لندن- “القدس العربي”:
يشهد قطاع غزة مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد حدة الانتهاكات الإسرائيلية المسجلة منذ الإعلان عن ترتيبات التهدئة، وسط جدل سياسي وقانوني متنامٍ حول دور الهيئات الدولية والإقليمية المكلفة بمتابعة الاتفاق وضمان تنفيذه.
ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تآكل مصداقية آليات حفظ السلام وتحولها من أدوات استقرار إلى أطر عاجزة عن الردع.
يرى الخبير السياسي الدولي، والباحث في العلاقات الدولية بجامعة مؤتة الأردنية، عون ماهر، أن سكوت مجلس السلام المعني بمتابعة الوضع في غزة تجاه حجم الانتهاكات المسجلة يمثل بداية فكرة فاشلة في إدارة التهدئة.
ويؤكد في حديث لـ”القدس العربي” أن استمرار هذا النهج يعكس خللاً بنيوياً في مفهوم الضمانات الدولية، ويبعث برسائل سلبية إلى الأطراف الفاعلة على الأرض.
يشير ماهر إلى أن الأرقام المعلنة حول أعداد الضحايا والانتهاكات منذ بدء العمل بترتيبات وقف إطلاق النار تكشف فجوة واسعة بين النصوص الموقعة والواقع الميداني.
ويضيف أن “غياب رد فعل عملي من مجلس السلام يضع علامات استفهام حول قدرته على أداء الدور المنوط به، خصوصاً في ظل تكرار الحوادث التي تطال مناطق مدنية وبنى خدمية”.
يلفت الخبير الأردني إلى أن وظيفة أي مجلس معني بحفظ السلام ترتكز على ثلاثة عناصر أساسية تشمل الرصد والتوثيق والتحرك السياسي.
ويشرح أن الاكتفاء بالرصد دون الانتقال إلى خطوات ضغط واضحة يحول المجلس إلى منصة مراقبة شكلية، ويقوض مفهوم الردع الذي يفترض أن يشكل جوهر وجوده.
تؤكد المعطيات الميدانية، وفق قراءات سياسية متداولة، تسجيل مئات الحوادث منذ الإعلان عن التهدئة، تنوعت بين عمليات قصف وإطلاق نار وهدم ممتلكات.
ويعتبر ماهر أن هذا النمط المتكرر يعكس أزمة التزام حقيقية، ويطرح تساؤلات حول جدوى الاستمرار في إطار تهدئة تفتقر إلى أدوات إنفاذ.
يربط الباحث في العلاقات الدولية بين الصمت الدولي الحالي وبين تراجع الثقة الشعبية في أي مسار سياسي قادم.
ويوضح أن المجتمعات المتأثرة بالنزاع تقيم الاتفاقات من خلال نتائجها الملموسة، وعندما تستمر الخسائر البشرية في ظل ما يوصف بمرحلة تهدئة، تتآكل القناعة بإمكانية تحقيق استقرار فعلي.
ينبه ماهر إلى أن “القانون الدولي الإنساني وضع قواعد واضحة لحماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة، ويشدد على أن أي إطار سياسي يغض الطرف عن انتهاك هذه القواعد يفقد شرعيته الأخلاقية قبل القانونية. ويضيف أن الصمت في مثل هذه السياقات يرقى إلى مستوى التقاعس، وهو ما يضع الهيئات المعنية أمام مسؤوليات مباشرة”.
تتزامن هذه القراءة مع مواقف صدرت عن دول إقليمية عبرت عن قلقها من مسار الأحداث، محذرة من أن استمرار الانتهاكات يهدد أي فرصة للانتقال إلى مراحل التعافي وإعادة الإعمار.
ويعتبر ماهر أن هذه المواقف تعكس إدراكاً متزايداً بأن الأمن يشكل المدخل الأساسي لأي مسار اقتصادي أو إنساني مستقبلي.
يرى الخبير السياسي أن ربط التهدئة بمشاريع إعادة الإعمار دون ضمان بيئة آمنة يمثل مقاربة غير واقعية.
ويشرح أن التجارب السابقة أظهرت أن غياب الاستقرار يؤدي إلى تعطيل التمويل وتأجيل المشاريع، ما يفاقم الأوضاع المعيشية ويغذي دوائر التوتر.
يناقش ماهر دور الأطراف الدولية الفاعلة، معتبراً أن مسؤوليتها تتجاوز إصدار البيانات إلى استخدام أدوات الضغط الدبلوماسي والسياسي المتاحة.
ويشير إلى أن مجلس السلام يمتلك، من حيث المبدأ، القدرة على رفع تقارير مؤثرة إلى جهات دولية أعلى، غير أن تفعيل هذه الصلاحيات ظل محدوداً حتى الآن.
يحذر الباحث من أن استمرار الوضع الراهن قد يؤدي إلى إعادة تعريف وظيفة مجلس السلام في الوعي العام، من هيئة ضامنة إلى طرف غير قادر على التأثير.
ويؤكد أن هذا التحول يحمل مخاطر بعيدة المدى، تتجاوز الحالة الفلسطينية إلى مجمل منظومة إدارة النزاعات في المنطقة.
تلفت التحليلات السياسية إلى أن التهدئة الحالية تشكل اختباراً حقيقياً لفكرة الضمانات متعددة الأطراف. ويقول ماهر إن نجاح هذه الفكرة يرتبط بوجود إرادة سياسية موحدة قادرة على فرض الالتزام، معتبراً أن التباينات الدولية الحالية تعيق الوصول إلى هذا الهدف.
يتطرق الخبير الأردني إلى البعد الإقليمي، موضحاً أن استمرار الانتهاكات ينعكس على استقرار الجوار، ويزيد من حساسية الملفات الأمنية المرتبطة بالحدود والطاقة والملاحة. ويضيف أن أي تصعيد غير مضبوط يحمل تداعيات تتجاوز الجغرافيا الفلسطينية.
يؤكد ماهر أن معالجة الأزمة تتطلب إعادة تقييم شاملة لآليات عمل مجلس السلام، تشمل تحديد جداول زمنية واضحة للتحرك وربطها بمؤشرات أداء قابلة للقياس. ويرى أن الشفافية في الإعلان عن النتائج تشكل عاملاً مهماً في استعادة الثقة.
يشدد الخبير السياسي على أن الصمت في السياسة يحمل دلالات تتجاوز غياب الصوت، وغالباً ما يفسر على أنه قبول بالأمر الواقع. ويضيف أن هذا الانطباع يشجع على تكرار الانتهاكات ويضعف فرص العودة إلى مسار تفاوضي جاد.
تخلص قراءة ماهر إلى أن مستقبل التهدئة في غزة مرهون بقدرة الفاعلين الدوليين على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها.
ويؤكد أن أي مسار يتجاهل حجم الانتهاكات القائمة يفتح الباب أمام فشل مبكر، ويقوض فكرة السلام التي يفترض أن تقوم على الحماية والالتزام والمساءلة.