في روايته «عزيزتي سافو» يتوجه هاني عبد المريد توجها خاصا في كتابة الرواية الشارحة، أو الميتاقص من خلال السؤال الملح الذي يطالعه القارئ في الصفحة الأولى: كيف تتشكل الرواية؟ أو كيف تكتب الروايات؟ وكأنه يلمح إلى الإطار المعرفي الذي تتحرك في حدوده روايات ما بعد الحداثة من خلال الميتافكشن أو الميتاسرد. وقد ظهرت هذه الآلية في الكتابة الروائية منذ سبعينيات القرن الماضي، فبدلا من الانعكاس في حدود الواقع أو الحياة التي تقدم جزئيات جاهزة للكتابة، ترتبط الكتابة- مع ارتباطها وانشدادها إلى الواقع – بتأمل ذاتها، وتأمل تاريخها داخل حدود النوع، أو داخل حدود الفن بمعناه الواسع.
ففي الرواية تتحول الكتابة السردية إلى فعل وجودي معيش، فنرى الكيفية التي يتمّ من خلالها سرد واقع البطل أثناء توتره بفعل الكتابة نظرا لصمت أو لجفاف لحظته الإبداعية، وبحثه عن مداخلها وطرائقها، وتفريقه بين هذه المداخل الدنيوية الزائفة، واختياره العلوي والأبدي. فالسرد يدخل القارئ إلى الحياة اليومية للبطل (خالد) – بما له من دلالة أولى ترتبط بالبحث عن الثابت والصامد والأبدي ضد التحلل والتلاشي – في معترك الحياة واختياره الهامش، وتتشكل آلية الميتاسرد، فيرتدّ السرد إلى ذاته، ويحيل إلى محكية لها فرادتها وديمومتها وأبديتها بوصفها موضوعا من موضوعاته.
الرواية الشارحة
والبحث عن الروح
يبدو السؤال المعرفي الأساسي لنص الرواية، أو لشخصيات الرواية مرتبطا بالوصول إلى الروح، أو إلى المعرفة الخاصة بالذات التي تسهم في تحديد الاختيارات وطبيعة التوجه، وربما يكون هذا السؤال مرتبطا بالأفق المسدود في عالم الكتابة، ومن ثم يتولد البحث المعرفي عن كيفية كتابة الرواية، ولكن هذه الكيفية كما تجلى من نص الرواية ليست إلا بحثا عن الروح، بحثا عن التحقق المغاير، طالما أن طرائق الكتابة متعددة من الناحية المنطقية.
يتجلى البحث عن الخيط السردي المناسب في نص الرواية، وكأنه بحث عن المشابه أو القرين، في ظل سيولة الزمن وهلامية المكان من خلال حضور أشباح أو حلولها أو من خلال الأحلام، فلا نشعر أن هناك تناوبا بين الآني والماضي، أو بين الشخصية الرئيسة (خالد) وقناعها (سافو)، أو بين القص والميتاقص، بل نجدهما متداخلين مندغمين من خلال بنية روائية مؤسسة بوصفها بنية منفتحة تستحضر وتجمع القص والميتاقص من خلال وسائل لافتة، وشخصيات تتحول- نتيجة للشحن المستمر والتقنين وفق سنن ومعطى جاهز تراثي تشكلت له أبدية فاعلة- إلى نماذج ورموز لها سمات الأسطرة في إشارتها المستمرة إلى توالدها وتشابهها مع وجود أيقوني سابق.
ففي رواية «عزيزتي سافو» تتشكل المحاولات من فكرة العجز عن الكتابة كما يحددها البطل انطلاقا من سياقه الحضاري، وعزلته التي يفرضها على نفسه. ومن ثمّ نشعر في بحثه عن مداخل للكتابة بإشارات نقدية وإشارات نظرية في كتابة الرواية، وكأنه من خلال هذا الأسلوب يتوجه نحو الأنظمة الروائية المستقرة في الأنماط الكلاسيكية للكتابة، ليجرّب هذه العمليات للخروج من الأزمة، مثل آلية التداعي الحر للكلمات في انفصالها بوصفها مفاتيح لتشكيل عوالم كتابية جزئية، ولكن هذا المنحى لا يفضي من وجهة نظره إلا إلى رتابة.
تتوجه الرواية بعد ذلك للإشارة إلى الواقع بجزئياته، ولتتجذر معرفيا في حدود العلاقة المعقدة بين الواقع والتخييل، الواقع بوجوده الراهن، والتخييل بطبيعة الاختيار والدخول وكيفية التشكيل، وكأن الروائي يشعرنا بهذا الوضع من خلال الإشارة إلى السياقات الجاهزة، بداية من نمط الحياة الذاتي، وطبيعة السكن، والأزمة المالية، وإيقاع الحياة الرتيب، ومرورا بالشرائح الجاهزة في كتابات السابقين لإعادة الاشتغال والدوران في الآفاق المؤسسة، مثل شريحة الساقطات والمطلقات (أشجان وسميرة بوصفهما نموذجين)، وختاما بالانتباه إلى توجه شائع في الكتابة الروائية من خلال التركيز على سكان العمارة، وتعدد أنماط هؤلاء السكان، مثل الشيخ فارس السلفي، وزوجته المنتقبة وأبنائه، وفريد الصيدلاني، وزوجته وابنيه، وأسرة الأستاذ كريم وزوجته وأبنائه الذين يدّعون أنهم ليسوا إخوانا، من خلال كتابة روائية تنتهج الرعب، فيضع كل شخصية منهم في مواجهة الرعب حتى الصباح.
ما يعرضه الكاتب في جزئياته الأولى، سواء ارتبط الأمر بتسرب بعض الأفكار النظرية أو النقدية مثل الانسياق نحو الكلمات المفاتيح ومحاولة تفعيلها لبناء مدخل للكتابة، أو الارتباط بالساقطات أو المطلقات أو النماذج الجاهزة المحتمية بمكان يضم الاختلافات والتباينات، أو آلية وفنية مرويات الأسلاف، يلحّ وكأنه يقدم للكاتب توجهات كتابية، ويتورط الراوي بالتعليق على هذه التوجهات في مقاربته لهذه المسارات الكتابية، فيقدم لنا رأيا واضحا برفض هذه التوجهات، لأنها تقدم قيما فنية وقتية أو مرحلية من سماتها التبدل والتغير باستمرار، لكنه باحث عن كتابة ترتبط بالأبدية متحدية الزمن وأثره.
ربما تكون أولى هذه السمات متمثلة في اعتبار الفنون أو الكتابة كيانا قائما بذاته، ومن ثم له انعكاساته ومراجعاته الخاصة به تتجلى في الكتابة الفنية، وأن الكاتب يؤدي دوره في إطار محاولته الإضافة إلى الفن الذي يمارسه ولو خطوة واحدة. ويأتي للتدليل على تلك الفكرة رفض سافو الدخول بالفن إلى منحى أيديولوجي، في رفضها الكتابة عن بطل الأولمبياد، وكأن في ذلك تدنيسا لقيمة الفن، وقريب من ذلك حديث الرواية في مقارنتها بين الكتابة الآمنة قبل تعاقد البطل مع دار النشر، والكتابة الفنية التي تنتهج المواجهة بدلا من المداهنة.
تتساوق مع سمة الحرية جزئية أو سمة أخرى ترتبط بالخلود والانفلات من سطوة الزمن وقبضته، فالكتابة- أي كتابة- لديها خوف دائم من المحو، خاصة حين نستحضر القلق المزمن من خالد- حتى في أثناء حلمه – من وجود الصفحات البيضاء أو الصفحات الملطخة ببقع الحبر للإشارة إلى الوجود مع عدم الفاعلية، فوجود سافو – بورودها في الحلم بما تبعثه من الخلود والبقاء والصدق – يبعث على الطمأنينة، ويتساوق مع وجودها الإشارة إلى الشاعر فؤاد حداد، حيث تتحدى نصوصه الزمن لصدقها من خلال قوله (ألفين سنة، ويبقى كلامي جميل)، أو الإشارة إلى المتنبي وتعاظمه على المجايلين له وعلى حدود زمنه لعنايته بالمجرد والأبدي.
الحقيقي والزائف
ملامح تجلي سافو في الرواية شبيهة بملامح تولد الكتابة أو الرواية التي لا ترتبط بتخطيط بقدر ارتباطها بوحي وانبثاق ذهني، فورودها قد مرّ بمراحل حلمية وارتباطات سابقة، ولكنها كشفت عن ملامحها بشكل كلي حين تشكلت الفكرة. فالكتابة على لسان سافو – كما تقول الرواية – كأقدار الآلهة، حين تُحدد لا شيء يقف في طريقها. فالكتابة في ظل ذلك التصور لا تخلو من قداسة، في انفلاتها من الزمن وحدوده الملتحمة بالفن، معها يذوب كل ما يرتبط بالسياسة المؤقتة، وما يتجاوب معها من جزئيات فانية، فالكتابة هيكل ما يمسّ الإنسان بصدق خارج الحدود والأطر والأعراف والتقعيدات والتقسيمات الجاهزة. وربما تكون رغبة ميلسا صاحبة دار النشر في كتابة رواية تبرئ ساحة جدها بارثلميو ينّي، من خلال فاعلية السردي في تشكيل انفتاحات سردية تسهم في زحزحة المستقر والمتفق عليه السبب الرئيس في توليد هذا المنحى الفكري، فيتجلى نتيجة لذلك منحى فكري مشدود لأخلاقيات الكتابة أو حدود التفسير والتأويل. يتجلى ذلك في قول الرواية في مقاربة الراوي لهذا الموضوع: (هل يستوي من يريد إظهار جمال الواقع بمن يفكّر في تزييفه، أي جمال يمكن أن يقدم للعالم بحكايات عن بارثلميو ينّي، لمن سينحاز حين يفعل فعلته هذه).
حضور بارثلميو ينّي – منفذ حكم الإعدام في سليمان الحلبي – يكشف عن حضور فعل التزييف في السرد، في مقابل أخلاقيات أو حدود التأويل الخاصة بالسرد التاريخي، فكل ما أرادته الناشرة من خالد بطل الرواية /الكاتب رواية مزيفة تبرئ ساحة جدّها وتنقله بالتدليس من خانة الخائن لخانة المناضل الوطني الشريف. والسرد في ظل ذلك التصور – إن تمّ – مثل البلاغة يغيّب الحقيقة ويقوّضها، خاصة إذا كان الأمر يرتبط بدار نشر مرتبطة بالسلطة، فهي واحدة من تلك الهيئات العديدة التي تتغير أسماؤها، ولكن يبقى الدور الذي تقوم به خالدا في أشكال مختلفة، فهذا الدور- فوق كونه ثقافيا- وثيق الصلة بالسياسة، وإعادة صياغة الماضي، والعمل على تحريفه، من خلال رفده بخيوط منطلقا من الحاضر لتبرئة ساحة البعض.
الرواية في جانب من جوانبها تحاول أن ترفع الضيم، أو تعيد مساءلة الصورة المسدلة عليها، انطلاقا من الصدق، فالصدق في كل حالاتها أوجد لها ذلك التواجد المستمر، فالصدق في المحبة، والصدق في الكتابة، وارتباطها بالروح التي بحثت عنها طويلا حتى وصلت إليها، جعلها تتعاظم على كل محاولات المحو والتغييب، فقد جعلها تنتصر على النبذ والتجاهل والتحريم، بالإضافة إلى تغلّب ما بقي من منجزها على الزمن. فالرواية تعيد مساءلة الصورة الغالبة والمتفق عليها الخاصة بالخطاب التاريخي الذي يشكل المتن أو الحضور الفاعل في طبيعة النظرة، وذلك من خلال استعادتها بإدراجها في سياق متن آخر، يقلل من حدة المتن المستمر.
في محاولة استعادة بريق صورة سافو تستند الرواية إلى تفعيل الحقيقي الذي ليس ثابتا، فتأويل التاريخ أو الشخصيات التاريخية – طالما جاء في شكل خطاب، وليس حوادث، ومن ثم لا يخلو من انزياحات أيديولوجية – يجب أن يستحضر مجمل السياقات والصراعات الحضارية التي تؤثر في ميلاد الصورة وتسريدها، وصنع إطارها، وحين تنتهي الصراعات بمرور الزمن تظل الصورة موجودة بإطاراتها القديمة، ومن ثم يتمّ تغييب الأسباب التي أسهمت في ميلاد الصورة أو على الأقل في تضخيمها على هذا النحو.
تبدو المقاربة في الكتابة الروائية في تحديد (الزائف) و(الحقيقي) منطلقا من منطلقات الرواية، بداية من الأسلاف، ومرورا بصورة الروائي المأجور التي يرفضها وانتهاء بالنص الزائف الذي كتبه في أيام قليلة استجابة لبنود العقد المبرم مع دار النشر. استعادة سافو أو تحريرها من الخطاب المناهض استعادة للحقيقي في مقابل الزائف، تلك الصورة التي تجلت في أقوال بعض معاصريها ربما تكون قد تأثرت أو هُمّشت بسبب سطوة الخطاب المناهض والمقاوم لوجودها وبزوغها وتأثيرها. هذه الاستعادة تمثل ملمحا مهما يتمثل في تحرير الإنسان، فالكتابة لا تحوّلنا إلى عبيد، هي تفعل العكس، فالكتابة فعل من أفعال الحرية.
هاني عبد المريد:
«عزيزتي سافو»
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2021
187 صفحة.