يقول إرنستو ساباتو أن «في الأسفار ثمة شيء سطحي على الدوام، وعلى كاتب أزماننا أن يعمق الواقع. وإذا كانت له أسفاره فهي- وهنا تكمن المفارقة – لأغراض التعرف الأعمق على الأماكن والناس من محيطه».
فمن وجهة نظره على الكاتب أن يسرد تفاصيل الأشياء التي يعرفها، تلك التي ترتبط بالطفولة، والوطن، ثم يضيف: «وقد يكون بودلير هو القائل: بأن طفولتنا هي الوطن»، وفكرة كل من ساباتو وبودلير تقودنا إلى علاقة الكاتب المهاجر بوطنه، حين يكتب عنه انطلاقا من المكان الذي هاجر إليه، فهو النافذة التي يستحضر من خلالها عوالم جديدة في الكتابة، فتتبع تفاصيل أمكنة زارها أو عاش فيها تجعله أكثر وفاء لانتمائه الأول، مع أن الكتابة في حد ذاتها فعل حر لا يتقيد بشيء، إلا أنها تستمد قوتها من ذات الكاتب، الكاتب الحقيقي الذي وصفه ساباتو بأنه «يتكلم عن الواقع الذي يعرفه منذ أن كان في المهد، إذن عن الوطن حتى وإن بدا لنا بأنه يهرب في أحداث بعيدة زمانا ومكانا».
فمن الصعب، كما يرى ساباتو، «كتابة شيء أكثر عمقاً وبدون أن يرتبط بأسلوب مفتوح أو غير مباشر بالطفولة. لذلك فحتى المنفيين الكبار، كإبسن أو جويس، نسجوا على هذا المنوال الغامض»، على حد تعبيره.
وأفكار ساباتو عن الوطن تقودني إلى الحديث عن الكاتب العراقي سنان أنطون، هذا الكاتب الذي يسكن العراق في كتاباته… العراق في نصوص أنطون تشبه لعبة البازل، ففي كل رواية جديدة يعيد كتابتها مجددا، وكأنه في كل مرة يركب أجزاء مفقودة، أو لربما يريد القول من خلال هذا، أنه يستحيل أن نتنصل من كل الأشياء التي تربطنا بذكرياتنا الأولى. ولهذا كانت الكتابة وسيلته لاستعادة العراق كما يراه وكما يتمناه.
أعادتني أفكار ساباتو أيضا إلى سؤال طرحه أحد الحضور على أنطون في لقاء أجريَ معه مؤخرا: «لماذا لا يكتب الكتاب العرب الذين يعيشون خارج البلدان العربية روايات مستوحاة من الواقع الذي يعيشون فيه؟»، أي لماذا نجد في كتابات الكتاب العرب المهاجرين ما يعيدنا دائماً إلى أوطانهم، لا الأماكن التي يعيشون فيها. وكان رد أنطون ما معناه أن هذا «يشير إلى إشكالية على عدة مستويات تتعلق بمسألة فهم خيارات الكاتب»، فالكاتب من وجهة نظره ليس صحافيا، يكتب تقريرا عن هذه البلد، ومقالا عن تلك، الكتابة كما يتصورها أنطون تتطلب «الاستغراق وفهم المكان» حتى يقدم المبدع نصا حقيقيا.
وبما أن الكاتب سيكون وفيا لقضايا وطنه، فإن أنطون تحدث في رواياته عن العراق لأسباب كثيرة، منها: التعتيم على المجتمع العراقي خلال فترات مضت، إضافة إلى القيود التي تملأ العالم، قيود العائلة، المؤسسة، الأنظمة، لذا: «وجدت الروايات كي نكتب فيها ما نريد بحرية» على حد تعبيره.
الجمال مُؤلم
وردّه قادني بطريقة ما إلى الحديث عن وجهة نظر ساباتو التي تتقاطع مع ما تمثله الكتابة له، أي أنها لا تستند إلى حكاية نرويها كما نشاء عن أي مكان لمجرد أننا فيه، فهو كما ذكرت سابقا يعيد تركيب أجزاء مفقودة أو يبحث عنها، وهذا ما نلحظه في آخر أعماله رواية «خزامى»، التي يذهب عنوانها بالبال إلى العطر، الجمال، لكنه غير ذلك تماما. يقول الروائي والشاعر الإيطالي بيير باولو بازوليني: «عندما تعشق الجمال لا تنسى ملاحظة الآثار الجانبية له… الجمال مُؤلم».
إذ سيكتشف القارئ من خلال رواية «خزامى» قصة عراقيين من جيلين مختلفين، جمعهما صدفة عطر الخزامى.
نتعرف على كل شخصية بمنأى عن الأخرى، نكتشف في الأخير أن ما جمعهما ليس محبتهما لعطر الخزامى، وإنما فتح العطر أبواب الذاكرة، الذاكرة المبتورة، المتمثلة في عمر، والذاكرة التي تحتضر، المتمثلة في الطبيب سامي الفاقد لذاكرته. لكن لن تتوقف الأمور هنا، بل تتعقد فأحدهما تسبب في مأساة الآخر حين اقتلع أذنه مجبرا، وهنا نكتشف سر هاتين الشخصيتين، وسر الحروب التي لا تصنع فقط ضحايا، بل ضحايا بدرجات متفاوتة. هكذا هي قصة عمر وسامي، قصة المهاجر العراقي الذي سيجد دائماً ما يعيده إلى الماضي. وكأن التأقلم مرتبط بكل ما تركناه خلفنا.
نلاحظ أن الشخصية الروائية عمر تحاول قدر الإمكان الهروب إلى الأمام لكنها تهرب إلى الخلف، حيث كل شيء مرتبط بالماضي، الماضي الذي يذكرها بالجزء الذي اقتُلع منها، تقول الشخصية الروائية: «المفردات والمصطلحات هي كمادات، تتنوع أحجامها وأشكالها. توضع على الصمت، بعده أو قبله بقليل، لكي تخفي الجرح، وتطمس القبح».
ثم مرة أخرى تؤكد أن «حادث، موضوع، حادثة، سالفة، قصة، كلها مفردات تقال كي لا تقال الحقيقة، ببشاعتها».
فالحقيقة من وجهة نظرها: «التي لا يغطيها، ولا يمكن أن يغطيها شيء لا تُقال، لكنها ترى.. «. ويتجسد ذلك في قولها «أذن مذبوحة»، ثم تقول: «قتلوا أذنه».
قصص حدثت وتحدث
الألم في «خزامى» جزء من ثيمة الرواية، أو جزء من الحياة الإنسانية على هذه الأرض: «الأرض التي يبدو ألا راحة كاملة إلاّ تحت ترابها». كما تقول الرواية.
المقصود بـ«القلع» في الرواية ليس المعنى الدقيق للكلمة، بل تتجاوزه إلى الاقتلاع من الجذور، فهو ليس مهاجرا فقط، بل فارا من كل الأشياء التي تعيده للألم، لذا دائماً كان يخفي هويته. فالمهاجر هو الشخص الذي يمكن أن يعود في ظروف عادية، ظروف لا تذكره بأي مأساة، إذ: «كان يحلو له أن يشبه نفسه بالطيور التي يحبها. ولكنه كان يدرك أنه ليس مثل تلك الطيور التي تهاجر في موسم ثم تعود إلى حين موطنها. هو طير هاجر ولكنه لن يعود. فقد وجد له مستقرا هنا.»
وإلى جانب كل هذا: «لازم الخجل عمر منذ صغره. وأكثر ما كان يمقته في هذا أنه يقيده ولا يسمح له بالتعبير عن مشاعره أو التصريح عن رغباته. يسجنه في صمت لا يقول فيه أي شيء. عيناه وحدهما كانتا تترجمان فيض العواطف بدقة. ولكن لا قواميس نموذجية، ومتاحة للجميع لترجمة ما تقوله العيون».
لذا كان يصعب عليه العيش خارج الماضي، فالخجول لا يمكنه التأقلم مع المحيط، مهما كان هذا المحيط إيجابيا معه.
يعيد أنطون تمثيل الفظاعات الإنسانية من خلال الأدب أو الفن الذي يرى أنه: «يسمح للإنسان أن يتقمص ولو بشكل مؤقت ذاتا أخرى أو حياة أخرى، وممكن أن يتعاطف معها أو يشعر بمحنها»، وهذا ما يشعر به القارئ حين يقرأ «خزامى» ويعرف حكاية الإنسان مع الوجع، الذاكرة والألم.
وإذ قدم توصيفا دقيقا لأمثال عمر، البشر الذين يعيشون حياة بذاكرة متألمة، ذاكرة متوقفة في الماضي أو كأنه «يبني مشاريعه لأجل الماضي» بتعبير إينيو فلايانو، فهو لم «يكن يشبه قارباً يغرق، بل قطعة أرض، تتشقق وتنفصل تبتعد تدريجياً لتكون جزيرة مهجورة، لكنها مسكونة بالأشباح، لا خرائط لتضاريسها. جزيرة تخاف من المياه التي تطوقها وتتوجس من كل من يقترب من سواحلها أو ما يحط على أشجارها»، كما عبرت عن ذلك الرواية.
النصوص الأدبية الجيدة هي التي يمكن أن نخرج منها بتأويلات كثيرة، ذلك أنها لا تعتمد على الفكرة الأساسية والأصلية للنص، بل ترتكز أيضا على الكثير من القراءات الأخرى التي نخلص إليها في الأخير.
ففي الجزء المخصص لشخصية سامي الطبيب نقرأ عن الخرف والآلزهايمر اللذين وصفهما بأنهما «مثل اللص الذي يسرق أثمن ما لدى الإنسان»، كما نقرأ عن «نشوء الموسيقى وعلاقة البشر بها، وكيف أنّها ربّما كانت لغتنا الأولى.»
كل ما سردته الرواية، قصص حدثت وتحدث، لكن الطريقة التي ربط بها الكاتب قصة لقاء كل من عمر وسامي تسمى بالفن الروائي، الفن الذي عبر عنه الكاتب الإيطالي تشيزاري بافيزي بأنه «جميعه هو مسألة توازن بين ضدين».
سنان أنطون: «خزامى»
منشورات الجمل، الشارقة 2023
255 صفحة.