دخل علي غرفة المكتب متوجساً على غير عادته، دون الابتسامة المعتادة أو الدندنة المزعجة، وقد بدا تائهاً في وجع غيّبه عن مزاجه دائم اللطف والرواق. لاحظت رجفة يده التي أحفظها عن ظهر قلب، فهذه الرجفة علامة مسجلة عند عائلة زوجي بأكملها، كل الإخوة والأخوات «يتمتعون» بدرجة منها، وأقول يتمتعون لأنها، رغم معاناة أصحابها، لها طابع حميمي يجمعهم وحركة لطيفة مميزة تفرقهم عن غيرهم. ما كانت رجفته تلك الليلة هي ذاتها التي أحب، تلك المعبرة عن يديه القويتين وما مرتا به من تعب النهار أو ما تعانيانه من جوع لحظي، ذلك أن تلك الرجفة تظهر وتقوى عند زوجي وأشقائه ووالده الحبيب في حال الإرهاق أو الجوع. ليلتها، كانت يداه ترجفان بتوتر، ربما بغضب، ربما بوجل من يريد أن يقول شيئاً ما.
أخبرني مباشرة أنه يراجع نفسه، أنه حتى حفلنا البسيط الذي كان سيقتصر على عشاء ودندنة عود حية، ما عاد يراه مناسباً، وأنه عاود التفكير في توجسي الأولي من أي شكل من أشكال البهجة في حفلنا الذي كان يفترض أن يكون ضخماً ثم انكمش إلى بسيط، ثم تضاءل في اللحظة بين يدي زوجي المرتجفتين إلى ممقوت، وهو يتزامن مع هذا العزاء الكبير الذي نعيشه ونصمت عنه. اعتذر أنه رغم محاولاته الأولية لتهدئة خاطري ودفعي لتمييز يومنا المتوِّج لخمسة وثلاثين سنة زواج بأي شكل احتفالي بسيط دون الشعور بالذنب الكبير الذي كان ولا يزال يجثم على كل نفس من أنفاسي، يقول إنه رغم ذلك، انقلبت محاولاته عليه، حيث بات هو بحد ذاته غير قادر على رؤية معنى للاحتفال، غير متمكن من العثور على فرجة إنسانية أخلاقية ولو بسيطة لإقامته. «كل هؤلاء الصغار، كل هذا الوجع، وكل هذا الضعف والعجز، بأي وجه نحتفل؟»، قالها وقد ذابت عيناه في طوفان دموع عزيزة جداً، لم أرها سوى في نوادر الساعات من أيام عمرنا.
«أعرف أنني كنت أهون عليك وأشجعك أن نحتفي بيومنا، لكن أنا الآن غير قادر، هل تعذرينني؟» لم أجد الكلمات حقيقة، فبقيت صامتة أستمع له يحكي لي عن حصيلة فيديوهات اليوم التي تقدم حصيلة ملائكة اليوم التي ارتقت: أجساد بلا رؤوس، أقدام بلا بقية أجساد، ضفائر طويلة مبتلة بالدم، أحذية صغيرة، جاكيت وردي منقوع بالدماء، أب يصرخ محاولاً سحب ابنه من النيران، أب يبحث عن عائلته بين الأنقاض، أب يصلي بحسرة الدنيا وثقلها في عينيه على عائلته، أب يحمل صغيرته في لفافة بيضاء إلى مثواها الأخير. «ألعن أبو الدنيا هذه» قالها وقد فار غضبه، «أي معنى للدنيا هذه التي تأخذ الصغار غدراً من أحضان آبائهم ثم تجبرهم على دفنهم؟»، لاحظت أنه حكى عن كل فيديوهات الآباء، أب يبحث وأب يصرخ وأب يدفن، وكأنه يستعرض تلك الأنانية الإنسانية الرحيمة العظيمة التي تدفع بنا لتخيل أنفسنا في تجارب بعضنا البعض، ليورثنا هذا الخيال القدرة على التراحم والتواصل العاطفي، ليقدرنا على اتخاذ القرار الأخلاقي وسلوك المسلك الفطري الذي يحمينا وبني جنسنا ويساعدنا على الاستمرار في البقاء.
ملت على يديه المرتجفتين أقبلها وأنا أتكلم بجمل متداخلة وأفكار مبعثرة وقد كسر أوزانها ومعانيها ألم وذنب اللحظة اللذين تشاركنا فيهما، فقلت وهل من لفتة نتذكر بها عيد زواجنا الخامس والثلاثين أقوى وأهم من تأجيله؟ هل من موقف أضعف في إيمانه من هذا؟ وهل هو موقف على ضعفه يحتمل النقاش؟ أنا فخورة بألمك وأتشرف بدموعك. أنا أعتذر أنني لم أصر حين وجب الإصرار على إلغاء الاحتفال، أنا أحبك كثيراً، عظم الله أجرك وأجورنا في كل هؤلاء الملائكة، الحفل لا يعني شيئاً أمام الموقف المبدئي، لا يحمل أي شيء قيمة كما تحمله الآن دموعك وكلماتك وقرارك، أنا أحبك كثيراً، نحن آمنون يا قلبي وأنت قادر على حمايتنا، أرجوك لا تتخيل الموقف، أنا أتشرف بتخيلك للموقف، أرجوك لا تعذب نفسك، بل يجب أن نواجه الصور والفيديوهات والأخبار صوتاً وصورة، لا أتمنى أن أراك متألماً، كم هو راق ومهم ومستحق ألمك، وقلت وقلت مما خطر على بالي تباعاً وتشرذماً وتناقضاً تخفيفاً للموقف وفي الوقت ذاته إمعاناً في تأكيد وجعه. كانت لحظة غريبة ونقية وحزينة وعاجزة، أقصى ما استطعنا أنا وهو تجاهها هو أن نلغي حفلنا البسيط احتراماً لفحواها، وأن نقرر جزءاً من المبلغ المرصود لذلك الحفل البسيط تبرعاً للقضية الإنسانية الأكبر والأخطر في تاريخنا البشري الحديث.
ليس المقصود هو تناول هذه القضية الإنسانية العظمى من منظور شخصي ضئيل، ليس الهدف تفعيل حكايتي على حساب الحكاية الكبرى، وإن كنا كبشر دوماً ننظر لكل حدث مهما عظم من حيث علاقته فينا وتفاعله مع حياتنا. لست أحاول إبراز موقف هو أضعف من أضعف إيمان، إنما هدفي فعلياً التأكيد على حقيقة نحتاج لأن نستوعبها جميعاً، أن نفعل أساليب التعامل معها، أن نتآزر في التصدي لها كل بطريقته، كل بما يتيسر له من سلوك أو مال أو حديث أو كتابة، أن نذكّر بعضنا بمواقفنا تجاه هذه الحقيقة، حتى لا تضيع، وحتى لا نضعف، وحتى لا نشعر بأن كلاً منا وحيد في موقفه.
الحقيقة أننا نعيش في عزاء كبير، عزاء مئات الآلاف من الأبرياء، الحقيقة أننا دفنّا إبان السنة الماضية آلاف الأطفال، الحقيقة أن الثكل واليتم أصبحا صفتين متلازمتين وفلسطينيي غزة والضفة، الحقيقة أن الأطفال تُحمل أشلاءً في أكياس، وأن الكبار تصرخ بقلوب مفطورة وأكباد ذائبة وأرواح مكلومة مشروخة، الحقيقة أن الأجساد البريئة متروكة في عرض الشوارع للحيوانات الهائمة تنهشها، الحقيقة أن أعتى أنواع القنابل تستخدم اليوم ضد المدارس والمستشفيات وخيام اللجوء، الحقيقة أن المعتقلين الفلسطينيين يعذبون ويغتصبون حد الموت على مرأى ومسمع من العالم كله، والحقيقة أنه تباعاً لهذه الحرب الإبادية القذرة، هناك حرب تجويع وصلت بالأجساد حد الهياكل العظمية، حد ضمور كل الأعضاء حتى استحال التعرف إلى أصحابها، حد سقوط الشعر وتليف الجلد وبروز العينين وتوقف الأنفاس، تجويع حد الموت البطيء الممنهج الذي، إبان حدوثه، يحتفي به أقذر جيش في العالم مقلداً ضحاياه وساخراً من عذاباتهم ورجاءاتهم.
أقول رضاك يا سيدي، أقول لبيك احتراماً للموقف وتقديماً لملمح بسيط يزيدنا شرفاً وأخلاقية واحتراماً لأنفسنا والبشر من حولنا. وأقول شاركونا جميعاً مواقفكم، كيف تفاعلتم، عم تنازلتم، وماذا تبنيتم من أجل قضيتنا العظمى؟ أقول شاركونا جميعاً وتشاركوا في الموقف حتى لا نشعر أننا وحيدون، حتى لا نشعر أن أياً كان ما نفعل أو نقول أو نقدم صغيراً غير مؤثر، حتى لا نتوه وننسى ونتعب، حتى لا نفقد إنسانيتنا وفطرة التفاعل الإنساني الطبيعي التي فطرنا الخالق عليها. أقول قولوا حتى تتجمع حكاياتنا وأفعالنا ومحاولاتنا وتعابيرنا جبل مقاومة ضخماً يصد عن أهلنا في فلسطين ويظللهم من قيظ الخذلان والخيانة. أقول لكم قولوا واحكوا وذكّروا، وأقول لك يا لبي قولك وفعلك ولسانك وقلبك، يا لبي أمرك، لا رددت لك أمراً أبداً. كل 35 سنة وأنت بخير.