التعريف السطحي للمجاعة، الذي يحصرها في النقص الحاد في الغذاء، يجعلنا لا نفكر إلا في توصيل كميات كافية من الأغذية للمنطقة المنكوبة لإنقاذ الأرواح. علم الجيوبوليتيك، الذي يمزج بين السياسة والجغرافيا، يخبرنا في المقابل، أن وراء كل مجاعة قصة وصراع وديناميكيات محلية وإقليمية تتسبب في شح أو انعدام الغذاء.
في السودان تستخدم قوات الجنرال المتمرد محمد حمدان دقلو «حميدتي» التجويع كسلاح، فمنذ بداية سيطرتها على العاصمة، ومحاولة بسط نفوذها على مناطق وسط السودان كانت تتعمد قطع سلاسل التوريد وتدمير المنتجات الغذائية والمزارع، وذلك في سبيل إخضاع السكان، أو جعل حياتهم صعبة، ما يجبرهم على المغادرة والنزوح.
سلاح التجويع، الذي يظهر اليوم بشكل واضح في مدينة الفاشر المحاصرة في غرب السودان، يستخدم للإجبار على الاستسلام، أو للقضاء على أكبر عدد ممكن من السكان. هذا التكنيك ليس جديداً، وإنما تم تنفيذه عبر التاريخ لتحقيق أهداف من بينها، إضعاف أقليات معينة أو جماعات منافسة، أو حتى القضاء عليها بشكل تام. مثل أي حرب أخرى، كان لحرب السودان تأثير على الاقتصاد، وعلى الأمن الغذائي خاصة، حيث أدت لتعطل إنتاج الأغذية ولفشل المواسم الزراعية في مناطق واسعة لأسباب كثيرة من أهمها، بجانب تعمد المهاجمين إفساد المزارع وسرقة المعدات، النزوح الجماعي للمزارعين خوفاً على حياتهم. من جانب آخر فإن حالة الهشاشة الأمنية، التي استمرت لوقت طويل، كانت تتسبب في تعقيد مهمة الجهات الراغبة في استعادة التعافي. المجاعة قد تعني أيضاً أن المتاح من الغذاء هو بثمن باهظ، لدرجة أن القليل جداً من الناس يستطيعون الحصول عليه.
في إيرلندا، التي حدثت فيها مجاعة قاسية في منتصف القرن التاسع عشر، يقول المؤرخون، إن الإيرلنديين الموجودين اليوم، ليسوا في أغلبهم أحفاد أولئك الذين عانوا من المجاعة، بل هم أحفاد العائلات، التي استطاعت الصمود بسبب أنهم كانوا يمتلكون الموارد الكافية، التي تجعلهم يحصلون على الغذاء بطريقة ما. المجاعة تكون أقسى على الفقراء، وعلى أولئك الذين كانوا بائسين في الأصل. هذا ما تخبرنا به قصص مختلفة، بما فيها قصة مدينة الفاشر، ففي تلك المدينة، وعلى الرغم من المأساة، فإن ثمة طعاما يتسرب. وهناك جهات وأفراد، من بينهم تابعون لحميدتي، يقومون بالتهريب المربح، الذي يجعلهم يبيعون السلع بأضعاف أسعارها.
علم الجيوبوليتيك، الذي يمزج بين السياسة والجغرافيا، يخبرنا، أن وراء كل مجاعة قصة وصراع وديناميكيات محلية وإقليمية تتسبب في شح أو انعدام الغذاء
في الفاشر يمنع المحاصِرون الطعام من الوصول، بسبب تمركز أعداد من العسكريين داخل المدينة. وفق وجهة نظر الميليشيا المقاتلة، فإن السماح بتدفق الغذاء لا يعني فقط مساعدة المدنيين، لكنه يعني أيضاً تقوية أولئك العسكريين، بما يجعلهم أقدر على صد أو تنفيذ الهجمات، ولذلك فإن الحل هو المنع الشامل، واعتبار أي نشاط لإدخال الغذاء بمثابة الجريمة.
يذكّر هذا بالمنطق الإسرائيلي، الذي اتبع سياسة تجويع مماثلة في قطاع غزة بذريعة خوضه حرباً ضد حركة المقاومة. اعتبر الاحتلال أن هذه هي الوسيلة الوحيدة لإخضاع المقاومين وإجبارهم على الاستسلام. بالعودة إلى المقاربة الإيرلندية فإن السؤال، الذي يقفز إلى الذهن هنا هو: كيف حدثت مجاعة كبرى في إيرلندا في وقت صعود بريطانيا العظمى؟ هذا السؤال مهم، لأن إجابته يمكن أن تشرح كيف أن معنى المجاعة يتجاوز مجرد المعنى المباشر لانعدام الغذاء، لظروف سياسية واقتصادية واجتماعية أوسع. من أجل الإجابة يجب أن نتذكر أن إيرلندا كانت جزيرة كاثوليكية في مقابل بريطانيا البروتستانتية. قد لا يعني هذا شيئاً اليوم، لكنه كان يعني الكثير قبل قرنين من الزمان. الإيرلنديون بعد الاستحواذ البريطاني كانوا يعيشون على أرضهم كمواطنين من الدرجة الثانية، فيما كان إقطاعيون بروتستانت يمتلكون الأرض والبشر، ويجبرون المواطنين على العمل فيها بشكل قاسٍ وبأجر زهيد. الأمر لم ينته هنا، حيث كان يتوجب على هذه الأرض أن ترسل إنتاجها إلى بريطانيا، فتزدهر الأخيرة، فيما يعيش أغلب الإيرلنديين في حالة فقر وعوز تشهد عليه البيوت، التي يطلق عليها بيوت الطبقة الرابعة، التي تصنع من مواد بسيطة تجعلها أقرب لحظيرة حيوان.
بريطانيا لم تسلب الإيرلنديين مواردهم فقط، بعد أن استحوذت على أرضهم، بل كادت أن تسلبهم لغتهم وثقافتهم، التي كانت فريدة من نوعها وغنية في فلكلورها وآدابها المحكية. المجاعة، التي ضربت بالدرجة الأولى، الطبقات الأفقر، التي كانت ما تزال تستخدم اللغة الإيرلندية وتحتفظ بالتراث المحلي، خلقت نوعاً من الانقطاع بين إيرلندا القديمة، وإيرلندا ما بعد المجاعة.
السبب المباشر للمجاعة الإيرلندية كان اعتماد السكان على البطاطس كغذاء رئيس، فلما فسد ذلك المحصول خلال مجموعة من المواسم ابتداءً من العام 1845 بسبب آفة زراعية، تعرض معظم الإيرلنديين لأزمة كانت الأقسى في تاريخهم الحديث. بريطانيا الرسمية كانت ترى آنذاك أنه يجب عدم التدخل، وأنه يجب اتباع نظرية الاقتصادي آدم سميث، الذي كان يقول، إنه ليس من واجب الحكومات أن تتدخل إزاء أي أزمة، وأن السوق والموارد سوف تنظم نفسها بشكل أفضل على طريقة البقاء للأقوى. الحكومات ليس من واجبها أن تتحول لمنظمات خيرية. هذا المنطق كان يعني أنه إن أرادت بريطانيا أن تقدم بعض المساعدات، فإن ذلك يجب أن يكون بمقابل، أي أن يعمل أولئك البؤساء نظير تلقيهم هذه المواد.
الساسة ورجال المال البريطانيون، الذي كانوا يرون أن إيرلندا تحوي الكثير من السكان الفائضين عن الحاجة، لم يكونوا يرون في ذلك أي نوع من الاستغلال، بل بدا لهم الأمر كحل يعود بالفائدة على الطرفين، حتى لو كان العمل المطلوب شاقاً بشكل مبالغ فيه مقابل عائد قليل. تم تنفيذ مشاريع كثيرة بواسطة الأجساد المنهكة، كان منها مشاريع بلا أهمية وكأنها خلقت من أجل تشغيل الناس واستهلاك ما تبقى من طاقتهم، في حين كانت القوات الأمنية ترعى ذلك كله وتحرص على قمع أي تمرد. المشاهد، التي تم توثيقها عن تلك الأحداث مؤلمة، الدفن في مقابر جماعية لكثرة القتلى والجثث المنتشرة في كل مكان وأفراد العائلة، الذين يبدؤون بالتساقط، من دون أن يستطيع أحد فعل شيء وغير ذلك، مما تبقت آثاره حتى الآن.
مأساة إيرلندا كانت نموذجاً مبكراً لتطبيق النيوليبرالية الاقتصادية، هذه السياسة المجحفة، التي تمتزج بقدر كبير من العنصرية، والتي سيجري تطبيقها على عدد من الدول خلال القرن العشرين. في إيرلندا أُريد استغلال هذه النظرية للتخلص من أكبر عدد من الإيرلنديين المزعجين، الذين مات كثير منهم بالفعل، ليس فقط بسبب الجوع، ولكن بسبب انتشار العنف والقتل اليائس.
في الفاشر، التي تدمرت بشكل تام وتحولت أغلب مبانيها لأنقاض، يكتفي الأمين العام للأمم المتحدة وغيره من قادة العالم، حينما يتطرقون للوضع، بمناشدة «الأطراف» بأن تفك عنها الحصار وأن تسمح بإيصال المساعدات. يبدو الأمر اليوم وكأن العالم في انتظار أن تحل الأزمة نفسها. هذا الحل المنتظر قد يأتي، إما بسقوط المدينة بشكل تام في يد حميدتي، ما يجعله غير مجبر على متابعة التجويع، بعد أن تقوم قواته بـ»تحييد» كل من يتم تصنيفه كعدو، أو أن يستطيع الجيش أن يصلها بعد أن يحرر الطريق الغربي، بما يسمح بانتقال الناس وإدخال الغذاء.
كاتب سوداني