في مماته كما في حياته، ظل جمال عبدالناصر مالئ الدنيا وشاغل الخلق، هكذا كان ويكون مع مرور 55 سنة على رحيله في عنفوان الرجولة، وربما إلى مئة سنة مقبلة، سيظل الجدال والصراع مستعرا مشتعلا بين الأعداء والكارهين، وأنصار تجديد مشروعه الحضاري التقدمي، وقد بدأت الدراما الفريدة من جنازته، وكانت ـ بمعيار السكان النسبي ـ هي الأضخم في مطلق التاريخ الإنساني، وكانت ألسنة الخلق أقلام الحق تلهج بالنشيج الباكي «يا ناصر ياعود الفل/ من بعدك هنشوف الذل»، وكان بعد سنوات قليلة من رحيله المباغت، بعد اقتحام جيشه لأعقد مانع مائي وتحطيم خط بارليف والعبور إلى سيناء، ثم كان ما كان من خذلان السياسة لنصر السلاح، والانقلاب على اختيارات عبد الناصر، ودوس الذين هبروا على دماء الذين عبروا، والتفكيك المتصل لركائز الإنتاج وقلاعه الكبرى إلى اليوم.
وكان عبد الناصر وقت أن فاضت روحه إلى بارئها الأعظم، وإلى موعد الحرب التي تأجلت إلى 6 أكتوبر 1973، قد ترك مصر وهي تمضي رأسا برأس مع كوريا الجنوبية في سباق التنمية والتصنيع والاختراق التكنولوجي، وكانت قد حققت أعلى معدلات النمو الحقيقية في ما كان يعرف وقتها باسم «العالم الثالث» بما فيه الصين، وبإجمال ديون مدنية وعسكرية لا تتجاوز 1700 مليون جنيه، صارت صفرا بعد تنازل «الاتحاد السوفييتي» عن تحصيلها، وكان الجنيه المصري وقت رحيل عبد الناصر يعادل نحو الدولارين ونصف الدولار، وكان تشغيل الخريجين إلزاميا للدولة، وبراتب ابتدائي يعادل شرائيا نحو 30 ألف جنيه مصري اليوم.
قد لا نريد الاستطراد في مقارنات كاشفة، أضف إلى ذلك ما تعيشه الأمة كلها من هوان الهوان، ومن تجاوز الحضيض إلى قاع القاع، إلا من عصم ربك من المقاومين هنا أو هناك، وبالذات على جبهة مقارعة حرب الإبادة الجماعية الوحشية التي تشنها أمريكا و»إسرائيل» معا، وفي سياق الدم الزكي الفياض الذي يتحدى السيف ويكسره في جولات، ووسط قعود الأمة من أدناها إلى أقصاها، ودعوات الناعقين للمقاومين، أن يستسلموا كما فعلت وتفعل نظم الخزي والعار، وتحالف الكثير منها مع كيان الاحتلال، وتقديمها إتاوات بتريليونات الدولارات للعدو الأمريكي ـ «الإسرائيلي»، حاول بعض العاجزين أن يقتبسوا عبد الناصر زورا، وأن يدعوا أنهم لا يفعلون سوى ما أوصى به زعيم الأمة التاريخي، وعلى طريقة «ولا تقربوا الصلاة»، وعلى نحو مجتزأ مزور تماما، فاجتزاء الحقيقة كخيانتها، واستعانوا بمقطع من حديث دار بين عبد الناصر والعقيد الليبي معمر القذافي أوائل أغسطس 1970، ودونما أدنى مراعاة للسياق، ولا حتى لنص الكلمات الصريحة القاطعة في معانيها، كان عبد الناصر يعبر عن عظيم الاستياء والغضب من ثوريين مزيفين في أنظمة وجماعات وقتها، شنوا حملة مزايدات وشعارات رخيصة فارغة ضد قبول عبد الناصر لما عرف باسم «مبادرة روجرز» الأمريكية، وفضح عبد الناصر هوانهم وتقصيرهم وتناقضاتهم ومزايداتهم الكلامية، باسم «قومية المعركة»، وأبان عجزهم في التحرك بالسلاح على جبهة الشرق، ضد كيان الاحتلال، الذي كان قد احتل القدس والضفة الغربية والجولان في عدوان 1967، وأضاف إليها غزة وسيناء على جبهة مصر، وبمجموع أراضي محتلة بلغت 81 ألف كيلومتر مربع، شكلت سيناء وحدها ثلاثة أرباعها، وبينما كان عبد الناصر يقود ويقاتل ويحشد على جبهة الحرب مليون جندي وضابط، وبموازنة سنوية بلغت وقتها 550 مليون جنيه غير مشتريات السلاح، كان بين المزايدين لفظيا على عبد الناصر نظام حكم أحمد حسن البكر»البعثي» في العراق وقتها، ولم يدفع فلسا في دعم جبهة الحرب لا في مصر ولا في سوريا، رغم أن العراق كان دولة بترولية غنية، وكان لدى عبد الناصر ضابط الايقاع العام في المنطقة وقتها شكوك، كانت لديه تقارير ومعلومات أكيدة عن عمل قيادات في أحزاب «قومية ثورية!» لصالح أجهزة المخابرات الغربية والبريطانية بالذات، كانت معادلة التكامل وتقسيم الأدوار بين دول دعم ودول مواجهة، قد صاغها عبد الناصر في قمة الخرطوم المعروفة بقمة «اللاءات الثلاث»، لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل، وكان عبد الناصر يواصل دوره المرموق، كقائد تفكير وقائد ممارسة معا، يعرف هدفه ومواضع قدميه، ويصدقه الناس دون غيره، سواء كانوا من الرجعيين أو التقدميين المزيفين، ولم يكن بالطبع ضد السلام، الذي يعيد الحقوق كاملة، ودونما اعتراف ولا تطبيع مع كيان الاحتلال، وفي المحضر السري لاجتماع مجلس الوزراء برئاسته بتاريخ 31 ديسمبر 1968، عاد عبد الناصر لتأكيد أنه لا فرصة لحل سلمي عادل، ثم اختصر الطريق مباشرة لهدف أمريكا و»إسرائيل» مما كان يعرض من حلول سلمية، وقال بالنص المعروض صوتيا على الموقع الرسمي لجمال عبد الناصر بمكتبة الإسكندرية، وقد اطلعت عليه كما على آلاف الساعات المسجلة بالنص والصوت وقت إعدادي لكتابي «عبد الناصر الأخير»، قال عبد الناصر، «الموضوع (المعروض) يعني إيجاد سلام بالقوة (…) اليهود عايزين معاهدة صلح معاهدة سلام (…) وهذا الموضوع الحقيقة إذا فكرنا فيه.. لا يحق لنا بأي حال من الأحوال إن احنا نفضل (نظل) في محلاتنا (كراسي الحكم)»، أي أن عبد الناصر ربط شرطيا بين وجوده في السلطة ورفض أي معاهدة صلح أو سلام مع «إسرائيل»، واعتبرها خيانة «يعملوها ناس غيرنا» كما أضاف بنص المحضر السري المذكور.
في المقطع المجتزأ المروج، الذي حذف أغلبه عمدا، يعود عبد الناصر لتأكيد موقفه القطعي غير القابل للتأويل الفاسد، ويقول نصا «أنا ممكن اتفق مع غولدا مائير سرا. بس هبقى راجل منافق»
وفي المقطع المجتزأ المروج، الذي حذف أغلبه عمدا، يعود عبد الناصر لتأكيد موقفه القطعي غير القابل للتأويل الفاسد، ويقول نصا «أنا ممكن اتفق مع غولدا مائير سرا. بس هبقى راجل منافق»، كان عبد الناصر يشير مجددا إلى رفضه أي تفاوض مباشر مع «إسرائيل»، وإلى قناعته العلنية والسرية بأن «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها»، وهو ما دفعه لإغلاق الباب في وجه محاولات رئيس المؤتمر اليهودي العالمي وقتها ناحوم غولدمان، الذي كان يسعى لمد جسور بين عبد الناصر وغولدا مائير رئيسة وزراء «إسرائيل» وقتها، وفي المحضر السري لاجتماع قيادة الاتحاد الإشتراكي برئاسته بتاريخ 28 يوليو 1970، قال عبد الناصر نصا وصوتا «والله أنا بعت (أرسلت) حمروش (الصحافي أحمد حمروش) قابل غولدمان، الخطة إن احنا نجيب منه معلومات، ودي عملية مخابرات بتتعمل في كل الدنيا»، تماما كقصص التواصل مع الصحافي الفرنسي اليهودي الشهير إريك رولو وغيره، وإذا عدنا إلى المحضر السري نصا وصوتا، لحديث عبد الناصر مع القذافي، يرد السبب الذي من أجله تظاهر عبد الناصر بقبول «مبادرة روجرز»، وكان سببا حربيا بامتياز، يتعلق بالاستفادة من مهلة الثلاثة شهور وقف إطلاق نار في المبادرة الأمريكية، فقد كانت حرب الاستنزاف متصلة قبلها لنحو ألف يوم، وكان الجيش الذي بناه عبد الناصر من تحت الصفر بعد الهزيمة، قد أكمل تجهيزاته لحرب تحرير كانت مقررة في النصف الأول من عام 1971، وكان واحدا من أعظم مشاغل عبد الناصر، أن يوفر للبلد شبكة دفاع جوي متطورة، تقي المصريين من غارات طيران العدو، وتوفر غطاء لجيش العبور حين تحين اللحظة، وهو الجهد الذي بلغ ذروته بإقامة ما عرف في ما بعد بصفة «حائط الصواريخ العظيم»، وهو عبارة عن قوات منفصلة للدفاع الجوي، تضم المدفعية المضادة للطائرات مع وحدات الصواريخ «البيتشورا» و»سام ـ 2» و»سام ـ 3» و»سام ـ 6»، وأجهزة الرادار والإنذار ومراكز القيادة المشتركة، وكان عبد الناصر يريد فسحة من وقت هادئ لدفع حائط الصواريخ إلى الحافة الأمامية لجبهة الحرب، ومن دون تعريض عمال الإنشاءات للقتل بغارات العدو، ووجد الفرصة في وقف إطلاق النار الموقوت الذي نصت عليه «مبادرة روجرز»، وبعد حديثه مع القذافي بأكثر من شهر، عاد عبد الناصر لتأكيد نجاح خطة الخداع الحربي، التي اكتشفتها واشنطن، ولكن بعد فوات الأوان، واتهمت عبد الناصر بخرق وقف إطلاق النار، وفي المحضر السري لاجتماع مجلس الوزراء برئاسته بتاريخ 7 سبتمبر 1970، قال عبد الناصر، كما المسجل نصا وصوتا «الحقيقة قوتنا في الصواريخ زادت جدا عن الأول.. يعني أكثر وتضاعفت. في الشهر ده وصلت لنا الصواريخ سام ـ 3 اللي عليها مصريين (…) يمكن احنا بنعوز برضه الـ3 أشهر. لأن الحاجات جاية جديد. ولسه عايزين وقت (…) احنا الصواريخ نقدر نحطها في ليلة واحدة (…) وبهذا نقدر نغطي 20 ـ 30 كيلومتر من الضفة الشرقية (سيناء). وبهذا نستطيع أن نعبر على طول» .
كاتب مصري