خبراء لـ«القدس العربي»: أزمة تواصل وسياسات عمومية متعثرة

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: في تحليله لأسباب وتداعيات احتجاجات الشباب المغربي المنتمي لحركة «زِد»، يرى الأستاذ الجامعي عبد الله أبو عوض أن هناك مجموعة من الأسباب التي دفعت إلى الاحتجاج، خاصة لدى هذا الجيل الذي يأتي بعد جيل الألفية وقبل جيل ألفا. وأوضح في حديثه لـ«القدس العربي» أن هذه الأسباب يمكن تقسيمها إلى سببين رئيسيين: تفاعلي ومعيشي.
فالسبب الأول، التفاعلي، يرتبط بالبعد السياسي في تقييم الاحتجاج، بحكم أن الأحزاب المتحالفة في تشكيل الحكومة الحالية، وقبل الانتخابات التشريعية السابقة، ركزت في خطابها التسويقي على ثلاثة مرتكزات أساسية تمس المواطن مباشرة، وهي: الصحة، التعليم، والتشغيل. غير أن هذا السقف، الذي يشبه «مثلث برمودا» إن صح التعبير في مجال الإصلاحات، لم تتمكن الحكومة، حتى مع بعض المكتسبات العملية، من بلوغ مستوى الوعود التي قطعتها.
أما العامل الآخر، فيتمثل ـ حسب أبو عوض ـ في الغياب والضعف التواصلي للحكومة، وعدم امتلاكها برامج تواصلية مبسطة توضح عملها سواء عبر القنوات الرسمية أو منصات التواصل الاجتماعي. ويقول: «هذه حكومة ميتة تواصلياً، فالكلمة نور كما قيل، وفي الوقت نفسه بعض الكلمات قبور».
وبالنسبة للسبب المعيشي، يرى الباحث أنه يتجلى في ارتفاع الأسعار التي أثقلت كاهل الأسر متوسطة الدخل، فما بالك بمنعدمي الدخل، «خاصة مع تعليق الأمر على شماعة الوسطاء وتجار الذمم، وكأن الحكومة لا تتحمل أي دور في محاربة ذلك».

الوعي السياسي

ولإرضاء «جيل زد»، يشدد أبو عوض على ضرورة إشراكه في الوعي السياسي، وفتح مجالات رسمية في القنوات الإعلامية لمناقشة مشاكله والتعبير عن تطلعاته، عوض تركه رهين العالم الافتراضي الذي يهيمن عليه بعض المؤثرين الذين امتهنوا الكلام كمصدر عيش، وهو خطاب يلامس اهتماماته، لكنه يختزل مشاكله كلها في أن سبب فساد الحياة هو الحكومة.
ويضيف أن الأحزاب السياسية تتحمل بدورها المسؤولية كاملة عمّا آل إليه الوضع، «لأن بعض الأمناء العامين ما زالوا يركبون على معاناة الشباب حتى في مآسيهم، علماً أن منهم من جلس على كراسي الوزارات قبل أن تظهر مواقع التواصل الاجتماعي نفسها». ويسترسل قائلاً: «شيوخ الأحزاب استنفدوا طاقات الشباب واستغلوها داخل أحزابهم، وهو ما نراه واقعاً اليوم حيث يحتكرون مواقع القرار منذ عقود. حتى إن الشباب سئم من هذه الوجوه المتكلسة في السياسة، التي علمتهم أن السياسة مجرد استعمال لكل الوسائل غير النزيهة لبلوغ الهدف، ما أفرغها من معناها التنافسي الشريف». وبشأن العنف وأعمال التخريب، هل هي بدافع الرعونة أم نتيجة أيادٍ خفية، يجيب أبو عوض: «الأمران معاً. فهناك فئة انتهزت الفرصة لتفريغ ما بداخلها من غضب على وضعها الاجتماعي وارتفاع المعيشة وغياب فرص العمل، ويمكن اعتبار تصرفاتها رعونة وخروجاً عن التعقل. بينما فئة أخرى كانت مدفوعة بخطاب بعض منعدمي المواطنة، ومدعومة من أشباه مثقفين نالوا نصيبهم من الدنيا، لكنهم يفترشون المقاهي للدعوة إلى الحرية والديمقراطية والحق في التعبير، في حين أنهم جزء من الانتكاسة الحقيقية للدولة سواء من خلال وظائفهم أو إنتاجهم. وهناك أيضاً عوالم خارجية تتغلغل في شبكات جيل زد، خاصة من طرف هاكرز الجيش الجزائري الذين يخترقون فضاء التواصل ليؤججوا اندفاعية الشباب وينقلوها من الافتراضي إلى الواقعي».

ضعف التأطير

يوسف بوستة، عضو حزب «فدرالية اليسار الديمقراطي» المعارض، ذهب إلى اعتبار «ضعف تأطير الشباب من طرف الأحزاب»، سؤالا عريضا «يكشف عن واقع الديمقراطية في المغرب وهيمنة الدولة على كل مناحي الحياة العامة والتحكم في كل المفاصل والتفاصيل».
وفي رأيه، هناك «تضييق على الأحزاب وتغييب للمنظمات الشبابية، والتوجه نحو مصادرة حقوق الطلبة في التنظيم والمشاركة في التسيير والتدبير، ومصادرة الحق في الإضراب، وانتهاك الحق في التعليم والصحة والشغل، وتغوّل الفساد». وبالنسبة إليه، فإن «كل هذه العوامل تشكّل دوافع لخروج الشباب للاحتجاج والمطالبة بالحق في الصحة والتعليم ومناهضة الفساد».

أزمة ثقة

من زاوية أخرى، اعتبر السياسي والباحث عبد الحكيم قرمان في تصريح لـ «القدس العربي»، أن ما يحدث «ليس مجرد ردة فعل ظرفية، بل حصيلة تراكمات اجتماعية واقتصادية طويلة». وأوضح أن «الشباب يعيش ضغطاً متزايداً من البطالة، ارتفاع تكاليف المعيشة، غياب العدالة في توزيع الثروة، والتفاوت الطبقي والمجالي». لهذا فإن «الاحتجاجات تعبّر أولاً عن أزمة ثقة عميقة في جدوى السياسات العمومية وفي قدرة المؤسسات على الاستجابة».
ويضيف أن المغرب يعيش منذ سنوات على نموذج اقتصادي «ريعي ونيوليبرالي» فشل في تحقيق التنمية المتوازنة. «لقد صار المطلوب إصلاحات جذرية تضع العدالة الاجتماعية والكرامة في صلب السياسات العمومية»، يقول قرمان، مشيراً إلى أن استمرار الوضع على ما هو عليه يهدد بترسيخ هوة خطيرة بين الدولة وجيلها الصاعد.
ولم يعف قرمان بدوره الأحزاب من المسؤولية، فـ»باستثناء مبادرات محدودة، لم تقم بدورها التاريخي في تأطير وتأهيل الشباب كقوة اقتراحية». وشرح أن الأحزاب اختزلت نشاطها في الحملات الانتخابية، بينما تخلّت عن التكوين السياسي والتأطير المستمر، ما جعل الشباب يشعرون بالاغتراب السياسي ويبحثون عن بدائل خارج المؤسسات، وفي مقدمتها الشارع.
ولتجاوز هذا الوضع، شدد الأكاديمي على ضرورة إعادة بناء العمل الحزبي «على أسس ديمقراطية فعلية، تتيح إشراك الأجيال الصاعدة في القرار، وربط السياسة بالفعل الملموس في الميدان». وضرب مثالاً بتجارب بلدان أخرى نجحت في تجديد نخبها السياسية عبر تشجيع قيادات شابة، مبرزاً أن المغرب «لن يتمكن من استعادة ثقة شبابه إلا بفتح المجال أمامهم ليكونوا شركاء حقيقيين لا مجرد ناخبين موسميين».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية