«جسر عبدون» رواية الكاتب الأردني قاسم توفيق: حكايات البشر خلف طقوس عمّان المدينة

سارة سليم 
حجم الخط
0

إن قراءة رواية «جسر عبدون» للروائي الأردني ذي الأصل الفلسطيني قاسم توفيق تضعك أمام تساؤل أمبرتو إيكو: «كيف يستطيع نص ما أن يضع أمام أعيننا شيئا نصبح قادرين على رؤيته؟» ففي هذه الرواية نكتشف المدن ونطلع على أسرارها من خلال شخوصها، الذين يحمل كل واحد منهم حكايته الخاصة. ولكن الملفت في «جسر عبدون» هو حضور المدينة، إذ نصطدم أثناء الاندماج في القراءة بمدينة «الدفة» المتخيلة، التي نعتقد لوهلة أنها موجودة، لنكتشف لاحقا أنها أدرجت مع أسماء بعض المدن الموجودة فعلاً. فمثلما للواقع مدنه وتفاصيل حياتها، للروايات أيضا مدنها، التي لا تقل أهمية من حيث حضورها الأدبي عن تلك التي نعرف، إذ تقول الرواية إن: «الدفّة المكتظّة بالأسواق التجاريَّة والبنوك والمطاعم ومحلات الملابس العالميَّة ومكاتب الطيران قطعة من الأرض لا تغيب عنها الشمس، فهي مُضاءة ومكتظّة بالبشر والحركة أربعا وعشرين ساعة في اليوم، ومن الصعب أن يُتخيَّل أنّ في هذه المدينة المتلألئة منطقة تجول في أرجائها الفئران بحريَّة وتحدٍّ للقطط التي لا تجرؤ على مواجهتها، بل تفرّ عندما تراها، وتهرب مفزوعة وصوت موائها».
ومن خلال هذه الفقرة يمكن أن نستشف أيضا أن استحضار «الدفة» روائياً ليس فقط للحديث عنها كمدينة تعيش أعلى درجات التطور، بل إن فكرته من وجهة نظري تتجاوز ذلك، ليقول إن مجدها بُني بسواعد من يسكن أحياءها العشوائية، إذ لا يمكن الإيمان المطلق بفكرة الوطن الذي يتساوى فيه الجميع، بل إن الجزم بذلك ضرب من الجنون. وهذا ما يوضحه في هذه الفقرة التي يقول فيها إن «الضاحية التي تحتاج إلى الكثير من الخدم لتحافظ على جمالها وألقها، لا بدّ لها من وجود مُستوعَب يحتويهم، ومكان قريب يستريحون فيه، ويلتقطون أنفاسهم كي يظلوا قادرين على الخدمة من غير الطبيعي أن يُلقَى بهم في بركسات متنقلة في الصحراء».
يدرك الكاتب تماماً لماذا أراد الخوض في هذه المعادلة التي تبدو للبعض غريبة بعض الشيء، فهو لم يتناول فكرة المدينة من وجهة نظر عامة أي واحدة متطورة والأخرى فقيرة، بل نظر إلى الفرد القابع فيها، ذلك الفرد الذي يصارع آناء الليل و أطراف النهار من أجل  تحصيل أبسط حاجياته اليومية، لكنه في المقابل ساهم في جعلها  مدنا مشتهاة، فالفكرة التي تخطر على بالنا من أول وهلة حيالها أنها  توفر كل وسائل الرفاهية، ولا أحد فيها يعاني، لكن في حقيقة الأمر أن الجهد الكبير الذي يصنع بهاءها وراءه عمال يأخذون مبالغ  زهيدة لا توفر لبعضهم حياة كريمة. ولربما اختلق هذه المدينة ولم يأت على ذكر اسم مدينة حقيقية، كي لا ينصبَّ اهتمام القارئ المحمل بأفكار مسبقة على مدينة بعينها، بل أراد لفكرته أن تكون أكثر اتساعا، ففي كل مكان هناك أشخاص هامشيون يحركون الأشياء بصمت، ويرحلون بالصمت ذاته، في حين نستدل دائما على أبناء الضجيج الذين نقابلهم حيثما ولّينا وجوهنا.
إن ‘الدفة» من وجهة نظري تجسيد لفكرة أن لا شيء مثاليا بالمطلق، إذ اشتغل قاسم توفيق على هذا، بأسلوب مختلف بعيدا عن الإتيان بالواقع كما نراه وليس كما يمكن أن نراه، وهذا هو الفرق، أن تأتي بالواقع كما هو، وأن تبحث فيه كما لا يمكن أن ينظر إليه عامة الناس، ليس الأمر سيان. لذا في رأيي وُجد الأدب الذي يتجاوز الحكايات العادية ليطرح التساؤلات، لكن في المقابل حين أتى الكاتب على ذكر المدن الموجودة خارج الأدب، كان وفيا لما يمكن أن تخفيه تلك المدن، والقصد من هذا الدمج كما ذكرت سابقا وفاء لواقع مدن نعرف عنها ما نعرف، وفي الوقت ذاته البحث في أسباب نجاح مدن بعينها، لحكمة وحده الأدب يمكن أن يجيب عنها.
إذ يتحدث في الرواية عن عمّان ومشاكل الفرد الأردني التي يشترك فيها مع الكثير بقوله: «كلّ ما في الأمر أنّ الجلسات التي كانت تجمعهم ليست عبثا ولا ترفا، وإن كانت طقوسها تحكي أنها كذلك، فقد كانت في حقيقتها مساحة الحرية الضيقة التي يترقبّونها كلّ أسبوع للراحة والتنفيس عن قهرهم من فوضى العيش الذي صار علامة بارزة في عمّان، المدينة التي لم تعد تبيت ليلة دون أن تحمل في داخلها أخبارًا وأحداثًا مؤلمة».
أمر آخر يمكن أن يتوقف عنده القارئ، وهو فقدان الواحد منّا لبيته، خاصة عندما يُبعَد عنه مرغما، وقد ضرب مثالا عن ذلك ببلاد الشام، وأعتقد أن الحديث عما حدث لهم يتجاوز فكرة المقال هذه، نظرا لما يشكله مجرد التفكير في ذلك من ألم. يقول الراوي: «فكـر أن أبشع شيء يصيب البشر هو أن يجبروا على ترك بيوتهم، العبارة التي صارت معتادة في بلاد الشام، ولازمة تنتشر وتتوسّع دون انقطاع منذ سبعين سنة.»
في عبارة أخرى متحدثا بشيء من العمق عن رغبة الإنسان في أن يجعل غيره كما يرغب، في حين أنه شخصيا ليس بالصورة التي يطمح لأن يراها في غيره، إذ يقول: «يريدني أن أعيش فيها كما يحب، دون أن يعرف كيف يحب». ولعل هذه الفكرة توضح مدى انشغال الإنسان بغيره وهوسه في أن يصبح الجميع كما يريد دون أن يحاول النظر إلى ذاته قليلا، الذات التي يراها أبعد من أن يطالها النقد، يقول: «من الأشياء التي تؤجـل فـكـرة المـوت أو الجنـون عند البشر أن الناس يعيشون داخل قوقعة صلبة عصية على التكسّر، يسمونها الذات، كل واحد يرى أنه الأحسن والأنبل والأشجع والأوعى، وينتظر أن تلـوح الفرصة المناسبة له لإثبات ذلك. لا يشك أحد من الناس في هذه الحقيقـة طـوال حياته، وإن أثبتت تجاربه وهزائمه التي لا تنتهي أنه غير ذلك».
وكتأويل لرمزية العنوان التي تذهب إلى «جسر عبدون» في العاصمة الأردنية عمان، والذي يشهد الكثير من حالات الانتحار، لكن المقصود به من وجهة نظري هو تعامل الإنسان مع ما يزعجه وكيفية تخلصه منه، فالرواية تناولت شخصية رائف الذي تخلص من أوراق الرواية من أعلى الجسر، في حين اعتقد كل من رآه أنه يحاول الانتحار، هنا فكرة الجسر كوسيلة للخلاص. في حين تحدث عمن يؤمن بنظرية المؤامرة بعيدا عن البحث في أسباب حدوث الأشياء، تقول الرواية: «سيئو الظن يفترضون أن كل فساد على الأرض يخفي وراءه مؤامرة».
لقاسم توفيق تصوره الخاص عن العزلة، فهو يرى أن «كلّ من اختاروا العزلة لم يكونوا وحيدين بل كانوا متّحدين مع النجوم والكواكب والحيوانات والطيور والحشرات والنباتات، حتى إنّ اعتزال الفلاسفة والمفكرين ليس حقيقة، فلا بدّ أنهم كانوا مع عشرات بل مئات الكتب.»
أعتقد كرأي خاص أن قوة الأدب الحقيقية في حياتنا ليست المتعة وحسب، وإنما أيضا النظر إلى الأشياء التي نصادفها في الواقع ولا نلقي لها بالا بنظرة واقعية، ففي الحياة نعيش على الأحلام كأن نتمنى وفقط، دون نحاول الخروج من سقف الأماني، لكن في الأدب نرى الأشياء على حقيقتها، خاصة إذا أجاد الكاتب توصيف الواقع الذي لا يلحظه أغلبنا.
وهذا ما نلمسه في رواية «جسر عبدون» التي يدعو فيها الكاتب إلى التحلي بالوعي الإنساني الذي يجعلنا نلمس الأعذار لغيرنا، يقول تودوروف: «ما تعطيه الرواية لنا ليس معرفة جديدة، ولكن قدرة جديدة على التواصل مع كائنات مختلفة عنا، وبهذا المعنى فهي تشارك في الأخلاق أكثر من مشاركتها في العلم. والأفق الأقصى لهذه الحقيقة ليس الحقيقة، ولكنه الحب، أي الشكل الأعلى للعلاقة الإنسانية.»
قاسم توفيق: «جسر عبدون»
الآن ناشرون وموزعون، عمّان
352 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية