نواكشوط –«القدس العربي»: في خطوة تعكس حساسية الموقف الإقليمي، تسلم الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني رسالة رسمية من زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، تتناول آخر التطورات المرتبطة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 حول الصحراء الغربية.
وتأتي هذه الرسالة التي سلمت تحت مراقبة من الجزائر والمغرب، في وقت تُختبر فيه قدرة موريتانيا على الحفاظ على موقفها المعروف بـ»الحياد الإيجابي»، وسط تحولات دبلوماسية متسارعة في المنطقة، وفي ظل تزايد الضغوط الإقليمية من طرف كل من المغرب والجزائر والبوليساريو.
وتولى تسليم رسالة إبراهيم غالي للرئيس الغزواني وفد من جبهة البوليساريو يقوده رئيس برلمانها حمة سلامة، مرفوقًا بمسؤولين عسكريين وأمنيين من الجبهة.
وأفادت الوكالة الموريتانية للأنباء (رسمية) بأن وفد البوليساريو سلّم للرئيس رسالة خطية من زعيم الجبهة إبراهيم غالي، تتناول آخر المستجدات المرتبطة بالنزاع الإقليمي حول الصحراء.
وتسعى قيادة البوليساريو من خلال هذه الزيارات الدورية لموريتانيا، إلى الحفاظ على قنوات التواصل مع نواكشوط، وإطلاعها باستمرار على رؤيتها لتطورات النزاع، وذلك في ظل تشديد موريتانيا على تمسكها بموقف «الحياد الإيجابي» والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف.
ضغوط إقليمية متصاعدة
ورغم ذلك، تواصل كل من الجزائر والبوليساريو السعي لاستمالة موريتانيا ودفعها نحو مواقف تخدم أجندتهما في المنطقة، خصوصًا في ظل حالة الارتباك التي تعيشها الجبهة نتيجة التحولات الكبرى في مسار النزاع، والتقدم الدبلوماسي الذي حققه المغرب على مستوى ترسيخ سيادته على أقاليمه الجنوبية، وتكريس مقترح الحكم الذاتي كحل وحيد للنزاع.
وتعيش البوليساريو والجزائر حالة من القلق إزاء التحولات التي يشهدها ملف نزاع الصحراء، واحتمال تأثر الموقف الموريتاني بالتطورات الجديدة، لا سيما بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي الأخير رقم 2797.
ومن منظور موريتاني، فإن للقرار 2797 تداعيات متعددة على الأصعدة الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية، نظرًا لتشاركها الحدود مع الإقليم المتنازع عليه، ووجود تداخل وروابط اجتماعية متجذرة بين سكان الإقليم الصحراوي والشعب الموريتاني.
كما أن أحد مسارات النزاع القديم شمل موريتانيا، عبر ما يعرف بـ»اتفاقية مدريد الثلاثية» لعام 1975، ما يجعل قرارات مجلس الأمن حول الصحراء الغربية ضرورية لموريتانيا ليس فقط من منظور استراتيجي، بل أيضًا من منظور أمني حدودي.
صمت موريتانيا الحذر
اتخذت الحكومة الموريتانية حتى الآن موقفًا محافظًا جدًا، يتمثل في «صمت حذر» تجاه القرار، وهو ما يعكس حرصها على عدم الانحياز العلني، وتبني ما يعرف بـ»الحياد الإيجابي».
ويبدو هذا التوازن منطقيًا، إذ ترغب نواكشوط في أن تكون جزءًا من الدينامية الجديدة، لكنها تحافظ على الحياد لتجنب دفع ثمن سياسي كبير سواء من الجزائر والبوليساريو أو من الرباط.
تراقبها الجزائر والمغرب وتضع حياد موريتانيا على المحك
ومن المعروف أن موريتانيا تتعامل مع هذا الملف بحذر منذ انسحابها من جزء الإقليم الصحراوي الذي سيطرت عليه، وتوقيعها اتفاقية سلام مع البوليساريو عام 1976، مؤكدة على موقفها الحيادي والوقوف على نفس المسافة من جميع الأطراف.
بل إن سياسة «الحياد الإيجابي» تجاه ملف الصحراء الغربية أصبحت من ثوابت السياسة الخارجية الموريتانية، في محاولة للابتعاد عن الصراع المزمن بين المغرب والجزائر، وبناء سياسة مستقلة عن هذين القطبين، والموازنة بينهما قدر الإمكان.
ومع ذلك، شكلت مسألة الصحراء الغربية اختبارًا صعبًا لمختلف الأنظمة السياسية التي تعاقبت على الحكم في موريتانيا، إذ كانت دائمًا الحلقة الأضعف في المعادلة الإقليمية.
وأصبح مألوفًا أن تبقى علاقاتها جيدة مع الرباط إذا كانت سيئة مع الجزائر، والعكس صحيح، حيث تُفسر كل خطوة تقوم بها موريتانيا تجاه أي من الطرفين من قبل الطرف الآخر على أنها معاداة له.
الحكم الذاتي المحتمل
وبالعودة إلى انعكاسات القرار الجديد على موريتانيا، يمكن القول إنه إذا تحقق الحكم الذاتي بمشاركة السكان المحليين، فقد يمنح موريتانيا نافذة للاستثمار والشراكة، ويعزز الاستقرار في الإقليم المجاور، مما يشجع على تنمية مشاريع مشتركة مثل البنية التحتية، النقل، والتعاون الاقتصادي، خاصة في ظل تقارب نواكشوط والرباط في السنوات الأخيرة، رغم بعض الفتور المتقطع.
كما أن تكوين حكم ذاتي محلي (منتخب محلي ومؤسسات محلية) قد يقلل من التوترات الحدودية التي قد تنعكس سلبًا على موريتانيا في حال حدوث نزاع مسلح أو تصعيد دبلوماسي.
أما إذا استمر الوضع القائم دون تغيير، فستظل موريتانيا في موقع المراقب دون قدرة كبيرة على التأثير الفعلي في مسارات التفاوض.
ومن جهة أخرى، فإذا استمر الخلاف وتطور، فقد تحاول الجزائر الضغط الدبلوماسي على موريتانيا لاتخاذ موقف مغاير للقرار، وهو ما قد يؤثر سلبًا على علاقاتها الاستراتيجية مع الجزائر.
وحتى مع افتراض تطبيق الحكم الذاتي، فقد ترفض البوليساريو بعض الصيغ إذا لم تُحمَ ضمانات قوية لتقرير المصير، مما قد يعيد النزاع إلى مربع التصعيد.
وفي هذه الحالة، قد تواجه موريتانيا اختبارات دبلوماسية من الجزائر إذا انحازت بشكل واضح، ما قد يضر بشراكاتها الاستراتيجية مع الجزائر.
كما أنه إذا لم يتم تضمين موريتانيا في أي مفاوضات تنفيذية أو مشاريع تنمية، فقد تشعر بأنها مهمشة رغم موقعها الجغرافي الهام.
فرص ومخاطر متوازنة
ويمكن القول إن قرار مجلس الأمن رقم 2797 ليس مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل يمثل تحولًا في إدارة ملف الصحراء الغربية.
وبالنسبة لموريتانيا، فإن قرار مجلس الأمن قد يمنحها فرصًا استراتيجية تتمثل في استقرار إقليمي، وإمكانية شراكة تنموية، ودور جيوسياسي مهم، إذا استثمرت هذا الزخم بشكل فعّال.
وفي الوقت نفسه، تواجه موريتانيا مخاطر إذا بقيت على هامش التفاوض أو إذا تصاعدت الضغوط الإقليمية.
ومن هنا، من المهم أن تتبنى نواكشوط موقفًا نشطًا، ليس بالحياد فقط، بل بالمشاركة البناءة في الحوارات التي ستتبع هذا القرار، لضمان أن ينسجم أي حكم ذاتي قادم مع مصالحها وأمنها والتنمية المشتركة.
ويبقى موقف موريتانيا من قرار مجلس الأمن رقم 2797 علامة فارقة في سياستها الخارجية، إذ إنه يمثل فرصة لتعزيز استقرار حدودها وتنمية شراكات استراتيجية، لكن هذا الموقف في الوقت نفسه سيكون اختبارًا لمهارتها في إدارة التوازن بين الأطراف الإقليمية المتنافسة.
ويعتمد نجاح نواكشوط في هذه المرحلة على قدرتها على المشاركة البناءة في الحوار القادم، وضمان أن يحفظ أي حل سياسي أو حكم ذاتي لها مصالحها وأمنها ويعزز قنوات وفرص التنمية المشتركة.