دمشق – «القدس العربي»: مع مرور عام كامل على لحظة تاريخية فارقة في حياة السوريين، أخرجتهم من تحت سطوة نظام ديكتاتوري أمني قمعي، بدأ الشعب السوري ونشطاؤه بتدرب على استعادة الفضاءات العامة، وممارسة العمل السياسي، إذ باتوا يخرجون للساحات والشوارع وينظمون تظاهرات، أو اعتصامات، فضلا عن نشاط المنتديات والأحزاب. وكل ذلك، دون خوف من الاعتقال والاختفاء، وربما تحت حماية عناصر الأمن، بعد أن ظلت صورة هؤلاء في ذهنية المواطنين، لعقود خلال عهد النظام البائد، أقرب إلى الجلادين، من أي شيء آخر.
وإنعاش الحياة السياسية الرسمية، بدأتها الإدارة السورية الجديدة عبر مخرجات «مؤتمر النصر» في 29 كانون الثاني/ يناير، مع إعلان إلغاء العمل بدستور سنة 2012، وحل مجلس الشعب وحل حزب «البعث العربي الاشتراكي»، وأحزاب «الجبهة الوطنية التقدمية»، وما يتبع لها من منظمات ومؤسسات ولجان، وحظر إعادة تشكيلها تحت أي اسم آخر، وحل جميع الأجسام الثورية السياسية والمدنية.
بعد شهر ونصف الشهر على إسقاط النظام البائد، تم إصدار الإعلان الدستوري في 13 آذار/ مارس. الإعلان، أكد في بابه الثاني، أن تصون الدولة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل حقوق المواطن وحرياته، مشدداً على أن جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية، تعد جزءاً لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري، وأن الدولة تكفل حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة، وتصون حرمة الحياة الخاصة، ويعاقب القانون كل اعتداء عليها، وأن تصون الدولة حق المشاركة السياسية، وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية، وفقا لقانون جديد، كما تضمن الدولة عمل الجمعيات والنقابات.
المؤسسات الأهلية أولا
الإدارة السورية الجديدة، حاولت باكرا فتح الباب أمام المجتمع الأهلي ليأخذ دوره في عملية بناء المجتمع المهشم، ليساهم إلى جانب مؤسسات الدولة الوليدة بتخفيف الوضع المعيشي عن المواطنين، الذين سحقتهم حربا استمرت نحو 14 عاما.
تظاهرات بلا خوف ونشاط للمنتديات والأحزاب
وعملاً بهذه الرؤية، أصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة الانتقالية في 29 كانون الأول/ ديسمبر، قرارا تضمن آليات الترخيص والإشهار للجمعيات والمؤسسات الأهلية والمدنية، أو إعادة تثبيت الجمعيات المرخصة سابقا. ومن خلال هذه التسهيلات ظهرت جمعيات ومؤسسات مدنية جديدة باختصاصات مختلفة، بما فيها ما يتعلق بالمفقودين والمغيبين، أو الخاصة بالنساء وغيرها. وبدأت عقد ندواتها المفتوحة وذات الطابع السياسي في الأماكن العامة والمقاهي مثل، الروضة والكمال، أو ضمن دمشق القديمة، بعد الحصول على الموافقات المسبقة من وزارة الشؤون، خصوصاً إن كانت هناك منظمات دولية مدعوة للمشاركة.
كما نظم بعضها وقفات واعتصامات في الساحات العامة مثل، المرجة، أو أمام محطة الحجاز في دمشق للمطالبة بالكشف عن مصير المفقودين والمغيبين في سجون النظام البائد، وهؤلاء كانوا يحصلون على موافقات مسبقة لكي تتخذ وزارة الداخلية الإجراءات الاحترازية لعدم حصول أي تجاوزات، أو أعمال شغب، أو مواجهات بين المعتصمين، وآخرين من أصحاب الرأي الآخر. مع ذلك، وخلال أحداث الساحل السوري الدامية، نظمت مجموعة من الناشطين ومنظمات المجتمع المدني، وقفة صامتة في ساحة المرجة في دمشق «رفضاً وإدانة لكل الجرائم التي حصلت بحق المدنيين، وعناصر الأمن العام في مناطق الساحل السوري». لكن المعتصمين تعرضوا للاعتداء من آخرين في المكان، ما دفع قوى الأمن الداخلي للتدخل وفض عراك وتدافع بالأيدي حصل بين الفريقين.
ناشطون تحدثوا عن بدايات إيجابية مقرين في الوقت نفسه بأن الطريق طويل لبناء نظام ديمقراطي مستقر
وتكرر الأمر، في 19 تموز/يوليو الماضي، خلال وقفة صامتة أمام مجلس الشعب احتجاجا على أحداث السويداء الدامية، نظمها ناشطون ورفعوا خلالها لافتات تطالب بوقف التجاوزات ومنها، ما كان قد أعلنه مفتي سوريا أسامة عبد الكريم الرفاعي بأن «دم السوري محرم على السوري»، فما كان من بعض الشبان إلا الاعتداء على المشاركين في الوقفة، ومن بينهم المستشارة في هيئة المفقودين الصحافية زينة شهلا، التي تعرضت للضرب والشتم والإهانة، غير أن مثل هذه الحالات لم تتكرر، وبات يتم السماح بتنظيم الاعتصامات وحتى التظاهرات تحت حماية عناصر الأمن العام. ولم تكن سهولة وتيسير الحصول على الموافقات لعقد الجلسات الحوارية، بما فيها المتعلقة بالحريات العامة، متاحة في جميع الحالات، إذ حصلت جمعيات لعقد مثل هذه الجلسات في بعض المدن، ولكن لم يسمح لها بعقد الجلسات ذاتها في مدن أخرى لأسباب غير مفهومة، أو واضحة وقد ترتبط برؤية إدارة الشؤون السياسية في تلك المدينة.
استثمار فسحة الحرية
وعودة الحياة إلى الشارع السياسي والبدء بممارسة النشاط لم يمنعه، قرار حل الأحزاب، أو عدم فتح باب الترخيص لأخرى جديدة، إذ عن صدور قانون الأحزاب الجديد تأخر، بسبب عدم استكمال تشكيل مجلس الشعب. واستثمر الناشطون السياسيون فسحة الحرية، فوسط حضور مكثف من الناشطين السياسيين والصحافيين المحليين والأجانب، تم إطلاق «منتدى الحوار السوري الديمقراطي» من منزل المعارض السوري للنظام السابق رياض سيف في ضاحية قدسيا قرب دمشق، في 23 نيسان/أبريل 2025، عبر جلسة أولى كانت تحت عنوان «السلم الأهلي والعدالة الانتقالية». وفي تصريح خاص لها لـ»القدس العربي» قالت رئيسة مجلس إدارة المنتدى جمانة سيف، إنه بعد أن أعلنا عن جلستنا الأولى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تواصلت معنا عناصر من الأمن الداخلي من مخفر قريب وطلبوا منا إلغاء الجلسة لتخوفات أمنية، ولكن في اليوم الثاني تواصلت معنا الشؤون السياسية في الخارجية السورية، وأبلغونا موافقتهم لعقد جلسة الحوار، حتى إن ممثلين عنهم حضر الجلسة وشارك في نقاشاتها.
مرعي: أحزاب تفتح مكاتبها وتمارس نشاطاتها دون مضايقات لكنها لا ترفع أسماءها على مقراتها
وتابعت إننا ننظم جلسات حوارنا في فترات متباعدة، وفي آخر واحدة ناقشنا انتخابات مجلس الشعب، وعادة ما تشارك في ندواتنا شخصيات مهمة تطرح آراء متنوعة ومختلفة في نقاش راق ومحترم، ومن دون أن نتعرض لأي إشكال من السلطات، على الرغم من أننا لم نتقدم للحصول على أي ترخيص، باعتبار أن «منتدى الحوار السوري الديمقراطي» ليس ثقافيا، ولا نريد له أن نرخصه تحت هذا النوع، لأننا نطرح مواضيع ذات صبغة سياسية، حتى إننا لا نبلغ أي طرف رسمي عن محاور ندوتنا الجديدة، وإنما يطلعون عليها كغيرهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي عندما نعلن عنها.
الطريق طويل
يجمع الناشطون في الحياة السياسية داخل البلاد، على أن العهد الجديد شهد بدايات إيجابية نحو انفتاح سياسي لم يعتد عليه السوريون، غير أن الطريق ما زال طويلاً أمام بناء نظام ديمقراطي مستقر. وكان من أبرز التحديات الجديدة، إزالة الملاحقات الأمنية، التي كان النظام البائد قد عممها على المعابر الحدودية بحق الملايين من السوريين، وفي المقدمة منهم معارضوه السياسيون باختلاف انتماءاتهم الفكرية. تجاوز هذه العقدة، فتح الباب أمام عودة هؤلاء للعيش مجددا في وطنهم، وبين أقاربهم وضمن أحيائهم التي حرموا منها لعقود، أو لزيارة استطلاعية لاكتشاف فرص العودة والعمل، إذ ليس من السهل البدء مجددا وأحيانا من الصفر على خلفية الدمار الهائل الذي لحق بالأماكن الحضرية، وليس من السهل إعادة الأطفال وإخراجهم من مدارسهم ليعيشوا في مناطق غالبا ما تكون مدارسها مدمرة. ووسط حياة الحرية التي حرم منها السوريون، سرعان ما تحرك سياسيون لتأسيس أحزاب، أو تكتلات جديدة استعدادا للمرحلة المقبلة، ولم يكن هؤلاء بالضرورة من البيئة الإسلامية الحاضنة للإدارة الجديدة، بل ربما كانوا من الاتجاه الآخر، وكان من بين من ظهر ما أطلق مؤسسوه على أنفسهم «تجمّع القوى الوطنية السورية – قوس»، منتصف شباط/ فبراير الماضي، حيث أعلن خمسة ناشطين عن إطلاقه، معتبرين أن ما تمر به البلاد اليوم هو «لحظة مفصلية دفعتهم بالتشاور مع نخب سورية، لتأسيس كيان جامع يوحد القوى الوطنية على تنوعها من أجل بناء الدولة التي نتفق أو نختلف على تفاصيلها، كي تكون الأفضل والأجمل»، مناشدين السوريين إلى «التشبيك والتعاون» في ما بينهم لإنجاح هذا المشروع.
الإدارة الجديدة حاولت باكرا فتح الباب أمام المجتمع الأهلي ليأخذ دوره في عملية بناء المجتمع
وأطلق المشروع الباحث والصحافي وعضو مجلس الشعب السابق نبيل صالح، وإلى جانبه حمل المشروع تواقيع كل من رئيس اتحاد الكتاب العرب في سوريا حينها محمد الحوراني، ونقيب محاميي سوريا السابق الفراس فارس، والمستشار الاقتصادي عامر شهدا، والمستشارة التربوية والتعليمية روعة الكنج الدندشي، ومسؤولة العلاقات العامة رولا سليمان.
وفي 23 آذار/ مارس، وفي مؤتمر صحافي في فندق الأرميتاج في دمشق، تم الإعلان عن إطلاق تحالف سياسي يضم 35 حزباً وقوى سياسية ومجتمعية من مختلف التوجهات، ومن بينها اليساري والقومي والإسلامي، تحت مسمى «تحالف المواطنة السورية المتساوية – تماسك» وتحت شعار «الدين لله والوطن للجميع».
ورفضت الأحزاب المشكلة للتحالف أن تصف نفسها بالمعارضة أو بالموالاة، وأصرت أن دورها هو المشاركة في بناء سوريا الجديدة، ومن أبرزها كان «مجلس سوريا الديمقراطي – مسد» الجناح السياسي لـ»قوات سوريا الديمقراطية- قسد» وحزب «الإرادة الشعبية»، الذي يتزعمه قدري جميل، وحزب «الشباب الوطني السوري» المرخص رسمياً من عهد النظام السابق وحزب «الانتماء السوري الديمقراطي» وأمينه العام رجا الدامقسي، و»حزب العمل الشيوعي» ومن قياداته صفوان عكاش وحسيبة عبد الرحمن ويوسف عبدلكي، و»تجمع سوريا الديمقراطية»، الذي تم إطلاقه بعد مرور ثلاثة أسابيع من إسقاط النظام السابق في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
ووفق الآليات السابقة، وفي 13 أيلول/ سبتمبر الماضي، أعلن 41 حزباً وحركة وقوى سياسية مختلفة ومنتشرة على مستوى البلاد، ومن مختلف طوائفها، عن الهيكلية الإدارية والتنفيذية والمركزية لما سموه «التحالف الوطني الديمقراطي السوري». وقال عضو الهيئة الرئاسية للتحالف محمود مرعي في تصريح خاص لـ»القدس العربي»، إن لجنة المتابعة انتخبت المكتب التنفيذي بعضوية 24 عضواً وانتخبت المجلس المركزي بعضوية 75 عضواً والهيئة الرئاسية بعضوية 15 عضواً، ولم يتم بعد توزيع المهام داخل الهيئة الرئاسية، لكن الاجتماع وما تمخض عنه لم نخبر عنه السلطات الرسمية، ولم نأخذ عليه موافقة مسبقة، ولم نبلغ مسبقا عن الاجتماع وعقدناه في مضافة الأمين العام لحزب الشعب الشيخ نواف الملحم المنضوي في التحالف، من دون أي مضايقات من السلطات، بل حضرته شخصيات من الشؤون السياسة وشاركوا بفاعلية في النقاشات السياسية التي دارت خلال الجلسة، وطبعا لا يمكن مقارنة حضورهم ومشاركاتهم بما كانت تفعله الأجهزة الأمنية في عهد النظام السابق، التي كانت تمنعنا وتعتقلنا عند ممارسة مثل هذه النشاطات. وبين أن السلطات الحالية لا تمنح الموافقات لعقد الاجتماعات السياسية، لكنها في الوقت ذاته لم تمنع أحداً من العمل والنشاط السياسي العلني، ولم يمارسوا أي مضايقات، وتقوم وجهة نظرهم على إمكانية ممارسة النشاط السياسي بشكل فردي، وليس عبر أحزاب أو جبهات أو تحالفات، ولكن سوريا تحديدا لا يمكن أن تصلح من دون حياة سياسية واسعة، والتحالف الذي بنيناه راعينا فيه ألوان المجتمع السوري كافة، من العربي إلى الكردي والشركسي والمسلم والمسيحي والدرزي والعلوي والإسماعيلي، واتفقنا جميعنا في رؤيتنا على أن سوريا دولة مواطنة متساوية وتشاركية لجميع المواطنين، ولا مانع من بقاء كل من انضم إلينا أن يبقى في حزبه.
عيسى: جيش من المخبرين وكتبة التقارير الذين زرعوا الفتنة في المجتمع
وتابع: على أرض الواقع هناك حراك سياسي وتشكيلات غير رسمية وغير مرخصة، ومن يعمل يمارس نشاطه وفق سياسة غض النظر، وأنا شخصيا التقيت مع الأمانة العامة للشؤون السياسية وطلبوا منا ألا نمارس النشاط السياسي الحزبي، لكننا لم نقبل لأنه لا يمكن لهم إيقاف الحياة السياسية في سوريا، إلى حين صدور قانون الأحزاب، وقد لا يصدر باعتبار أنه قد مرت سنة على سقوط النظام ولم يصدر هذا القانون حتى الآن. وفيما يتعلق بمصير التحالف وآلية ترخيصه في حال صدور قانون للأحزاب، أوضح مرعي أنه حصل اتفاق مبدأي بين جميع القوى المشاركة، على أن نحول التحالف إلى حزب واحد مرخص لأن الأحزاب الصغيرة لن يكون لها أي تأثير في الحياة السياسية على مستوى البلاد، ولا بد لأي حزب ليكون مؤثرا أن يكون منتشرا في جميع المحافظات السورية، وأن يكون أعضاؤه من مختلف مكونات المجتمع.
حريات مقبولة
وأكد أن السلطة الحالية يحسب لصالحها حجم الحرية السياسية التي تتيحها، خصوصا ما يتعلق وآليات تعاملها مع ما حصل في مدينة حمص وفي مدن الساحل السورية أخيراً، حيث قام الأمن العام بمنع العشائر من التجاوزات التي كانت قد بدأتها وحدّت منها سريعاً، والحال ذاته فيما يتعلق بالتظاهرات التي نظمتها الطائفة العلوية في العديد من المدن، حيث لم تشهد عمليات إطلاق نار ولا سقوط ضحايا. وقال: في عهد النظام السابق كانت الأجهزة الأمنية وفي أي اعتصامات سلمية ننفذها، تنهال علينا ضربا وتعتقل المشاركين وتسحلهم في الشوارع كما فعلوا مع الكاتب الراحل طيب تيزيني ابن الـ75 سنة في ساحة المرجة مع بداية الثورة. وبين مرعي أن المثقفين والسياسيين من أصحاب التاريخ النضالي الطويل يتحاورون في جلسات خاصة مع ممثلين عن السلطة الحالية ويقدمون لهم النصائح، إن في إطار تسريع إصدار قانون للأحزاب، أو الاستفادة من الخبرات المتوفرة، ونحن في تحالفنا لا نعتبر أنفسنا من المعارضة، وإنما لدينا وجهة نظرنا في رسم صورة سوريا المستقبل، ومستعدون للتعاون بما يخدم مصلحة البلاد، ويمكن لنا أن نلعب أدواراً سواء في الجنوب مع أهلنا في السويداء أو في الساحل، أو في شمال شرق البلاد، لأن تحالفنا يضم أعضاء من كل هذه الألوان ولدينا علاقاتنا مع الدروز والعلويين والأكراد.
مقار من دون لافتات
وتحدث عن مدى التساهل في العمل السياسي، وأوضح أن العديد من الأحزاب السياسية تفتح مكاتبها وتمارس نشاطاتها فيها من دون أي مضايقات، لكنها طبعا لا ترفع أسماء أحزابها على مقراتها، كما هو الحال في العديد من مكاتب أبرز الأحزاب المنضوية في تحالفنا، وما يسري علينا يسري على غيرنا فهناك مكتب معروف لـ»مجلس سوريا الديمقراطية – مسد» وأيضا لحزب «الإرادة الشعبية» الذي يتزعمه قدري جميل لديهم العديد من المكاتب، وطبعا هذه المكاتب هي ملكيات خاصة وليست مقدمة لهم من الدولة، كما كان الحال في عهد النظام السابق الذي كان يقدم مكاتب للأحزاب المتحالفة معه تحت جناح الجبهة الوطنية التقدمية لكن كل هذه المكاتب تمت مصادرتها وعادت ملكيتها للدولة.
وخلص مرعي للتوضيح، فيما يتعلق بالحزب السوري القومي الاجتماعي فإنهم أغلقوا مكاتبهم وكأنهم انسحبوا من الحياة السياسية السورية العلنية، وانتخبوا قيادات جديدة واتخذوا من بيروت مقراً لهم.
مكسب مهم
وبتقييم للمرحلة التي مرت من عمر سوريا الجديدة، يعتبر الحقوقي والقانوني عارف الشعال، أنه لا يمكن الحديث عن وجود حياة سياسية بالمعنى التقليدي في سوريا، نتيجة لطبيعة المجتمع الذي أُفرغ من السياسة بفعل عقود طويلة من الاستبداد. وزاد في تصريحه لـ»القدس العربي» إلى أن المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، لم تفرز بعد حياة ديمقراطية حقيقية، مثل برلمان منتخب أو انتخابات نزيهة، وهي من أبرز مؤشرات الحياة السياسية الفاعلة. وتابع: يلاحظ وجود هامش واضح من الحرية السياسية، لا يمكن إنكاره، فالمجال مفتوح أمام الأفراد لممارسة أنشطة سياسية، من دون قيود رقابية تُذكر، إذ لم تُسجّل حالات اعتقال أو ملاحقة أو مضايقات على خلفيات سياسية، وهذا الهامش، يمثل مكسباً مهماً يجب الحفاظ عليه وتوسيعه. أما فيما يتعلق بآفاق الانفراج السياسي بعد سقوط النظام السابق، فيرى أن، من المهم التذكير بأن سوريا تضم أفراداً ذوي توجهات سياسية متنوعة، لكن لا توجد حتى الآن أحزاب أو تيارات سياسية حقيقية تمتلك قاعدة شعبية أو تمثيلاً فعلياً على الأرض، ولا يمكن اعتبار تجمعات صغيرة من عشرات الأشخاص، مع كامل الاحترام لهم، أحزاباً سياسية بالمعنى المؤسسي والتنظيمي للكلمة، حتى إن أطلقوا على أنفسهم هذا الوصف. ويقول: منذ سقوط النظام السابق، شهدت البلاد ارتفاعاً ملحوظاً في مستوى الحريات العامة، وهو أمر يُعد مرضياً إلى حد كبير، كما أن المجال مفتوح بدرجة واسعة أمام الأفراد والجماعات لممارسة الفعاليات والأنشطة المختلفة بحرية، معتبراً أنه في هذا السياق، من الضروري التنبيه إلى أهمية اليقظة المجتمعية للمحافظة على هذا المستوى من الحريات والعمل على رفعها، وينبغي على المهتمين بالشأن العام رصد أي محاولة للتضييق على هذه المكتسبات، والتصدي لها بحزم، مع الحرص في الوقت ذاته على احترام القانون والنظام العام والآداب العامة، بما يضمن استمرار هذا الهامش من الحرية، وتطوره نحو فضاء ديمقراطي أوسع.
ويتفق نقيب المحامين السابق في سوريا أحمد دخان في ما ذهب إليه الشعال ويقول في تصريحه لـ»القدس العربي»، إنه مرّ عام على لحظة تاريخية فارقة في حياة السوريين، وشهدنا بدايات إيجابية نحو انفتاح سياسي أكبر، غير أن الطريق ما زال طويلاً أمام بناء نظام ديمقراطي مستقر.
ويرى أن الحياة السياسية بدأت تتنفس مجدداً، لكن التحديات كثيرة، خاصة في ظل واقع أمني حساس وتحديات اقتصادية ضاغطة، والحركة المكوكية التي يقوم بها الرئيس أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني من زيارات متتالية إلى دول المحورين الشرقي والغربي، تمنح البلاد مساحة واسعة نحو حياة سياسية وواقع جديد ينقل البلاد من حالة العزلة الدولية، إلى عهد جديد يتميز بتحالفات قوية تريح البلاد والشعب من حالة الحرب التي أرّقت الفرد السوري وجعلته في عزلة اجتماعية واقتصادية وسياسية. ويؤكد أنه تم إحراز تقدم نسبي في مجال الحريات السياسية، فهناك هامش مقبول من حرية التعبير والعمل المدني، لم يكن متاحاً سابقاً، ولكننا ما زلنا نطمح إلى مزيد من الحماية القانونية والضمانات التي تتيح للأفراد والأحزاب والنقابات العمل بحرية، من دون خوف أو تدخلات تعيق نشاطهم.
صعب في عام
الصحافي صبري عيسى، يرى أن سنة واحدة من عمر النظام الجديد لا يمكن أن تحدث التغيير الذي ينتظره السوريون، بعد ستين عاماً من قمع الحريات والحصار الذي فرضه نظام البعث على السوريين، وقام خلاله بإلغاء الصحافة الحرة وأسس صحافة من لون واحد تحت مظلة الأجهزة الأمنية. ويرى في تصريحه لـ»القدس العربي»، أن تأسيس نظام بديل خلال عام واحد يلبي حاجة السوريين للحرية والتخلص من إرث طويل من الفساد، يبدو صعباً، من دون أن نغفل عن أخطاء كارثية، وعدم تفهم حاجات السوريين الذين عانوا من تردي أوضاعهم المعيشية وانتشار كثيف لفساد رجال النظام السابق، والأخطر هو شيطنة السوريين ضد بعضهم من خلال جيش من المخبرين، وكتبة التقارير الذين زرعوا الفتنة في المجتمع السوري، معتبراً أن اعتماد النظام الجديد على أشخاص غير مؤهلين يؤخر إنجاز التغيير الذي نحلم به ونتمنى تحقيقه بسرعة. وحسب عيسى، منذ اليوم الأول للتغيير، شعر السوريون بأهمية سقوط النظام وارتفعت الأصوات عاليا لمحاسبة النظام السابق، وكان الهم الأول البحث عن المعتقلين، من قبل ذويهم، إن كانوا أحياء أم أمواتا تم دفنهم في مقابر جماعية، ولم ينته البحث عنها على امتداد مساحة سوريا، وخرج الصامتون عن صمتهم وتم فتح ملفات الفساد ونبشت المقابر الجماعية التي انتشرت في صيدنايا وكل المدن السورية. ويعتقد أن البطء في الإجراءات أصابت السورين بالخيبة، فالمطلوب كان إجراء محاكمات علنية على الهواء مباشرة عبر الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، ومنع حمل السلاح ومصادرة كل الأسلحة غير الشرعية من الجميع.
ويخلص للقول إن ما يفاقم الأوضاع المعيشية المتدهورة للمواطنين داخل البلاد تلك الأصوات المنفلتة تحت يافطة حرية التعبير، عبر مزاودات غير منطقية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وممن يقيمون خارج البلاد وينعمون برغد الحياة.