تعتبر الرواية حاملة خطابات متعددة لأجل أن تشكل خطابها الخاص، ولهذا فهي عبارة عن طبقات متعددة من اللغة تباشر عملها الحواري طالما كان هناك من يتفاعل مع مستوياتها الدلالية، فهي كحكاية تخاطب المجتمع بما يجري فيه، واستطاع الموقف السردي أن يكون على تماس مع تلك المجريات، لحظة إدراك رؤية قادرة على فهم ميكانيزمات بناء الحدث انطلاقا مما يحدث واقعا، إذ لا يمكن لرواية أن تنطلق من فراغ، لا حدث يؤسس لأبجدياته الوجودية ومنها الخطاب الديني.
الرواية الجمالية والقناعة الأيديولوجية:
يعتبر المجتمع بما يعج فيه من حركة وصراعات فضاء للواقع الذي ينطلق من قناعات الناس، ثوابتهم، علاقاتهم مع الآخر وتراثهم الذي أنجزته أيديهم، طبعا هذا التفاعل الإنساني يشكل مجمل التصورات والمفاهيم التي تلزم الذات نفسها بها في علاقاتها البينية وعلاقاتها مع الآخر، باعتبارها الحصن الحصين لحفظ الهوية واستمرار الخصوصية، ولا شك أن فعل الرواية هو خطاب يواجه خطاب المجتمع بما يحمله من وقائع ومسارات وسياقات، أي بما يمثله هذا الخطاب من أنساق راسخة، تحاول الرواية أن تتموضع باعتبارها عاملا تخييليا/جماليا في السياق الحركي للمجتمع، ومن هنا يأتي توظيف الدين في الرواية الجزائرية كاستجابة أولا لما تكرس في تحولات الواقع، وبالتالي، النظر إلى تحولات الواقع من خلال رؤية الروائي وقناعاته الأيديولوجية والجمالية.
الرواية والثورة المحررة:
لقد مر المجتمع الجزائري بثلاث مراحل، مرحلة ما بعيد الاستقلال ومرحلة البناء والتشييد (الاشتراكية) ومرحلة الانفتاح، وتعتبر الرواية وثيقة فنية متابَعة جمالية لحركة الواقع، مرتكزة على المبضع النقدي الذي يحركه الروائي وفق قناعاته، فمرحلة ما بعيد الاستقلال تحكمت فيها الرؤية الجمالية للثورية المحررة، فروايات المرحلة كانت استمرارا للروايات المؤسسة الفرنكفونية، محمد ديب وكاتب ياسين، ورؤيتهما للدين كان يغلفها ذلك البعد الثوري المفصلي في علاقته بحركة الشعب، وبالتالي يمكن القول إن الخطاب الديني كان منضويا تحت الجماليات الثورية المنبثقة في النص الروائي، فلا تكاد تشعر بثقله في تحرير الوعي وتوجيهه نحو خلق المبادرة الفاعلة في مسار النضال الوطني، وهو ما يمكن تفسيره على أساس أن الرواية كانت نتاج الوعي بالمسار الأوروبي في التعامل مع الفضاء السردي، وتوظيفه اللامذكور للخطاب الديني، وكأنه لا يعنيه، باعتباره العامل المُحيد اجتماعيا وفلسفيا.
الدين مكونا اشتراكيا:
تتميز المرحلة الثانية، أي المرحلة التي هيمن فيها الخطاب الاشتراكي، بالنظر إلى الديني على أساس أنه معيار لتأكيد توجهات المرحلة، ويتجلى ذلك في روايات عبد الحميد بن هدوقة والطاهر وطار، إذ بدا توظيف الخطاب الديني، انطلاقا من أيديولوجية قائمة في وعي الروائي الذي لا يتعامل مع الخطاب الديني، سوى في مستواه الشعبي وهو ما يمنح الروائي مجالا أوسع لنقد الرؤية الدينية السائدة انطلاقا من المقصدية الاشتراكية، التي تجعل من الدين مكونا اشتراكيا وعليه أن يساهم في نقد الإقطاع وتكسير هيمنة البورجوازية وتقوية خطاب العدالة الاجتماعية.
وفي هذه المرحلة تشكل النسيج الأول للرواية الأيديولوجية، التي قد تتجاوز المعطى الجمالي لصالح تأكيد القناعة الأيديولوجية، ولذلك كانت الرواية بوقا للمناداة بالانتصار للثورات الثلاث، المشكلة للوعي المجتمعي في إطار السياسات التنموية للتوجه الأيديولوجي القائم.
العولمة وتشكلات الرواية المبشرة:
المرحلة الثالثة، وهي المجال الذي تأسست فيه الرؤية الانقلابية للفن الروائي باعتبار الثورة الإعلامية وانبثاق وسائط التواصل الاجتماعي والتطور الرهيب في التكنولوجيا، وهو ما أرسى عامل السرعة كمعيار للرؤية إلى الأشياء والأفكار والعالم، وبالتالي، كان التعامل مع الخطاب الديني في السياق الحداثي نابعا من هذا الهاجس ذي الريتم السريع، الذي يوظف الدين في بعده القابل للاندراج وحداثوية المسعى الحياتي، لكن عاملا آخر كان فيصلا في هذه المرحلة، جعل من توظيف البعد الديني حلقة في إنتاج ما يسمى لاحقا بـ»تجديد الخطاب الديني»، فالإرهاب الذي أُلحق بالإسلام، جعل الرواية في توظيفها للخطاب الديني تنحو إما طريق نقد مظاهر التدين على أساس أنها جوهر الدين، وهو ما يخالف الواقع، أو محاولة إبعاد الدين عن الحياة، ومن ثم السعي لإثبات الخطاب العلماني كحالة إنقاذية من سيطرة التطرف والإرهاب، فأصبح الخطاب الروائي فضاء لصراع الخطابات، من خلال ما تنتجه القراءة البَعدية للمتن، والتي سوف تختلف أيديولوجيا حول رؤية النص للدين، وفي هذه المرحلة تَشَكل ما يمكن الإشارة إليه باعتباره «الحقل المؤسسي» لإدارة الرؤية للخطاب الديني، باعتبار أن العولمة ذاتها تشكلت ضمن النسق العدائي لما يمكن أن يؤسس لأي خصوصية، وعليه تكون الرواية أقدر الأجناس الإبداعية التي أدارت الرهان حول دحر مسعى التطرف والإرهاب والتبشير بالقيم «العلمانية التنويرية»، ومنه يمكن القول إن الخطاب الديني مُس في جوهره من خلال الخلط بين الإرهاب والدين، الذي ساهمت فيه بعض الخطابات الروائية.
الوطني والديني والقومي أو تماهي الثوابت:
هناك مرحلة لا يأتي لها ذكر تقريبا عند مقاربة توظيف الرواية للخطاب الديني، وتعتبر من طلائع الكتابة الروائية الفرنكفونية في الجزائر، إذ صدرت عام 1936، رواية «مريم في الواحات» للروائي محمد ولد الشيخ، والثابت الديني فيها يتماهى مع الثابت الوطني، بحيث النهاية التي تنغلق على عودة الابنة إلى أمها هي عودة إلى الجذور، والرواية الثانية هي «لبيك.. حج الفقراء» لمالك بن نبي الصادرة عام 1947، ورغم بساطتها إلا أنها تمثل مؤشرا على تناول الرواية للخطاب الديني في مراحل التحرر الوطني من الاستعمار، والجانب التبشيري الوعظي يبدو طاغيا فيها، وتوظيفها للخطاب الديني كان مباشرا، وهو ما كانت تتطلبه المرحلة من محاولات إيقاظ الوعي الوطني بالذات، أما الرواية الثالثة فهي «غادة أم القرى» لأحمد رضا حوحو، التي يتناغم فيها البعدان الديني والقومي ويحيل أحدهما إلى الآخر باعتبارهما عنصرين مكملين.
رهان الرواية والخطاب الديني:
في رأيي، يكمن الرهان الحضاري للخطاب الديني الذي يمكن أن تتبناه الرواية من خلال طبيعتها التخييلية والجمالية في محاولة الحفر الفوكاوي جماليا، في سؤال النهضة القديم الحديث، لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم؟
تتأسس الرواية والدين في الوعي الحضاري باعتبارهما سلطة تترافق وخطاب الحقيقة المبحوث عنه في أسئلة الإحراج المستمرة في مسار التاريخ، أو خارجه، فالسردية الغالبة أو المغلوبة هي نتاج حركة مجتمع في سياق معين، إما سياق انتصار، أو سياق انكسار، وهنا تنكشف أهمية الخطاب الديني في تجلياته الحفرية والجمالية والحضارية داخل النص الروائي، إذ في الوقت الذي يمثل فيه «حقيقة» وجودية، هو في الوقت ذاته دافع لتلك اللحظة في سكونها أو حركتها، وبالتالي لا يتأسس كخطاب تبريري لأي مرحلة، وسؤال النهضة يشتغل على هذا المعطى.
مفهوم العرب في سؤال النهضة – كما يبدو لي – يحمل معنى ذا بعد ديني، وأهمية السؤال تنبع من أن القيمة تشكل مسلكا جماليا يحاول الكشف عن تأويلات جمالية وتخييلية للمعطى الديني، باعتباره ثابتا في تكوين الوعي الوطني، وباعتبار الرواية فضاء حدثيا يمثل عالم القيم التي تجعل من المقدس عامل مساهمة في ترقية الوعي بالذات والوطن والعالم ومحاولات استيعاب الآخر وفهمه من منطلقات الذات، وهو ما يمكن أن ينقذ الرواية أيضا من التوظيف الديني السطحي، الذي قد يؤول نحو الفهم الوعظي للرواية.
كاتب جزائري