لا يبتعد عبد المجيد زراقط في روايته الجديدة «القمريّة» عن منجزه الروائي، على مستوى العالم المرجعي، الذي يمتح منه ويُحيل إليه، من جهة. ولا يبتعد عن روايته ما قبل الأخيرة «المصيدة»، على مستوى الخطاب الروائي، من جهة ثانية. ذلك أنّه، على المستوى الأوّل، يعود مجدّدا إلى الجنوب اللبناني، خلال العقد الأخير من القرن العشرين، ليتّخذ من الصراع بين أهله والمحتلّ الإسرائيلي وأدواته، ثيمة تتمحور حولها أحداث الرواية، وهو صراع مزمن تُستخدَم فيه أسلحة شتّى، وينجلي عن نتائج معيّنة. وعلى المستوى الثاني، يستخدم زراقط تقنية تعدّد الأصوات الراوية، التي استخدمها في روايته السابقة، آنفة الذكر، بحيث تبدو الرواية الحاليّة تنويعا على السابقة، إذ يُولي مهمّة الروي فيها إلى تسعة رواة مشاركين، يُوزّع عليهم الوحدات السردية الثلاثين، بوتيرة ستّ عشرة وحدة لضياء فريد، وثلاث وحدات لكلٍّ من سعيد عامر وناصيف رضوان، ووحدتين اثنتين لكلٍّ من صفاء غانم ونعمان ناصر، ووحدة واحدة لكلٍّ من الحاجّة كريمة وغسّان حميد وتوفيق سهيل وخولة عامر، من شخوص الرواية. على أنّ هذا التوزيع لا يتناسب، بالضرورة، مع أهمّية الشخصية ودورها في مجرى الأحداث؛ فربّ شخصية شاهدة على الأحداث أكثر ممّا هي فاعلة فيها، تستأثر بعدد أكبر من الوحدات المروية. وربّ شخصية فاعلة يقتصر حظّها من الروي على وحدة سردية واحدة. ولعلّ ما يعوّض هذا الإجحاف هو حضورها في الوحدات المروية من شخوص أخرى.
قرية حدودية
تدور أحداث الرواية في قرية حدودية، يُطلق عليها الكاتب اسم «القمرية»، عشيّة تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي في عام 2000، وتندرج في إطار الصراع بين المحتلّ وأدواته، من جهة، وأهل القرية وإمكاناتهم المحدودة، من جهة ثانية. على أنّه، رغم التفاوت، في موازين القوى، بين طرفي الصراع، ينجلي عن نصر مؤزّر لأهل الأرض، وهزيمة مدوّية للمحتل، في إحالة روائية إلى أنّ إرادة المقاومة هي السلاح الأمضى في حسم نتيجة الصراع، وهو ما تُؤيّده الوقائع الروائية المختلفة.
أدوار متفاوتة
ينخرط في الصراع، من الطرف الأوّل، كلٌّ من مرعي الرجّوم رئيس الإدارة المدنية في القرية، وسعدون البيّاع المسؤول العسكري في مركز العملاء، وعبّود الناشف مساعده، وجبّور ابن عبّود، وضابط المخابرات الإسرائيلي، الذي لا يمنحه الكاتب اسما معيّنا، وغيرهم. وتتفاوت أدوار هؤلاء في مجرى الأحداث، فلكلٍّ دوره المتناسب مع مسؤوليته. غير أنّ ما يجمع بينهم هو تحدّرهم من أصول وضيعة، واشتمالهم على عقد نفسيّة أثّرت في خياراتهم؛ فمرعي الراجي الوافدة أسرته إلى القرية من مكان مجهول، ينشأ في ظلّ أبٍ قاسٍ وأمٍّ مغلوبة على أمرها، وينزع نحو إيذاء الآخرين، ويكره أهل القرية، ويعاني نوعا من النبذ صغيرا، بحيث يُعيّره بعض رفاقه بالسرقة وبأبيه راعي العجّال، وتُعرِض بنات القرية عنه، ويستحوذ رفيق الصبا نعمان على إعجابهن. وإذ يعاقبه أبوه، ذات يوم، على ذنب ارتكبه، ويربطه إلى جذع شجرة، يقوم نعمان بفكّه، فيغادر القرية إلى بيروت، وفي نفسه رغبة الانتقام من أهلها. يمرّ بتحوّلات كثيرة، يمارس خلالها النصب والاحتيال والتزوير، فيقترن بابنة مدير الشركة التي يعمل فيها، ويضع يده على ثروتها بعد موت الأب، ويتخلّى عنها. يدبّر مكيدة لرفيق الصبا نعمان، بعد استدراجه من القرية إلى بيروت، فيضع يده على أرضه في جبل الورد، ويقيم قصره عليها. ينسج شبكة من العلاقات مع نافذين يستخدمها لتعزيز ثروته ونفوذه. يرشو صحافيين ليضعوه تحت الأضواء. يتعامل مع المحتلّين، ويرأس الإدارة المدنية في القرية. يسعى إلى الإيقاع بالمقاومين من أبنائها، لاسيّما ناصيف رضوان. يحاول تعويم نفسه بعد انسحاب الاحتلال لكن محاولته تبوء بالفشل.
وسعدون البياع كان «مجرّد بائع متجوّل، يرتدي ثيابا مهلهلة مبقّعة ببقايا الزيت والزعتر واللبن، يجرّ بغله الحرون، وينادي في طرقات القرية وأزقتها: سكاكين، شُوَك، ملاعق، كاسات شاي، فناجين قهوة…». وجبّور الناشف كان تلميذا فاشلاً، يهرب من المدرسة، يعاني عقدة نقص من اللغة العربية، ويفتقر إلى التوازن النفسي. والأمر نفسه ينطبق على عبّود الناشف، بشكل أو بآخر. على أنّ الأسلحة المستخدمة من قبل هذا الفريق، تتراوح بين التزوير والنصب، والاحتيال والتهديد والوعيد والابتزاز، والترغيب والترهيب والسلب والتوقيف والتحقيق والتفجير وغيرها.
المقاومة المدنية
في المقابل، تنخرط في الصراع، من الطرف الثاني، مجموعة شخوص من أهل القرية، من مواقع مختلفة، ويتراوح انخراطهم بين المقاومة المدنية، من خلال رفض التعاون مع الاحتلال وأدواته، من جهة. والمقاومة العسكرية، من خلال القيام بعمليّات ضدّ هؤلاء، من جهة ثانية؛ فعلى المستوى المدني، يرفض سائق الباص أنس الصافي، أن يُقِلّ تلاميذ المدرسة الرسمية في رحلة مدرسية إلى القدس المحتلّة، ويحاول أن يستهبل، في محاولة منه للتخلّص من ورطته، حين يبرّر رفضه بأنّ عملاقا أبيض ربّت على كتفه، وطلب منه عدم الذهاب إلى القدس في ظلّ الاحتلال، ورغم ذلك، يدفع الثمن، حين يقدم أحد العملاء على ضربه بمسدّس على رأسه، ويسيل دمه. ويرفض الشيخ مصطفى استقبال أحد من المحتلّين وأدواتهم والتكلّم معه، ويخطب في المحتشدين أمام منزله، داعيا إياهم إلى المقاومة. وراعي العجّال إبراهيم نصّار يتّخذ من رعي الأبقار ذريعة لمراقبة تحرّكات المحتلّين وأدواتهم. وحاجب المدرسة حازم ينقذ المعلمين والتلاميذ من مجزرة، كاد يرتكبها الأهبل جبّور. ومدير المدرسة توفيق سهيل يرفض الموافقة على الرحلة المدرسية إلى القدس، ويتصدّى لسعدون ومساعده. والمعلّمة صفاء غانم ترفض بدورها المشاركة في الرحلة. وأصحاب الدكاكين في ساحة القرية ينتفضون في وجه العملاء الذين يريدون مصادرة بضائعهم، ويجبرونهم على الانسحاب مجرجرين أذيال الخيبة. وبعض الصبية يرشقونهم بالحجارة بواسطة المقاليع، ويُصيبون منهم مقتلا. والأستاذة خولة عامر الموظّفة في الإنعاش الاجتماعي، ترفض أن يدخل مرعي الرجّوم شريكا في المشروع الزراعي، وتُحبط محاولته تعويم نفسه من خلال بعض المشاريع الإنمائية، ولا تقبل عرض الزواج منه، وتتواصل مع المقاومين، الذين يقودهم حبيبها المهندس الزراعي ناصيف رضوان. ووالدها المختار سعيد عامر يوازن بين كونه مختارا وتأييده لأعمال المقاومة، ويحسن التخلّص من الرجّوم وطلباته، ويُوافق على زواج ابنته من ناصيف رضوان. والسائق نعيم ينجح في التقرّب من الرجّوم، والعمل سائقا لديه ونقل أخباره لقيادة المقاومة، ويشارك في التحضير لعملية التفجير التي استهدفت اجتماع العملاء المنعقد في قصره. وهكذا، يسهم كلٌّ من الشخوص الآنفة بقسطه من مقاومة الاحتلال، ويتوارى بعضهم خلف مهن متواضعة للإسهام به.
المقاومة العسكرية
على المستوى العسكري، ينخرط المهندس الزراعي ناصيف رضوان في تنسيق العمليات العسكرية والمشاركة في تنفيذها، ويشاركه في ذلك نعمان ناصر الذي استولى الرجّوم على أرضه بمكيدة دبّرها له، فتوارى عن الأنظار ليشارك في المقاومة ويقوم بتفجير قاعة الاجتماعات في قصر الرجوم انتقاما منه، وهنا يتداخل الشخصي بالوطني، فتتحوّل المقاومة إلى شأن شخصي بقدر ما هي شأن وطني. وعليه، تتراوح الأسلحة المستخدمة في مقاومة المحتلّ بين رفض التعاون معه، في الحدّ الأدنى، وتنفيذ العمليات العسكرية ضدّه، في الحدّ الأقصى. وهو ما يترتّب عليه تحرير الأرض. ويأتي عرس خولة وناصيف في ساحة القرية، بالتزامن مع الذكرى الأولى للتحرير، في نهاية الرواية، ليشكّل إشارة روائية إلى الفرح المضاعف، فكأنّ العرس هو الوجه الآخر للحرية، وما كان مستحيلا في ظلّ الاحتلال يصبح ممكنا في ضوء التحرير.
شخصية ملتبسة
بين هذين الطرفين، تتموضع شخصية ضياء فريد الملتبسة، فهذا الصحافي الذي يُسند إليه الكاتب مهمّة روي ستّ عشرة وحدة سردية ما يجعله نوعا من راوٍ عليم، يتوارى الكاتب خلفه، يتوجّه إلى القرية المحتلّة ليكتب تحقيقا صحافيّا عن مرعي الرجّوم، بعد تعرّضه لمحاولة قتل، أو اختطاف، فيتمّ توقيفه والتحقيق معه من قبل الحاجز الإسرائيلي. وحين يتدخّل الرجّوم للإفراج عنه، يقوم بابتزازه، بالترهيب والترغيب، ويحاول أن يجعل منه متعاونا مع المحتلّ ومخبرا له وبوقا يعبّر عنه، فيجد نفسه في ورطة لا يعرف كيف يخرج منها؛ هو يرفض في دخيلته تنفيذ ما يريده منه ولا يجرؤ على المجاهرة برفضه، ويضطرّ إلى مصانعته ريثما يتمكّن من مغادرة المنطقة المحتلّة، وهو ما يحصل بمساعدة المقاومة، في نهاية المطاف. وعليه، نكون إزاء شخصية ملتبسة، تضمر غير ما تظهر. فضياء يُقدّم السَّبق الصحافي على الشأن الوطني، لا يتورّع عن قبض المال من الرجّوم مداورة عبر رئيس تحرير الجريدة، لا يرفض علنا التعاون معه في مهمّات محدّدة. وفي الوقت نفسه، يؤيّد المقاومة، ويهرع إلى القرية للاحتفال مع أهلها غداة التحرير، ويلبّي الدعوة إلى عرس خولة وناصيف، ويقرّر كتابة رواية عن القرية، وهنا، يتقاطع القناع مع الوجه، ويتماهى الراوي مع الروائي.
وبعد، «القمرية» رواية أخرى تُضاف إلى مُنْجز عبد المجيد زراقط الروائي. تمتح من العالم المرجعي نفسه، وتحيل إليه، تستخدم بعض تقنياته السردية وتشكّل امتدادا له. تُمتع قراءتها وتُفيد، ولا يمكن لقارئها أن يعود من الغنيمة بالإياب.