ثمن الاستقرار

حجم الخط
0

لا يمكن لأي غريب مهما كان علمه، أو سلطانه أن يعرف أهل البيت أكثر من معرفتهم لأنفسهم، لأن الوطن ليس مكانا نولد فيه فقط، بل أحلام وعادات وتقاليد عشناها، وذكريات محفورة بأذهاننا حملناها، وتاريخ معيش ومقروء قاسيناه، وعندما يتنازع أبناؤه يبقى الحل مهما طال الانتظار بأيديهم وحدهم.
أدانت الكثير من الدول، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، أعمال العنف والانتهاكات الصارخة للقانون الدولي الإنساني في السودان، مرحِّبةً بالمبادرة الرباعية الرامية إلى إنهاء الصراع، التي تدعو إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تمهّد لعملية انتقالية تمتد لتسعة أشهر، تُفضي إلى تشكيل حكومة مدنية مستقلة.
كما شدّد الاتحاد الأوروبي على وحدة السودان وسلامة أراضيه، مؤكّدا شرعية الحكومة المدنية في الخرطوم، ورافضا أي محاولات لإنشاء سلطات، أو هياكل سياسية موازية للحكومة، في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
لكن، على الرغم من نُبل أهداف الرباعية الدولية، فإنها تواجه تحدياتٍ عديدة تقف عائقا أمام نجاحها، إذ إن تباين أولويات أعضائها، ولاسيما مع وجود دولة الإمارات العربية المتحدة ضمنها، أثار تحفظات بعض الأطراف، التي ترى أنها طرفٌ ساهم في تأجيج نيران الحرب منذ بداياتها. في المقابل، انتقدت أطرافٌ أخرى الدورَ الأمريكي، معتبرةً أنه لا يعترف بالسلطة الشرعية، ويسعى إلى فرض سردية تخدم مصالحه الخاصة.. إضافة إلى ذلك ما تواجهه الرباعية من صعوبات في وضع آليات تنفيذ واضحة وملزمة لوقف النزاع، وإعادة هيكلة القوات المسلحة. وفي السياق ذاته، انقسمت مواقف القوى السياسية السودانية، إزاء خريطة الطريق التي طرحتها الرباعية؛ فرأى فيها البعض فرصةً جديدةً لحلّ الأزمة، في حين وصفها آخرون بأنها شكلٌ من أشكال الوصاية، بينما وضعت الحكومة شروطًا محددة لقبولها. ولا يخفى على أحد أن استمرار النزاع المسلح لا يهدد أمن السودان فحسب، بل يمتد خطره إلى استقرار القرن الافريقي، وأمن البحر الأحمر. لكن يظلّ سؤالٌ يشغل بالي وفكري ولا يهدأ، هو: لماذا يُفترض أن يأتي الحل من الخارج؟ ولماذا يعجز السودانيون أنفسهم عن التوصّل إلى تسويةٍ عادلة توقف نزيف الدم؟ هل لأننا أمام حالةٍ عميقة من انعدام الثقة بين أطراف الصراع، تحوّلت بفعل التجارب الفاشلة السابقة، واتساع الفجوة بين الرؤى والأهداف، إلى بنيةٍ متجذّرة من الشكوك والتخوين؟ فقوات الدعم السريع تنظر إلى القوات المسلحة باعتبارها طرفا يسعى إلى إقصائها بالكامل، وإعادة إنتاج النظام القديم، فيما تتعامل القوات المسلحة، مع أي هدنة على أنها فرصة محتملة لخصمها لإعادة التموضع، وتراه تهديدا مباشرا لكيان الدولة ووحدتها وسيادتها. وقد طوّر الطرفان، على أساس هذه الرؤى، خطاباتٍ عدائية متبادلة، جعلت الالتزام بوقف إطلاق النار ضعيفا، وقلّصت فرص بناء أرضيةٍ مشتركة للتفاهم؟
أم لأن جذور الأزمة تكمن في عمق الانقسامات الأيديولوجية داخل مكوّنات المعارضة نفسها؟ إذ ترفض بعض القوى اليسارية بشدّة بيان الرباعية، معتبرةً أنه يعزز لدور قوى مدنية بعينها، مما يعيد إنتاج اختلالات سابقة؟ أم يعزى ذلك إلى أن ملف العدالة يظلّ العقدة الأكثر تعقيدا، لاسيما لدى المواطنين السودانيين الذين عانوا من انتهاكات قوات الدعم السريع، طويلا، ويرون أن تحقيق السلام لا يمكن أن يتمّ إلا بالقضاء على هذه الميليشيات، وهو ما يجعل مسار المصالحة أكثر تعقيدا وصعوبة؟ أم هل السبب، أن الحرب نفسها أفرزت شبكةً واسعة من الامتيازات الاقتصادية، استفادت منها مجموعات من الأفراد والشركات، عبر الذهب، والجبايات المحلية، والتهريب بمختلف أنواعه وأشكاله، لتنشأ بذلك اقتصادياتٌ موازية لا تخضع لرقابة الدولة. هذه البيئة خلقت كياناتٍ جديدة بات من مصلحتها استمرار الحرب، لا إنهاؤها، وتعمل على إضعاف أي محاولة للسلام.. لذلك، جاء قرار البنك المركزي السوداني، في وقته المناسب، المتعلّق بشراء الذهب وتصديره بوصفه محاولةً رسمية لإعادة ضبط واحدة من أهم القنوات التي تُغذّي اقتصاد الحرب.
وفي الختام، تبرز أهمية انعقاد مؤتمر القوى السياسية والمدنية السودانية الثاني في القاهرة، بوصفه فرصةً لتوحيد المواقف، وتقديم بديلٍ سياسيٍّ قوي في مواجهة عسكرة المشهد. ويُعزّز هذا المؤتمر شرعية أي اتفاقٍ دوليٍّ مقبل، شريطة أن يترافق مع ضغطٍ إقليميٍّ ودوليٍّ فعّال، وآليات تنفيذ وتحقيق ومحاسبة شفافة لتقييم المسارات والالتزام بها. إن التدابير السريعة والملموسة من شأنها أن تُسهم في إعادة بناء الثقة، وتحويل المبادرة من مجرد بيان إلى مسار عملي، مدعوم بتصميمٍ مؤسسيٍّ داخلي يعيد الاعتبار للعملية السياسية. وقد تقود هذه الخطوات مجتمعةً إلى مسارٍ عادل نحو تسويةٍ شاملة، لكن على الرغم من أن الطريق لا يزال طويلًا، فإن كل خطوةٍ صغيرة تُتَّخذ في الاتجاه الصحيح تُمثّل بحد ذاتها نجاحا في سبيل وحدة السودان وسلامة أراضيه. والحق الكامل في الحياة بحرية وكرامة لمواطنيه.

كاتبة مصرية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية