توقعات الخطاب من وجهة نظر إدراكية

أقدّم اليوم للقارئ الحلقة الثانية والأخيرة من المحاضرة التي عرضت جزءها الأوّل في المقالة السابقة. للتذكير فإنّ موضوعها هو تصوّر العرفانيّين للخطاب؛ وكنّا اشتغلنا على قطعة من محاورة بين صحافي يسأل الرئيس الموزمبيقي السابق موغابي: سيدي الرئيس متى ستقولون الوداع لشعب الزمبابوي؟ فيجيبه موغابي: إلى أين هم ذاهبون؟
حين يتبادل متحاوران الحديث، فإنّ ما يطلب من المستمع حين يكون له هذا الدور ليس أن يفهم ويفكّ شيفرة الكلام فهذا دوره الطبيعي، ولكن أن يتوقّع ما يمكن أن يقوله له المتكلم. ولو عدنا إلى محاورة موغابي مع الصحافي فإنّه من الممكن أن يقول مجيبا مثلا: «من عجب الدنيا أن يقول لي صحافي مثلك: تنحّǃ» أو «ليس الوداع من شأنك»، أو «الوداع من شيم الأبطال»، أو غير ذلك من الأقوال التي تسير وفق توقّع مطابق لما ينتظره السائل، لكنّ موغابي كسر أفق هذا الانتظار من غير أن يخرج عن الإطار العام للوداع.
كلما تقدّم الخطاب تطوّر بناء المعنى، وتوظف إدراكيا جملة من العمليات التصورية المتشابكة تعتمد الوحدات اللغوية أو ما سمّاه لانغاكار أعلاه «الأحداث الاستعمالية»، وتترابط في ما بينها؛ وكلما ترابطت أرسلت إلى المستمع توقّعات تجعله يتنبّأ بالسيرورة التي يجري وفقها الخطاب الراهن، وما يمكن أن يكون عليه في مقطع لاحق من مقاطع الخطاب وكيف تطوّر كل حدث استعمالي لاحق بالنسبة إلى حدث استعمالي سابق. بذلك يمكن القول في هذا الإطار، إنّ الوحدات اللغوية وبقطع النظر عن فرادتها وتركيبها، لا يقتصر دورها على إرشادنا إلى المعنى، بل هي توجّهنا إلى أن نوظف معارفنا الموسوعية الماقبلية، في إنتاج توقعات حول ما سيكون عليه الخطاب لاحقا. والكلمات والمركبات والجمل ليست صناديق مغلقة على دلالات جاهزة؛ بل هي على العكس من ذلك مثيرات، أو إشارات تدفع أذهاننا إلى استدعاء عمليات ذهنية معرفية موسوعية واسعة لبناء المعنى.
تشير توقعات الخطاب إلى السياق الخطابي والمعرفة المألوفة التي تُشكّل كيفيّة تفسيرنا للغة وإنتاجها. والبنى اللغوية تتضمن توقعاتٍ خطابية، وتُفهم بوصفها تعليمات لتعديل الحالة الخطابية الراهنة، بناءً على سياقٍ مُفترض. وكلّما مضى المتحاوران في الكلام وُجدت أبنية تصوريّة، وعدّلت أخرى وتوقع المستمع أشياء حادثة يكون لها دور في دمج المعلومات الجديدة وفهمها. في هذه المحاورة نحن داخل إطار السياسة ومغادرتها؛ نحن إزاء منوالين ذهنيين مختلفين الأوّل، منوال الصحافي الذي ينطلق من نموذج سياسي ديمقراطي، يكون فيه الحكم لأجل معلوم، ويخضع للتداول السلمي للسلطة ويكون فيه الوداع السياسي باعتباره استعارة لذلك الانتقال. وللمحاوَر منوال ذهني مختلف هو منوال الحاكم الأبديّ الذي لا رحيل في سلطته ولا مغادرة له، عندئذ لا تكون استعارة الرحيل بناء للكون يعنيه هو، بل قد يعني الشعب. فطرح السؤال من ميدان عرفاني واعتماد الاستعارة لبنائه كان بناء على جملة من التوقعات المناسبة للميادين الإدراكية التي طرحها السائل، من بينها أنّ رحلة الحاكم قريبة أو بعيدة، أو مستحيلة، لكنّ موغابي عكس التوقع وغارب بالاستعارة وتحدّث عمّا لا يمكن توقعه: رحيل الشعب.
إن تناولنا حدثا استعماليا بعينه فإنّه سيكون بؤرة الكلام أو الخطاب الراهن؛ فالسؤال حين طرحه الصحافي كان خطابا راهنا أو خطابا بؤريّا أو خطابا صفرا، لأنّه سُبق بأسئلة أو بأجوبة، فالسؤال بالنظر إلى سابقه يمثل استباقا لما كان ويمثل السؤال السابق استرجاعا، وحين أجاب موغابي فإنّ جوابه كان هو الخطاب الراهن، أو الخطاب البؤري، أو الحدث التسلسلي الصفر. وهكذا فإنّه وعلى حدّ عبارة لانغاكار يكون عنصر لغوي معيّن، استرجاعياً، من حيث إنّه يقدّم تحديدا يتعلق بالخطاب السابق، وقد يكون استشرافياً أيضاً، من خلال استدعائه للخطاب اللاحق. إنّ حجم هذه الأُطُر الخطابيّة وطبيعتَها يعتمدان على مستوى التنظيم اللغوي، الذي ندرسه وبُعده. فهناك علاقات ترابط في الخطاب، من الأكثر محليةً إلى الأكثر شمولًا، ونحن ننتبه إليها جميعا، بدرجات مختلفة، في الوقت نفسه عندما ننخرط في خطاب متماسك. فعلى سبيل المثال فإنّنا لا ننتبه إلى عبارة (سيدي الرئيس)، إلاّ إذا كنّا لا نعلم أنّ المحاور رئيس، على الرغم من أنّ التنظيم اللغوي يقتضي أن يبدأ المحاور بهذه التسمية قبل السؤال؛ وهو تنظيم من مقتضيات التنظيم العلاقي بين السائل والمجيب. فالفضاء الأوّل ولنسمّه فضاء النداء ليس مهمّا لذاته، ولكنّه جُعل للتمهيد أو للتهيئة أو لتعيين المسؤول ثمّ ننتقل بعده إلى الفضاء الأساسي، أو الصفر الذي هو متن السؤال: متى ستقولون الوداع لشعب زمبابوي؟ بدأ الخطاب مجرّدا حين نطق اسم الاستفهام (متى)، الذي وإن كان مخصوصا بالسؤال عن الوقت فإنّه يظلّ عامّا، لأنّنا لا نعرف عن أيّ زمن سيسأل، لقد أدخل السؤال (متى) الخطاب إلى فضاء زماني، بدا شيئا فشيئا أنّه استباقي لأنّه يتحدّث عن شيء سيقع، الأداة (س) تفيده ولكن المحمول الدلالي (الوداع ) يجنّبه، أي يجعله واقعا في ميدان الرحيل، لكنّ هذا الاستباق يظلّ حدثا منْويِّا وليس حدثا استعماليّا منجزا.
يمكن للعنصر البنيوي الواحد أن يحمل توقعات خطابية على عدة مستويات. فعبارة «سترحلون» تخلق توقّعا بوجود حالة سابقة هي حالة المكوث المطوّل، وبوجود حالة لاحقة ربما لم تكن في خلد المحاوَر: هي أنّ المكوث تعقبه رحلة، بالإضافة إلى عناصر سياقية خطابية تفترضها الكلمات في الخطاب وكل عبارة هنا لا تبني كونا، بل هي إلى ذلك تبني إطارا بنيويا، أو إنشائيا تتشارك فيه العناصر اللغوية ويستدعي بعضها بعضا، باعتبارها عناصر تبني القيمة اللغوية التي تقتضيها الأفضية في الخطاب. تقتضي البنية الرمزية التي في السؤال (متى ستقولون الوداع) جوابا من نوع: سنقول الوداع في كذا زمن.. بناء على أنّ الخطاب الدائري الذي يقتضيه (سؤال – جواب متى – الزمان كذا) هو بناء ذو دائرة متوقعة لا تخرج عن التأطير الذي يحدّده لها السؤال، فإنّ الجواب قد كسر هذا التوقع بأن كان ببنية أخرى استفهامية هي إلى أين؟ هناك بدائل محتملة استدعت فضاء ذهنيا افتراضيا جديدا، لم يكن محتملا في السؤال، لكنه كان محتملا على كلّ حال.
كل توقّع يبنى على معرفة مشتركة تسمح بالاستنتاج والاستشراف، فالتوقعات الخطابية التي بناها الصحافي مبنية على خبرة سياسية مشتركة بأنّ الحاكم يغادر السلطة في لحظة ما، وأنّ مسألة المغادرة: مغادرتهم هي ممّا يقبل التفكير فيه. وهذه المعارف المشتركة تمثلت في التجربة اللغوية المألوفة في لفظ «الوداع» يُستخدم مجازا للدلالة على ترك المنصب. لكنّ جواب موغابي اعتمد على استراتيجية خطابية تقوم على قطع الجسر المشترك بينه وبين الصحافي.
يذهب بعض الدارسين إلى أنّ التوقعات الخطابية نوعان: توقعات أفقية وأخرى عمودية، أمّا التوقعات الأفقية تتعلق بما سبق في الخطاب أو بما سيأتي لاحقا. وهو ما ينتظره المتلقي عادة بعد سؤال كسؤال الصحافي، بأن يجد إجابة مرتبطة بظرف زماني من نوع «عندما يحين الوقت». لكنّ موغابي خرق هذه التوقعات الأفقية بجواب لا يشكّل استكمالا طبيعيا للسؤال، وهنا يفشل التوقع الأفقي بشكل مراوغ. وأما التوقعات العموديّة فترتبط بالعلاقة بين السياسي/الصحافي، وطبيعة المعنى المنتظر في هذا الموقف. نحن لا نتوقع فقط ما يُقال، بل ما يجب أن يُقال حسب الدور الاجتماعي ـ السياسي لكل طرف. نحن إزاء سياق مساءلة سياسية حول زمن انتهاء العهدة، لكنّ موغابي يرفض هذا التموقع المفترض، ويفرض علاقة جديدة بأن يقدّم معنى حرفيا ساخرا لا يتلاءم مع السياق الاجتماعي ـ السياسي. يقطع موغابي الأفق التتابعي للخطاب، فيمنع السؤال من الوصول إلى نتيجته المتوقعة ويمنع الخطاب من الانخراط في نسق حجاجي، أو تبريري إنّه يكسر التوقعات الخطابية الأفقية والعمودية من أجل أن يفتك من السؤال سلطته الدافعة للجواب، ويبني جوابه على سؤال من صنع بنات أفكاره، ولكنّه يتقيد بسؤال الصحافي ولا يلغيه.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية