خور عبد الله والعلاقات العراقية الأمريكية!

بعد صدور قرار المحكمة الاتحادية العليا بشأن عدم دستورية اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله مباشرة، نشرنا مقالا بعنوان «عن القرارات القضائية الغارقة في السياسة»، أوضحنا فيه السياق السياسي الذي أوصلنا إلى هذا القرار، بداية من رفض المحكمة الاتحادية عام 2014 طعنا قُدم حينها ضد الاتفاقية، محتجة بأن ذلك الطعن لا يدخل ضمن اختصاصاتها، وأن التصديق على الاتفاقية لا يتطلب أغلبية الثلثين، بل الأغلبية البسيطة، وأن أغلبية الثلثين تتعلق بتمرير قانون المصادقة على المعاهدات، وليس لتمرير المصادقة على قانون يتعلق باتفاقية محددة.
وصولا إلى قرار المحكمة الاتحادية (الصادر في أيلول 2022) الذي نقض قرار المحكمة الاتحادية المتقدم، وتعمد التدليس على الدستور بالقول إن التصويت على اتفاقية خور عبد الله كان يتطلب أن يتم بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب عليها، وأن عدم تحقق ذلك يدع القانون «مشوبا بعيب شكلي يخل بدستوريته»!
وقلنا حينها إنه لا يمكن فهم هذين القرارين إلا في سياقهما السياسي، سواء المتعلق بعلاقات القوة داخل العراق، أو المتعلق بالصراع على رسم الحدود البحرية شمال الخليج العربي بين كل من العراق والكويت وإيران.
وفي شهر أيار الماضي نشرنا مقالا بعنوان «خور عبد الله والشعبوية المفرطة»، أوضحنا فيه كيف سُوقت معلومات مضللة، وتعمد الجميع التغطية على السياق الذي حكم ترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت، وأن هذا التسويق لم يقف عند حدود بعض أصحاب الأجندات السياسية، بل شمل نوابا وسياسيين عمدوا عن قصد إلى تضليل الجمهور بشأن تلك الاتفاقية، وتصويرها على أنها «بيع» لخور عبد الله للكويت!
وبينا في المقالة نفسها أن الطعنين اللذين تقدم بهما رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ضد قرار المحكمة الاتحادية، والتأخير في تقديمهما (صدر قرار المحكمة الاتحادية في أيلول عام 2023، وتم تقديم الطعنين في آذار 2025) والمشكلات القانونية المتلعقة بهذين الطعنين (الطعن موجه ضد رئيس مجلس النواب إضافة لوظيفته ولكنه يطالب المحكمة الاتحادية بالعدول عن قرارها ومن ثم فان الخصومة هنا غير متوجهة) لا يمكن فهمه خارج إطار السياق السياسي أيضا!
وبعد اسبوع من الانقلاب الذي أداره رئيس مجلس القضاء الأعلى ضد رئيس المحكمة الاتحادية في الشهر الماضي، وسط صمت سلطات الدولة وتواطئها، وتشكيل المحكمة الاتحادية وفقا لمشيئته، فوجئنا برئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء يعلنان في اجتماع مشترك مع رئيس مجلس النواب، سحب طعنيهما بشأن اتفاقية خور عبد الله، وقلنا في وسائل التواصل الاجتماعي إن من الواضح أن ثمة «صفقة ما» تكمن وراء هذا القرار، وهي تشي بأن ثمة إرادة سياسية ستضمن إعادة العمل باتفاقية خور عبد الله خوفا من العصا الأمريكية، وأن مجلس النواب سيقوم بالمصادقة عليها وفقا لقانون عقد المعاهدات رقم 35 لسنة 2015 بالأغلبية المطلقة، وليس بالثلثين، لأنها ليست اتفاقية ترسيم حدود ولا تمس السيادة الإقليمية لجمهورية العراق!

اتفاقية خور عبد الله أصبحت بحكم المصادق عليها عمليا، وهي تنتظر لحظة تأكيد ذلك من الناحية الشكلية

يوم الأربعاء 23 تموز 2025 نشر رئيس مجلس القضاء الأعلى مقالا في صحيفة «الشرق الأوسط» يتعلق باتفاقية خور عبد الله، وبعيدا عن السؤال لماذا صَمت لما يقرب من سنتين من تاريخ قرار المحكمة الاتحادية المسيس بعدم دستورية تلك الاتفاقية، وبعيدا عن الإشكاليات الدستورية والقانونية التي وردت في متن المقال، وبعيدا عن لجوء «قاض» يرأس «مجلس القضاء الأعلى إلى توجيه نقد على قرار بات وملزم للسلطات كافة بموجب الدستور أصدرته المحكمة الاتحادية، وبعيدا عن تجاوزه لاختصاصات مجلس القضاء الأعلى المحددة بموجب القانون، لا يمكن فهم ما جاء في هذا المقال إلاّ في سياقه السياسي!
السياق السياسي الداخلي أولا، فرئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق تجاوز اخصاصاته ودوره منذ سنوات عديدة ليتحول إلى فاعل سياسي أساسي، بل إلى عراب حقيقي لتحالف الإطار التنسيقي، وهو يستمد هذه السلطة من عاملين أساسيين، الأول علاقاته بإيران، على اعتبار أنه، عمليا، حل محل أبو مهدي المهندس في هذا السياق. والثاني من السلطة المطلقة التي يمتلكها، والتي تتيح له أن يستخدم القضاء لملاحقة أي شخص يجرؤ على المساس به، أو المساس بدوره، خاصة في ظل بنية الفساد الحاكمة للنظام السياسي في العراق في جميع مفاصل وسلطات ومؤسسات الدولة، فساد جعل الجميع، دون استثناء، قابلين للملاحقة في أي لحظة بقضايا فساد إذا ما قرر رئيس مجلس القضاء الأعلى ذلك! فضلا عن سيطرته الفعلية على مؤسسات عديدة يمكنه استخدامها لتهديد أي شخص يعترض على سلطته (مثل هيئة اجتثاث البعث، والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات).
ثم السياق السياسي الخارجي، وتحديدا فيما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ فبعد التطورات التي حصلت في المنطقة من انكسار حزب الله، إلى التغيير في سوريا، إلى ضرب إيران، لم يبق العراق بمنأى عن هذه التطورات في ظل إدارة الرئيس ترامب التي لم تعد مستعدة للتعامل مع التدخل الإيراني في العراق كما فعلت الإدارات الأمريكية المتتالية منذ عام 2003. وباتت إجراءاتها فيما يتعلق باستثناء العراق من العقوبات ضد إيران، أو الضغط على البنك المركزي لإيقاف عمليات تهريب الدولار الأمريكي إلى إيران، وعمليات غسيل الأموال المرتبطة بذلك، أو موقفها الجديد تجاه الحشد الشعبي الذي تعده الولايات المتحدة ذراعا إيرانيا في العراق من خلال الضغط لدمجه في القوات المسلحة العراقية، أو من خلال التهديد بعقوبات تطال المؤسسات العراقية التي تموله.
وهنا وجد رئيس مجلس القضاء الاعلى، المتهم أمريكيا بأنه أداة رئيسية لإيران في العراق (سبق له أن أصدر أمرا بالقاء القبض على الرئيس ترامب بتهمة اغتيال سليماني/ المهندس) نفسه مضطرا، وبضوء أخضر إيراني بالضرورة، لإرسال رسالة «تطمئن» الولايات المتحدة (وستكون الكويت وسيطا لضمان ذلك) وتحيدها عن استهدافه، خاصة أنه يسعى للبقاء في موقعه إلى العام 2035 (بموجب القانون الذي يتيح تمديد خدمة القاضي العضو في محكمة التمييز إلى 68 عاما) كما أنه ما زال يطمح لأن يكون رئيسا لمجلس الوزراء في اللحظة التي يقررها هو!
لهذا كله، فان اتفاقية خور عبد الله أصبحت بحكم المصادق عليها عمليا، وهي تنتظر لحظة تأكيد ذلك من الناحية الشكلية، وسيبلع جميع من كانوا يعترضون على اتفاقية خور عبد الله ألسنتهم. وعلى الأغلب لن يلجأ رئيس مجلس القضاء الأعلى إلى «استخدام» المحكمة الاتحادية للقيام بذلك، خاصة وأنه في مقاله قد عد العدول خارج اختصاصاتها، وبالتالي سيكون محرجا في حال استخدامها للعدول عن قرارها بشأن اتفاقية خور عبد الله. وبذلك ليس أمامه من سبيل سوى أن «يستخدم» مجلس النواب للمصادقة على الاتفاقية مرة أخرى، فلا أحد من النواب يجرؤ على مخالفة «إرادة» رئيس مجلس القضاء الأعلى!
منذ سنوات اقترحت تعديل المادة الأولى من الدستور العراقي لتقرأ كما يأتي: «جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري قضائي ديمقراطي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى هو السلطة الوحيدة الحقيقية فيها»!

كاتب عراقي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية