تمثّل الأنواع الأدبية ونظرية ما بعد الاستعمار

عادل ضرغام
حجم الخط
0

نظرية أدب ما بعد الاستعمار نظرية أدبية تهتم بالخطاب المضاد، الذي ينطلق في الأساس من فكرة سقوط النظام التأسيسي للحداثة، المؤسس على قيمة الرجل الأوروبي وتفوقه وتعاليه، وظهور الآخر المغاير المهمش بوصفه عنصرا فاعلا له قدرة على التأثير وتشكيل سياقه الحضاري، وله القدرة على إدارة شؤون نفسه والمحافظة على خصوصيته وحضوره اللافت في الثقافة والمعرفة والسياسة والاقتصاد.
وتتشكل حدود (أدب ما بعد الاستعمار) في إطارين مهمين؛ أولهما مقاومة الهيمنة، فلحظة ما بعد الاستعمار – كما تقول ليلى غاندي – هي لحظة الاحتقار المشحون  ببلاغة الاستقلال وغبطة تحرير الذات، يتمثل الإطار الآخر في نقض خطابات الهيمنة التي استند إليها الاستعمار في تسويغ وتبرير وجوده، فكتّاب ما بعد الاستعمار- يتوجهون موضوعيا وشكليا – للقضاء على الخطابات التي كانت مساعدة للاستعمار مثل أساطير القوة، وتصنيفات الأجناس والأعراق القائمة على التبعية في إطار المركز والأطراف، فكتابة ما بعد الاستعمار تأثرت بشكل عميق بتجارب التعدد الثقافي في ظل الإمبراطورية.
فالفترة الزمنية التي يمكن أن نطلق عليها فترة ما بعد الاستعمار تأتي كاشفة عن بعض الممارسات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية المرتبطة بالمقاومة، في أماكن كثيرة من العالم، وفي إطار ذلك يمكن فهم قلق بعض المحللين والدارسين تجاه المصطلح ومشروعية استمراره بانتهاء الظرف التاريخي، فهم يرون أن المصطلح طبق بوصفه منطلقا لنظرية  لمقاربة الآداب في لحظات تاريخية محددة، ومناطق جغرافية متباعدة، وهويات ثقافية ومعضلات سياسية وممارسات قرائية متباينة، أي يرتبط بلحظات إبداعية مشدودة لسياقها وحدودها الزمنية.
ومن ثم فأدب ما بعد الاستعمار مهموم بتحليل الأشكال الثقافية التي تعكس العلاقات بين المهيمن والمهمش، في التوجهات الثقافية والسياسية والعرقية والقومية. وقد دفع ذلك التوجه ليلى غاندي أن تقول (إن نظرية ما بعد الاستعمار والنسوية على حد سواء، بدأت كل واحدة منهما بمحاولة قلب النظام الهرمي للجنس والثقافة والعرق، ورحبت كل واحدة منهما ترحيبا تدريجيا بدعوة ما بعد البنيوية في رفض الثنائية المتعارضة والقائمة على البناء الهرمي، والسلطة الاستعمارية المتشكلة في بنيته).

إدوارد سعيد والخطاب المضاد

قبل الحديث عن دور إدوارد سعيد المؤسس لنظرية أدب ما بعد الاستعمار، يجب أن نشير إلى مجهودات فرانز فانون في كتابه «معذبو الأرض»، وقد جاء هذا الكتاب معبّرا عن نشوة البلدان التي نالت استقلالها، كاشفا عن العمليات المعقدة المرتبطة بالتحول من المكفول إلى الكفيل، مشيرا إلى المعضلة الحقيقة التي قابلت البلدان التي نالت استقلالها، وأصبح مطلوبا منها أن تدير أمورها بنفسها، ومن ثم جاء الكتاب مشدودا إلى النشوة المشوبة بالعجز والخوف والإحساس بالقيد.
لقد أعطى الفكر الخاص لما بعد البنيوية دفعة قوية لدراسات ما بعد الاستعمار من خلال النقد الواضح والفاعل للحضارة الغربية. يعتبر مشروع إدوارد سعيد حجر الزاوية في تأسيس ملامح نظرية أدب ما بعد الاستعمار، وذلك من خلال كتابه «الاستشراق»، واستناده إلى (خطاب المستعمِر)، للإشارة إلى المعرفة الخاصة بأفريقيا التي شكلت من خلال الغرب لدعم الاهتمامات الاستعمارية، ومن منطلقاته الأساسية التقسيم بين الغرب والآخرين. في كتاب «الاستشراق»، تابع إدوارد سعيد أفكار فوكو في شيئين مهمين، الأول منهما يتمثل في سؤاله عن مفهوم السلطة أو القوة وكيفية اشتغالها، ففوكو يرفض مفهوم السلطة القائمة على فكرة القمع البسيط، بل بوصفها شيئا يتسرب أسفل الكيانات الكبرى. والشيء الثاني يتمثل في القاعدة أو الحجة التي ترى بأن الخطابات وسيط يُبنى بالقوة أو السلطة، ومن خلال ممارستها تشكل موضوعات المعرفة، وقد أشار فوكو في (النظام والعقاب) إلى إن الخطاب لا ينتج الواقع فقط، بل ينتج الهيمنة الموضوعية وطقوس الحقيقة. ويعلل إدوارد سعيد نشأة بعض العلوم وطبيعة تشكلها في إطار هذا الفهم، فحين يتوقف عند الإنثروبولوجيا يشير إلى إنها نشأت وتشكلت تاريخيا خلال الفترة التي شهدت المواجهة الإثنوجرافية بين المراقب الأوروبي المهيمن والساكن الأصلي غير الأوروبي ذي المنزلة الأدنى. وقد تعرض مشروع إدوارد سعيد وكتابه في إطار هذا المنحى لهجوم حاد من بعض المنظرين والباحثين، مستندين في ذلك إلى بعض الجزئيات، يتمثل في كونه لم يفرق تفريقا واضحا بين استشراق القرن التاسع عشر لدى فرنسا وبريطانيا، والمقابل لهما في القرن الأمريكي الأخير أو الاستشراق، فكل هذه الأشكال وغيرها يتعامل معها على إنها وحدة واحدة.
هناك إشارة أخرى في نقد مشروع إدوارد سعيد تتمثل – كما يشير الكثير من الدارسين – في معالجته البلاغية، وتعامله مع أشياء بديهية، تم الاشتغال عليها كثيرا من قبل علماء التاريخ، بالإضافة إلى عدم القدرة على فهم التاريخ وحركيته، وخاصة التاريخ الإمبراطوري، وعدم معرفته الكافية بنقاد التوجه اليساري.
أفادت الناقدة الأمريكية ذات الأصول الهندية غايتري سبيفاك من إسهامات إدوارد سعيد، ويعتبر إسهامها في مجال نظرية ما بعد الاستعمار من الأعمال المبدعة، وذلك من خلال تحليلها الدقيق للأشكال الثقافية المراوغة. واهتمام سبيفاك الأساسي موزع إلى مجالين (أدب ما بعد الاستعمار)، و(النقد النسوي)، وهما مجالان متصلان اتصالا قويا؛ لأنها ركزت على دراسة (التابع) المقموع، وخلّصت مفاهيم إدوارد سعيد من المسّ السياسي البلاغي، وجعلت دراساتها مشدودة إلى كل تابع في تجلياته العديدة من اجتماعي أو ثقافي أو جنسي، ففي «ثلاثة نصوص للمرأة ونقض الإمبريالية» تركز سبيفاك على الشخصيات الهامشية، والحبكة الجانبية، التي تتجلى بوصفها موضوعات هامشية لاستخراج الطبيعة العنصرية غير الواعية للأطر المفاهيمية التي تعمل في نصوص المرأة في القرن التاسع عشر.
تشكل في إطار أدب ما بعد الاستعمار مفهوم الآخر، وأصبح جزئية مركزية، فقد أشار إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» (إلى أن الشرق واحد من أهم وأعمق صور الآخر المتكررة بالنسبة للأوروبي). وهذا جعل نظرية ما بعد الاستعمار مرتبطة، ولا يمكن فصلها عن النقاش المهم بين السياسيين والمثقفين في العالم الثالث في الفترة من 1960 إلى 1970، ومن خلال تحديدات مصطلحي (القومية) و(الماركسية) بوصفهما نموذجين للانعتاق السياسي.

الرد بالكتابة وتمثل الشكل

أي بلد في مرحلة ما بعد الاستعمار (أي حقق الاستقلال التام)، يظل – أيضا- متجذرا ومرتبكا في إطار الاستعمارية الجديدة، أي في إطار بقائه في ظل المستعمِر اقتصاديا وثقافيا. فأثر المستعمر يمكن أن يظل موجودا، بعد أن ينال المستعمَر استقلاله. فقد حاولت الإمبراطورية البريطانية والدول الأوروبية أن تضع حاجزا بين فريقين، كما أشار فرانز فانون في كتابه «الجلد الأسود والأقنعة البيضاء»، فقد أوضح أن الاستعمار بمفاهيمه الواضحة بعلو شأن وقيمة الجنس الأبيض على البشر والأعراق غير البيضاء، خلق شعورا بالتقسيم والعزل في الهوية الذاتية للمستعمَرين غير البيض، فالتاريخ والثقافة واللغة والعادات الخاصة بالمستعمِر أصبحت في فترة الاستعمار عالمية ومتفوقة بالنسبة للثقافة الأصلية للمستعمَر.
وتجاوب مع هذا التوجه في تشييد (الأعلى) و (الأدنى) -أو بشكل قد يكون أكثر صحة – شارك في عملية التشييد هذه وجود سياق أدبي يسهم في تجذير هذه الثنائية. ففي «روبنسون كروزو» يقفز ديفو داخل عالم المجاهل الخاصة بأفريقيا والأفريقيين، حيث تصور طبيعة القارة بوصفها مأهولة بآكلي لحوم البشر والوثنيين، ولغتهم المحلية ليست إلا نوعا من الرطانة. فالسرود أو القصص أصبحت الوسيلة أو الأداة التي تستخدمها الإمبراطورية العظمى لتأكيد هيمنتها، واستمرار تلك الهيمنة، ومن ثم جاءت بعض الروايات كاشفة عن هذا التوجه، فقد سوّغت مشروعية الاستعمار، وجعلتها ضرورية في ظل سياقها الحضاري، فإذا كانت هذه الشعوب بدون حضارة أو ثقافة أو لغة، فهي – بالضرورة – غير قادرة على تملك الأرض، وغير قادرة على تمثيل نفسها.
وفي الأدب العربي يمكن أن نرى أثرا للرد بالكتابة في أنواع أدبية عديدة. وفي رواية أهداف سويف «خارطة الحب» هناك توجه نحو نفي ارتباط القيم بعرق أو جنس، ففي ظلّ منطق الرواية لا ترتبط القيم بالانكليز، بل موجودة ومتأصلة في المصريين في الآن ذاته، بشكل يجاوز وجودها لدى الآخر، وكأنها تهشم وتزحزح الأفكار المؤسسة والمشكلة لطبيعة النمط، وللتمثيل الجاهز. ولكن أهمية هذه النظرية لا ترتبط بالرد المباشر كما رأينا في الأعمال الأدبية الكاشفة عن هذا التوجه، سواء لدى كوتزي أو أتشيبي أو أهداف سويف، ولكن أهميتها تكمن في الرد على المدى البعيد في تمثل الأنواع الأدبية التي نقلها الكتّاب مستلبين ومتأثرين ببنية جاهزة، هذه البنية التي تخضع وتحتمي بثقافة الآخر، وتتشابه مع تكوينه وطبقاته الاجتماعية، ومعارفه وبنيته الثقافية.
وقد بدأ الكتاب والروائيون في تمثلهم للنوع يفكرون تفكيرا له مشروعية في قيمة الشكل الأدبي المستورد من الغرب، وراحوا يقيسون مساحة استلابهم في إطار استخدامهم لهذا الشكل، ومن ثم بدأت الإضافات والتحويرات على الأشكال الفنية المأخوذة من الغرب، فأصبح في أدبنا العربي بعض المحاولات لتعريب الشكل الروائي، ولهذا السبب وجدنا روايات عديدة في منجز محفوظ تحاول التخلص من هذا الاستلاب تجاه الشكل، مثل «رحلة ابن فطومة»، أو «ألف ليلة وليلة»، و«الحرافيش»، حيث يعتمد في هذه الروايات وغيرها على بنية تراثية  تبعده عن الانخراط داخل حدود الشكل الأدبي المستورد.
ويمكن تطبيق التوجه ذاته على مساحات تمثّل قصيدة النثر، فليس هناك من يشكّ أن عقودا طويلة مرّت مع مجلة «شعر» اللبنانية وشعرائها، وهم يشكّلون قصائدهم انطلاقا من سطوة النمط الفرنسي والسير على أساليبه، وعلى تحديدات سوزان برنار، ولكن استلاب شعراء مجلة «شعر» تجاه الشكل الأوروبي لم يستمرّ لفترة طويلة، وإنما أصبح هؤلاء الشعراء – وشعراء آخرون من أجيال لاحقة – معنيين بمراجعة هذا الشكل، ومدى مشروعية استبداله، أو تثويره بملامح وأنماط بنائية لا ترتبط بقصيدة النثر الغربية عامة أو الفرنسية خاصة. ولهذا تطلّ قصيدة النثر العربية في اللحظات التالية مزدانة بنمط غنائي خاص لا تفلته الأذن، ومشدودة إلى أشكال بنائية، لا تقيم وزنا في تطور أشكالها وبنياتها للتحديدات الغربية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية