.
○ ما رأيك بعرض «أبو الزوس» وأنت خرّيج الجامعة اللبنانية الأمريكية؟
• هو عرض خاص جداً لكونه جمع بين عدد كبير من المتخرجين من الجامعة اللبنانية الأمريكية. بمجرد اجتماع هذا العدد من الخريجين على خشبة المسرح فهذا وحده كفيل بإحداث عصف من النوستالجيا. غولبنكيان مسرح يعيش في وجدان المتخرجين، وهذا ما شعرته حقيقة حين تابعت العرض. مثّلت على هذه الخشبة، وأخرجت عدداً من المسرحيات عليها كذلك. «الجمعة» حلوة جداً، ونص وودي ألن غاية في الدقة. أجواء «أبو الزوس» شخصية، وكل من مرّ على هذه الجامعة سيعود إلى الأجواء الجميلة السابقة في خياله ومشاعره. وبصدد مشاركتي في هذا العرض فالتواصل لم يتم لكوني ما زلت منشغلاً بعروض «طربوش جدي معلق».
○ «طربوش جدي معلق» من الموسم الماضي فماذا عن استعدادك للموسم الجديد؟
• ثمة مشروع كان على النار مع طلال الجردي ارجأ لظروف خاصة، لكنه مستمر على الخريطة لمرحلة مقبلة. ومشروع آخر مع جوّانا خلف ووفاء حلاوي يُطبخ على نار هادئة. و«طربوش جدي معلق» يتابع عروضه. ولا بد من التصريح بأن مسارح بيروت «مفولة». أننا نعاني من صعوبة حجز زمن محدد لعروض جديدة. هناك كثافة طلب من قبل المنتجين.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية