«جبل الجليد» مجموعة القاصة الأردنية أماني سليمان داود: تفتيت الأحادية السردية وتعدد الموقعية

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في مجموعتها القصصية «جبل الجليد» تقدم الكاتبة الأردنية أماني سليمان داود إضافة فنية على نحو كبير من الأهمية إلى إسهامها في كتابة القصة القصيرة، في هذه الإضافة زحزحة ما عن ارتباط كتابتها بالعجائبي، وإن ظلّ حاضرا في بعض القصص يطلّ برأسه، وكأنه وجود يحاول هدهدة سطوة الواقع التي تظهر بشكل لافت في القصص الأخيرة من هذه المجموعة. فالكتابة عن العالم المتبقي بعد العدوان الهمجي الأخير على غزة – وإن كانت مشفوعة بتصوير الأثر النفسي والإنساني بشكل متواز مع الخراب المادي والعمراني- تحتلّ مساحة ليست بسيطة.
تتورّط القصص بالماضي، فمعظمها عن شخصيات مكبلة به، ولديها هواجس مرضية، تجعل الأبطال أو الشخصيات قريبين من العصاب الذهني، وانفتاح الذاكرة والتحامها بالهواجس يفتح مسارب أخرى للحكايات ونسخا وإمكانيات سردية لمقاربة العالم، وتحوّل الذاكرة إلى قيد ربما يجعل الشخصيات في مساحة من الثبات لا تقدر على الحركة. الأبطال في قصص المجموعة لا يقاربون الحياة بذهن صاف متعلّق باللحظة الآنية، لكن معظم الأبطال يعاينون الحياة بانقسام أشبه بالانقسام المرضي إلى ذاتين، ترصد كلّ واحدة منهما الأخرى، وتكشف عنها وعن غرابتها.
البطل السارد أو المسرود عنه في كثير من قصص المجموعة يتموضع داخل مركز وجودي فيه مساحات من الخلخلة أو الزلزلة، أو هو – بشكل قد يكون أكثر صحة – متغير في مركزه، فهو يُقدم لنا في ظلّ تلبسه بالاختلاف والمغايرة في اللحظة الواحدة، لأن الأبطال موزعون بين الماضي والحاضر، ويعانون من التفتيت والهشاشة في مواجهة الآني. في قصص المجموعة لا يقارب الراوي عوالم البطل في لحظة محو، أو في ظلّ مركزية آنية ثابتة، فالانفتاح الدائم للذاكرة يقلل من هذه المركزية الثابتة، ويجعلها هشّة، بل ومتداخلة مع مركزيات سابقة بسياقاتها وعوالمها النفسية وتشكلاتها التي يمكن أن تكون متجاوبة أو متباينة. ففي مقاربة الأبطال لعوالمهم هناك وجود حاضر، لكنه يتخلى عن وجوده وفاعليته لصالح وجود غير ملحوظ، وغير حاضر واقعيا، فيشعر القارئ غالبا بمساحات من الالتباس، لولا فروقات الكتابة والتشكيل، فثقافة الشخصيات وتجاربها تظلّ حاضرة وفاعلة.
في نصوص القصص يجد القارئ نفسه أمام فاعلية جديدة لازدواجية السرد من خلال حضور الغياب والتكلّم في آن، أو حضور صوتي الراوي والبطل، وكأن هناك صراعا بين منطق الغياب أو الراوي العليم الذي يشير إلى القوة التي تضغط الجميع داخل أنماط أو سياقات عامة، ومنطق التكلّم أو الحركة الذاتية المناوئة، وكأنه يمثل وسيلة من وسائل المقاومة أو إثبات الوجود، وإحداث الأثر في الحياة.
نجد الأبطال في القصص – تبعا لذلك – أشبه بالنماذج أو الأنماط، فهي في حضورها غالبا بلا أسماء، وهذا يحررها من شبهة التحديد، لتصير أنماطا قابلة للوجود والتكرار في كل زمن، فكل شخصية أو نموذج لا يشير إلى ذاته فقط، بل يشير إلى كثيرين مشابهين ينضوون في إطاره. فالشخصية النموذج تكتسب طبيعة أيقونية، تشكّل شرائح تضمّ كثيرين يتشابهون أو يتماهون داخل حدود دائرة تتشكّل من ملامح عامة تسيّج الجميع بالصفات والتفكير والتوجّه.

تعدد المركز والموقعية السردية

التوجّه نحو مقاربة المآلات الحزينة والهواجس، والتوجّه نحو الماضي يتجليان في قصص كثيرة من قصص المجموعة، مما يكشف عن كونهما منطلقين أساسيين من منطلقات هذه المجموعة، يتحدان على معاينة الحياة، وإخفاقات الأبطال أو البشر الذين يقتربون من الوصول إلى مساحة المرض النفسي، إن لم يكونوا قد وصلوا بالفعل إلى حدود هذه المساحة. فالوقوف عند الأماكن في النصوص السردية، وحضور القبور، وعيادات الطب النفسي التي يتكرر حضورها كثيرا في النصوص بشكل لافت، وأسماء الأدوية، كلها أشياء تنبّه القارئ أنه أمام سردية خاصة، يمكن أن نسميها سردية المرض المفتوحة على تعدد المركزية الكاشفة عن الصور العديدة للبطل، أو الحكايات العديدة المتخيلة عنهم المرتبطة بالتوهمات.
في قصّة (الابن الذي زرع أباه ورشّه بالماء) هناك بطل أو ابن لم يذكر اسمه طوال صفحات القصة، يعالج نفسيا، وبسبب ذلك تحدث له توهمات مفارقة للواقع، وسرديات جزئية غير حقيقية متخيلة عن الأب والأم. فهذا الابن يدرك في بعض اللحظات أن الشخص الميت المسجّى أبوه، وفي لحظات أخرى يسأل عن ماهية هذا الشخص الميت. وهذا كله لا يوجّه فقط نحو اختلاف الموقعية وتهشم المركزية في سرديات المرض النفسي، لكنه- فوق ذلك- يوجه نحو تأويل جديد للأب.
بعد قراءة القصة يجد القارئ في مواجهة صورة جديدة للفقد أو الموت، صورة تتعلّق بالوطن، الوطن المتخيل الذي ينمو في الذاكرة، بالرغم من أن أسباب وجوده تتداعى. ربما يفسّر هذا التأويل الفارق بين المتخيل النموذجي للوطن الممتد من الأجداد إلى الابن، والواقع الفعلي الذي يتماس مع حالة الابن المرضية التي تحتاج إلى إفاقة وتوبيخ من الأم الوطن. هذا النص القصصي- على بساطته- يغوص في تكوينات جنينية لصيقة دائما بالفرد، أو تكوينية مرتبط بالهوية، سواء تعلّق الأمر بالتمسك بالتراث، أو بالأطعمة ونسقها والاستعداد والتجهيز لها في حالي الفرح والترح. هي أقرب إلى سمفونية حزينة للفقد المتكرر في قول النص: (نطبخ المنسف يوم الترح كما يوم الفرح! وكذلك نوزّع الحلوى يوم الترح كما يوم الفرح).
تكشف قصة (قناع) عن شخصية البطل/ المرأة المملوءة بالهواجس، وهي امرأة تقيم بمفردها بعد وفاة ابنها الطفل بسقوطه من يد زوجها فاقد الوعي دائما بسبب الشرب والسكر الذي سُجن بعد لك، وبعد تعافيها من المرض النفسي. الطرق على الباب بشكل متواصل يمثل المثير الأساسي للحركة، فبتفتت السرد إلى مركزين، مركز يرتبط بحركة آنية بها الكثير من البطء، ومركز يتحد بالماضي وحادثة موت الطفل وما يتجاوب معها من أحداث، وكلاهما بالرغم من الانفصال متعلّق بالآخر.
ففي المسافة أو الحركة البطيئة لفتح الباب، يتشكّل السرد من خلال الارتجاعات السردية المرتبطة بتحديد هوية الطارق، واشتغال هواجسها بكونه زوجها السجين. ومن خلال هذا الهاجس تستعيد الحادثة القديمة، والحوارات المصاحبة بين المرأة والرجل، لتتكشّف لنا الحكاية في جزئيات مقطوعة من سياقها ناتئة، لكن هذه الحوارات تصنع- بالرغم من الجزئية- إطارا من التراكم به الكثير من الغبشة التي تتساوق مع طبيعة القصة القصيرة واحتياجها الدائم إلى الانتباه الشديد في تلقيها وتلقّي عوالمها.
ارتباط الكتابة بتعدد المراكز السردية من خلال الآليات المعهودة، سيّج الكتابة السردية في هذه المجموعة بنوع من الغموض، فهي كتابة لا تتوجّه نحو الكشف، بل نحو التغريب الشفيف، وهو ليس تغريبا أو غموضا معتما، بل غموض يوحي ولا يكشف، مملوء بشفافية رشيقة تؤسس لرؤية ما، لكن دون قصدية كشف بشكل كامل، فليس هناك في كل قصص المجموعة وصول ما لدلالة خطية نهائية. ويمكن أن نلمح هذا الغموض الشفيف في قصص كثيرة مثل «أجساد وريش»، و«زرقة شفيفة»، و«طابق آيل للسقوط».
تقترح هذه الجموعة آلية سردية بها الكثير من الجدّة، تتخلص بها القصص من أحادية السرد الخطي، ومن سطوة المراقبة من الراوي العليم، حيث تتفتت قدرته بفعل التشويه الذي يمارس من قسيم آخر في النص. فالشخصية أو البطل تسيّج نفسها في إطار مباين سرديا وبنائيا، وفي خطاب مواز لخطاب السارد العليم، من خلال وجود صوت البطل المتكلم، وكأنه يقدم خطابا تقويميا أو تصحيحيا لخطاب الراوي العليم، ويشكك في وجهة نظره وتحبيكه للقصة.
الرواي في تحبيكه لأية شخصية أو لسلوكها، يعتمد على المتخيل أو على المتوقّع أو على الفرضية، ولكن الشخصية تعتمد على المقاربة الواقعية لحظة الفعل أو الممارسة الحياتية أو الوجود الفعلي. فالنزاع بينهما يقوم على هذه الثنائية المقاربة والتخيّل من جانب، والتجذّر داخل معايشة الحدث من جانب آخر. في ظلّ هذا التوزّع والصراع، ندرك أننا أمام روايتين للقصة، وبشكل قد يكون أكثر دقّة أمام تحبيكين، نسخة المتكلم/ البطلة تأتي لتشويه سرد الراوي. وخطاب الشخصية لا يشكل خطابا مكتملا أو نسخة مغايرة، بقدر ما يحاول أن يبذر الشكّ في خطاب الراوي، واقتراح خطاب خاص أو تحبيك جديد خاص بالشخصية.
في قصة «رجل الملاريا» نلمح تعاظما على نمطية الكتابة القصصية، فتطل فكرة الانقسام الناتجة عن المرض النفسي الذي يلمح إليه النص إلماحات رهيفة واضحة، لعقد نوع من التوازي بين السارد والبطل، بل ولإضافة نوع من الوعي والتماهي بينهما. في هذا النص يطلّ التوزّع الصوتي بين الراصد والمرصود، من خلال الغياب والتكلّم حاضرا، حيث يأتي التكلّم في لحظة الوعي والصحة، ويتجلّى الغياب في لحظة وحال المرض لإحداث تفتيت للأحادية السردية.
يؤسس النص نوعا من التباين الذي يفضي في النهاية إلى مساحة من التطابق، وهي آلية في الكتابة الفنية بشكل عام، وفي السردية بشكل خاص، آلية للكشف، ولقراءة الذات قراءة فاحصة دون تحيّز، فيها الكثير من الاعتراف بالخلل. الراوي الذي لم يُذكر اسمه، والبطل الذي أطلق عليه رجل الملاريا، لنحافته، يشكلان من خلال توزايات عديدة في سياقي المراقبة والإفصاح المباشر عن وجود غير خطي للذات وللسرد القصصي. وجود فيه الكثير من الانحناءات والفقدان وخيبة الانتظار.
في قصّة «خلل ما» تتفتت الأحادية السردية النامية من خلال صورة الأب التي تخايل الراوي العليم، وهذه الصورة التي تتجلّى له في أشكال ومواقف وأطر مختلفة، لا تحضر للنص السردي بشكل ساكن، بل تحضر غالبا في إطار من المقارنة والتباين بين الماضي والآني، وتطل فاعلة في تصوير سمات شخص أو بطل أو سارد، لا يزال محمّلا- تحت تأثير هذه الاسترجاعات أو هذا الحضور- بأفق قديم، يكشف عن ثبات القضايا المعلّقة، واختلاف البشر عما قبل.
والقصة في رصدها للقضايا الشائكة والثابتة بين زمني الماضي والحاضر، لا تختار أسلوب الصراخ أو البوق السياسي، فالكتابة في هذه المجموعة في تناولها لكل ما هو سياسي تلحّ على النفس الإنساني، فالصورة المفجعة الكاشفة عن تباين الماضي والحاضر لا تُعرض على نحو مباشر، ولكن من خلال أثرها الإنساني، يكفي أن نشير إلى أن الأب المتجذّر في سياق زمني سابق ارتاح بموته من رؤية صور الموت الكاشفة عن العربدة والإجرام.
تشدّ القصّة الطوق أو الدائرة على الآني، وتجعله – من خلال الارتدادات داخل الزمن السردي المحدود – منغمسا في سياق حركة وزلزلة سردية قائمة على التباين بين الماضي والحاضر. فالقصة- بالرغم من كونها تضعنا داخل سياق حضاري آني من خلال الإشارات الخافتة- تحافظ على الحضور الإنساني للشخصية الرئيسة، والمحيطين بها، سواء أكانوا يتشكّلون في لحظة آنية أم يرتبطون بالماضي، ولكن لبعض هذه الشخصيات حضور مؤثر في حركة السرد، وفي زلزلة الموقع السردي، ومن ثم في التوجيه نحو اختيارات خاصة ترتبط بالمثالية الماضية بعيدا عن تفسخات الآني.
في كسر الأحادية السردية في نصوص المجموعة هناك آليات أخرى تعمد إلى تغييب الراوي بشكل كلي، منها الاستناد إلى آلية تقترب من المسرح، فيتجلّى النص وكأنه عرض يغيب في سياق بنائه الوجود الفعلي للراوي، خاصة في نصوص تعتمد على تقنية الترسل، مثل «أول الحياة..آخر الموت»، أو القصص التي تعتمد على تقنية العرض السينمائي مثل قصّة «زووم إن» لعرض حدة السياسي بشكل موضوعي دون حضور للراوي ووجهة نظره. وكل هذه الآليات التي تتأسس ضد الواحدية تتماس مع بعض التصديرات، ومع بعض الجزئيات الموجودة في القفلة والهامش في نهاية المجموعة، لأن معظمها يلحّ على فكرة التعدد وكسر الثبات والأحادية.

أماني سليمان داود:
«جبل الجليد»
المؤسسة العربية، بيروت 2025
138 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية