قوة الأدب الجيد تظهر أحياناً في كل ما لا نستطيع رؤيته أثناء القراءة، لكنه يمنح سحرا للعمل الأدبي. وهذه الفكرة تحديدا قرأتها في عبارة ملهمة للكاتب والباحث الإيطالي فابريتسيو كارامانيا يقول فيها: «ثمة شيء لا أستطيع أن أراه في كلّ ما أتخيله، وهذا الشيء هو ما يمنح سحرا لما أتخيّله». أعادتني عبارته هذه إلى تساؤل طرحته الكاتبة الإماراتية صالحة عبيد في روايتها «دائرة التوابل»: «هل يتبدد سحر إنسان عندما نفهمه؟».
في «دائرة التوابل» لا تتبع صالحة عبيد بنية سردية تقليدية ولا تعتمد على حكاية واحدة تبدأ حيث تبدأ وتنتهي حيث تنتهي، بل العكس تماما، ففي الرواية ثلاث حكايات، ثلاثة أزمنة، وثلاث مدن. ما يجمعها هاجس الموت الذي يعتبر أحد أسئلة الحياة الكبرى، فلولا الموت لما وجدت حياة، تتساءل:
«ماذا في الموت
يا عبد الله إذا
وفي فكرة أخرى تتحدث عن الموت لكن من خلال حديث الجسد أو تأويل ما يمكن أن يعبر عنه الجسد الميت، فمن وجهة نظر الشخصية الروائية يمكن أن يقول «الجسد الميت الكثير، ولا تستطيع صاحبته التحكم فيه».
وإلى جانب أسئلة الموت يشغل صالحة عبيد سؤال الذاكرة، الذاكرة التي نعود إليها ونستحضرها متى شعرنا بالفراغ حولنا، أو باقتراب ما نخشى حدوثه. الذاكرة في هذه الرواية عبارة عن حيلة دفاعية ضد هجمات الحياة، تقول: «لأننا لا نملك من أمرنا شيئاً، وما دمنا لا نملك من أمرنا شيئاً، فإنني قرّرتُ أن أملك ما بذاكرتي، لن أخزن فيها ما يغذّي ثأرا لن يكون يوما».
حاولت الكاتبة أن تجعل القارئ يتخيل ما عبرت عنه بقولها «رائحة الدم في الذاكرة». تقول: «وإني لأتحدث هنا عن ذاكرة الدم» وتتساءل بعد ذلك هل للدم ذاكرة؟
الذاكرة كما تعبر عنها المؤلفة هي كل ما يمكن للإنسان امتلاكه، أو لربما هي ملكيته السرية التي لن يشاركه فيها أحد، فلكل «واحد منا ذاكرة متسعة، مصممة تماما لتذكر كل ضربة سوط أو وقع إهانة، ذاكرة عميقة كأنها لبئر».
وعودة إلى عنوان الرواية «دائرة التوابل»، هذا العنوان الذي لا يشرح مضمونها بقدر ما يجعل القارئ يتفاوض مع معناه، تقول: «أنت دائرة من الدوائر في هذه الدوامة، دوامة قدرها أن تبتلعنا جميعاً بعد اكتمالها، لتُعاد الحكاية من جديد».
فماهي الحكاية التي تقصدها صالحة عبيد؟
الرائحة أو الحاسة الحدث الأبرز الذي تدور حوله الكثير من المواضيع، مواضيع عرفت صالحة عبيد كيف تصوغها روائيا، تتحدث عن الحواس، حواس يمكن أن تحدد طريقة رؤيتنا للعالم، تتساءل: «فهل تكفي حاسة الشم لتجعلها تدرك أسرار العالم كله؟».
وإن اعتمد كاتب على الرائحة أو الحاسة في نقل مشهد سردي لجريمة أو انتقد من خلالها قرية أو أمة ما، فإن صالحة عبيد تستخدم الرائحة انطلاقا من عائلة «آل التوابل» روائح التوابل، وما تجسده الرائحة في الموروث العربي، حين اعتبرت أن «لكل جسد دمغة خاصة به، هي دمغة الرائحة»، وكأن الرائحة هي امتداد لهوية الإنسان، لوجوده. فالشخصية الروائية «تشعر بالروائح تتسلَّل إلى مسامَّات جِلْدها، تتسرَّب إلى داخل الجسد من أعلاه إلى أدناه مكثِّفةً من شعورها الدائم بثقل الجسد ومعيدةً إليها الفوران الدائم.»
الحواس في رواية «دائرة التوابل» ترتبط بالمعرفة، فعندما تلمس الشيء تعرفه، تقترب منه، تفهمه، تقول: «كانت تحاول أن تعالج جهلها باللمس، لعل اللمسة تنقل إليها شيئا.»
ولأن استحضار الماء روائيا بمثابة الهوية الأدبية التي ترتكز عليها الرواية الخليجية، تقول: «يدون تاريخ العالم بدءاً من الماء، من اللحظة التي شكلت تلك الكثافة السائلة، فمنحت حياةً، أولى، لكل ما حولها». والكاتبة عبرت عن ذلك بأكثر من فكرة، فمرّة تقول: «وكان الماء، ثم كانت ذاكرة الناس، ذاكرة تولد أخرى داخل ركام، ويعاد بعثها من جديد». ومرة أخرى تربط الماء بالذاكرة، إذ: «يعكس الماء ذاكرة صاحبه مع وجهه، ويحفظها، كركام يتصاعد مع ما يحفظ من ذاكرة الزمن».
كما انتقلت من فكرة ذاكرة الماء إلى رائحة الماء، فتقول: «شعرت بأنها كرائحة الماء، رائحة ماء نهر من مكان في ذاكرتها لم تستطع أن تميزه الآن.»
الرائحة بالنسبة لها من ألغاز الكون التي يمكن النفاذ منها إلى الإنسان وعلاقته بكل ما يحيط به، تلك العلاقة الغامضة التي لا شيء فيها مكتمل، تقول: «للبحر رائحة هائلة، يقال إنها رائحة الملح، لكنها ترى فيه ما هو أبعد من ذلك، إنها رائحة اللغز، لو أن للألغاز رائحة، مزيج من روائح مبتورة، لا تكمل لك شيئًا حتى تنتقل إلى آخر».
الماء بالنسبة للكاتبة تجسيد للحزن أحيانا وللفرح أحيانا أخرى أيضا، وهذا سر من أسراره، تقول: «بعيداً عن الماء، أدرك سرّ الماء، ماء يعالج غيابه بالبكاء المر، كانت دموعا عذبة على رغم مرارة المصدر، تهطل على الشعلة المتأهبة في القلب الحانق فيهدأ وينطفئ استعاره حتى حين».
تقول صالحة عبيد إن للحزن رائحة، وللغز رائحة، وهذا ما دفعها للتساؤل: «هل تخيف الروائح؟» لتجيب في موضع آخر: «إذا استثنت شعور التحرر من عبء الروائح الثقيلة لا تشعر بأي اختلاف».
كذلك حاسة الشم ميزة انفردت بها الشخصية الروائية، إلاّ أنها «تودُّ أحياناً لو تفقد حاسَّة الشمِّ، لتستطيع التعاطي مع العالم بشكل مجرَّد عن انطباعات الرائحة».
يحصر البعض المرأة في صورة معينة لا يجوز أن تخرج عنها، وإن خرجت عن تلك الصورة بتميزها، وكسرت كل القوالب الجاهزة تصبح في نظر هؤلاء العدوة المحتملة دائماً، وهذا ما حدث للشخصية الروائية التي سيكتشف القارئ من خلالها الاختلاف الذي يحاول الغير إنكاره في الشخص المميز. إذ تخلق هذه المميزات نوعا من الغضب عند الغير، غضب لا يمكن ترويضه، بل يزداد حدة في كل لحظة يشعر فيها الغير بتفوق من عود نفسه على أن يراهم أقل شأنا منه، إذ تكبر شما «في كل حين تدرك فيه رائحة جديدة، ويصغر عزيز مع نمو الفكرة في رأسه، لتفصله عن الواقع، ويزداد شروده حدة.»
ولأن «متعة الأدب في تأويله» كما عبرت عن ذلك صالحة عبيد ذات حوار معها، فإنها لا تمنح في روايتها «دائرة التوابل» إجابات جاهزة للقارئ، بل تنشط خياله في ابتكار أجوبة خاصة به، فحين تتساءل مثلا «هل لهذا الصندوق علاقته بتفكيك الموت؟» فهي لا تفرض إجابة حاسمة، بل على كل واحد منا تفكيك الرواية ضمن رؤية معينة تعتمد على سد الفجوات التي يتركها الكاتب في النص. وفي الحقيقة أن تلك الفجوات هي ما يكمل الأدب الذي تراه المؤلفة عبارة عن «مساحة مفتوحة للتأويل، وإلا لن تكون مبدعا».
تعتمد صالحة عبيد على لغة خاصة، لغة تقول الأشياء ضمنيا، لغة سليمة، لا حشو فيها، ولا عبارات زائدة تبعد القارئ عن متعة القراءة. تقول الرواية: «فمن كانت له هذه القدرة على تطويع اللغة، فلابد أن يُطوّع العالم ذات يوم». لغة نكتشف من خلالها الرابط بين فصول الرواية، فصول تبدو للوهلة الأولى غير مفهومة كفصل النار مثلا، لكن حين تقرأ عبارة «الدم لعنة، وهي تشكل لغلياني» وتربطه بالعبارات السابقة «كذاكرة الدم»، تلحظ أن هذه الأفكار ما يؤسس لفكرة روايتها، رواية تتحدث عن الذاكرة، الرائحة، الموت، النار، الفقد، والوجود.
ومن هنا فإن صالحة عبيد استطاعت أن تقدم رواية تجريبية اعتمدت فيها أسلوبا خاصا في قول الأشياء، كما أنها حين استخدمت الشعر لم تقحمه في العمل دون أي معنى، بل لتؤكد على أهمية الشعر كوسيلة أخرى للتعبير. تقول الرواية: «سأحرس روحي من المرارة بالشعر، لعلي أنجو»، وفي لقاء مع الكاتبة أكدت أنها تقرأ الشعر باللغة العربية وتقرأه كذلك مترجما، بالنسبة لها: «تتسع فكرة المجاز حين تقرأ الشعر مترجما».
وهكذا كانت «دائرة التوابل» عملا يروي جانبا من الهوية الإماراتية كما تراها صالحة عبيد، وكما يعبر عنها الأدب الذي يحول تفاصيل وحكايات منطقة بعينها إلى شأن إنساني.
صالحة عبيد: «دائرة التوابل»
منشورات المتوسط، ميلانو 2022
192 صفحة.