الجزائر ـ «القدس العربي»: في شباط/فبراير الماضي، زار خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري، حاضرة تلمسان العريقة في أقصى شمال الغرب الجزائري، وتوقف عند ضريح الشيخ أبي مدين الغوث وصلّى بمسجده، مستذكرا فضل هذا الرجل العظيم ونصرته للقدس وأهلها في أيام الصليبيين، ليُحيل بمرارة إلى واقع فلسطين اليوم التي تصرخ فلا مغيث وتظلم فما من مستنصر.
لقد كانت الإشارة إلى أبي مدين شعيب المعروف بالغوث، في هذه الأيام العصيبة بأرض الرباط، على قدر من الأهمية، كونها تحيي جذوة الارتباط بين الحواضر الكبرى والمراكز الإسلامية المقدسة على مر العصور، وتقدم نموذجا عما كان عليه واجب النصرة والعون ورفض الظلم والاحتلال، وهي قيم جسدتها على مر العصور مدينة تلمسان التي كانت ملجأ للوافدين من الأندلس ومنهم أبو مدين نفسه، ومصدا لحملات الغزاة على الساحل الجزائري؛ وفي القرن الأخير مركزا لمقاومة الاستعمار الفرنسي للجزائر، فقد كان لها شرف إنجاب صاحب مشروع الاستقلال ليس فقط في الجزائر بل في كامل المغرب العربي في بدايات القرن العشرين، الزعيم مصالي الحاج.
ولأبي مدين في قلوب التلمسانيين مكانة خاصة، فهم يتغنون به بأغنية شهيرة “سيدي بومدين” ذات موسيقى ساحرة تردد في الأفراح والأعياد والمناسبات على لسان مطربين كبار من أبناء المدينة مثل نوري كوفي. وفي جنوب غرب المدينة، في حي العباد الشهير، ترتفع زاوية الشيخ التي تعد من أهم المزارات الصوفية في بلاد المغرب العربي، وهي تضم ضريحه ومسجده ومدرسته، محاطا بها مقابر لعدد من كبار أتباعه وتلامذته، في طابع من السكينة والوقار.
والمدوّن تاريخيا أن أبا مدين شعيب بن الحسن الأنصاري، ولد في إشبيلية بالأندلس نحو سنة 509 هـ / 1115 م، ونشأ في كنف أسرة فقيرة، فكان منذ صغره ميّالًا إلى الزهد والتأمل. انتقل في شبابه إلى فاس ثم إلى بجاية، ومنها إلى تونس ومصر والحجاز، حيث أدى فريضة الحج، وتلقى هناك عن كبار علماء ومتصوفي المشرق، فجمع في شخصه بين علوم الشريعة وأذواق التصوف. ولما عاد إلى المغرب الإسلامي، اختار الاستقرار في تلمسان، التي كانت حينها حاضرة علمية وروحية كبيرة، وكان قد بدأ نجمه في البزوغ كمرشد ومربٍّ ومعلّم للنفوس، فاجتمع حوله عدد كبير من المريدين والطلاب، حتى تحولت تلمسان بفضله إلى قبلة للسالكين، ومركز إشعاع صوفي بلغ صداه كل البقاع المحيطة.
وقد عاصر الزاهد في شبابه، احتلال القدس على يد الصليبيين، وترك هذا الحدث أثرًا بالغًا في وجدانه، فكان كثير الذكر لفلسطين والمسجد الأقصى، يدعو لنصرته في دروسه وخطبه، ويحث تلامذته على الدعاء والجهاد لأجل تحريره. ويذكر بعض المؤرخين، ومنهم ابن خلدون أن أبا مدين كان يراسل علماء المشرق، ويشجع تلاميذه على الرحيل إلى بلاد الشام للمشاركة في الدفاع عنها، وقد تأثر به عدد من رجال التصوف الذين ساندوا صلاح الدين الأيوبي لاحقًا في معركة حطين، والتي انتهت بتحرير القدس سنة 1187 م، بعد نحو أربعة عقود من احتلالها. وتشير بعض الأخبار التي لم تثبت صدقيتها، إلى أن أبا مدين كان من المشاركين في المعركة وقطعت يده فيها ودفنت بأرض المقدس.
وبعد أن رأى صلاح الدين الأيوبي بسالة قتال المغاربة (الوافدين من كامل المغرب العربي بالتسمية الحالية)، أكرمهم بوقف قرب حائط البراق أصبح يسمي حيّ المغاربة والذي تحول إلى أهم ركائز الحياة الدينية والاجتماعية بالبلدة القديمة، واحتضن مؤسسات مثل المدرسة الأفضلية، زاوية المغاربة، جامع المغاربة، وضم مساكن وأزقة ضيقة ومرافق وقفية. ووفق ما تذكره المراجع التاريخية، فقد أوقف أحد أحفاد الشيخ أبو مدين الغوث سنة 1320 ممتلكات وعقارات منها قرية عين كارم الزراعية وزوايا وبيوتًا ومخازن خصصت للإنفاق على حي المغاربة وإيواء القادمين من بلاد المغرب. وقد شكّل هذا الوقف السند المالي الأساسي لاستمرار الحي حتى عام 1967، قبل أن يعمد الاحتلال الصهيوني لإخلاء الحيّ وهدمه بالكامل لتوسعة ساحة حائط البراق أمام الزائرين اليهود.
حاضر موصول بتاريخ عريق
وتلمسان اليوم المعتزة بهذا الفصل الشامخ من تاريخها، تعد إحدى جواهر الجزائر ومدنها الكبرى وعواصمها التاريخية التي بنت تراكما حضاريا وثقافيا فريدا من نوعه، فقد تلاقت فيها أطياف مختلف الحضارات في نسيج متين تشتبك فيه كل عناصر الهوية. واليوم صارت بما تزخر به مقصدا روحيا وسياحيا واقتصاديا وعلامة مسجلة لنمط العمران وعراقة التقاليد المجتمعية وجمال الفن والموسيقى واللباس. فالمتأمل في أزقتها العتيقة، وجدران قصورها الشامخة لا يرى فقط حجارة مكدسة، بل يسمع صدى العصور، ويلمح تعايش الأديان في كنف الحضارة الإسلامية، ويشاهد ظلال الملوك والقادة والمتصوفة، ممن استقروا في هذا المكان وخلّفوا فيه مجدا لا يخبو أثره.
ولعل أحد أبرز معالم المدينة هو المشور، والذي هو في الأصل قصر ملكي تحوّل مع الزمن إلى قلب نابض للسلطة والقرار. يعود بناء المشور إلى العهد الزياني، وتحديداً إلى القرن الثالث عشر، حينما أسّس الزيانيون دولتهم في تلمسان وجعلوا منها عاصمة لهم بعد استقلالهم عن الموحدين. لم يكن المشور مجرد مقر للحكم، بل كان رمزاً لسيادة الدولة الزيانية، حيث استُخدم لإدارة شؤون الحكم وعقد اللقاءات الرسمية ومجالس القضاء. كان القصر يتكون من عدة أجنحة مزخرفة بفن الزليج وحدائق ونوافير ومرافق متعددة تعكس البذخ والذوق الرفيع للمعمار الأندلسي التلمساني. ورغم ما طال القصر من إهمال ودمار على مر العصور، لا يزال يحتفظ ببعض ملامحه الأصلية بعد إعادة ترميمه، ويشكّل شاهداً على مرحلة زاهية من تاريخ تلمسان، حين كانت المدينة تزاحم على ريادة الثقافة والسياسة في الغرب الإسلامي.
وإلى الشمال الشرقي من المدينة، تنتصب أطلال المنصورة، القلعة التي بناها المرينيون خلال حصارهم الشهير لتلمسان في القرن الرابع عشر. حملت المنصورة اسمها من النصر المنتظر، إذ أراد بنو مرين من خلالها تطويق تلمسان وإخضاعها لحكمهم. وقد شيّدت بسرعة مذهلة، وبنمط عمراني دقيق، شمل الأسوار الضخمة والأبراج العالية والجامع الكبير الذي لا تزال مئذنته قائمة، تتحدى الزمن. كانت المنصورة، وفق ما يقول المؤرخون، تعبيراً عن لحظة حاسمة من الصراع بين المرينيين والزيانيين، صراع جسّد التنافس على الزعامة السياسية والدينية في منطقة المغرب الكبير. ومع أن المنصورة لم تُعمر طويلاً، إلا أن آثارها المتبقية لا تزال تحكي عن شراسة الحصار، وعن كفاح تلمسان وصمودها، لتبقى في نهاية المطاف مدينة حرة مستقلة بفضل دفاعات أبنائها ودهاء قادتها.
وبين المشور والمنصورة وغيرها من الآثار والمعالم، تمتد تلمسان في الزمن، حاملة إرثاً عميقاً جعلها على الدوام ملتقى طرق التجارة بين الداخل الأفريقي وسواحل المتوسط، ومحطة رئيسية على درب الحجاج والعلماء. ولم تكن معالمها العمرانية سوى انعكاس لهذا التلاقح الثقافي والديني. ففي قلب المدينة، تجد الجامع الكبير الذي يعود إلى عهد المرابطين، وتحديداً إلى عام 1136م، وهو من أقدم المساجد التي لا تزال قائمة في المغرب الإسلامي، بمحرابه المزخرف وقبته المحكمة، وشكله المستطيل الذي يتكرر بنفس النمط في حواضر أخرى من بلاد المغرب العربي. ولم يقتصر الإشعاع التلمساني على الدين والسياسة، بل شمل الفنون والعلوم، فقد كانت تلمسان موطناً لمدارس العلم، منها المدرسة التاشفينية، التي أسسها أبو تاشفين في القرن الرابع عشر، وتعد من أقدم الجامعات في المغرب الإسلامي، ومركزا لتدريس الفقه والمنطق والطب والفلك، وقد أزالها الاستعمار الفرنسي بعد نهب كنوزها ولم يبق منها سوى بعض الآثار المحدودة.
التأثير في الحركة الوطنية
ولم يكن لهذا الحضور التاريخي الطاغي لتلمسان، إلا أن يبرز في صدارة مقاومة الاستعمار الفرنسي الذي غزا الجزائر وعاث فيها إجراما خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. فعلى يد أحد أبنائها الزعيم مصالي الحاج، بزغت فكرة الاستقلال الوطني. وهذا الرجل المهاب الذي يوصف بالأب الروحي للحركة الوطنية الجزائرية، من مواليد حي رحيبة بتلمسان سنة 1898، وسط بيئة محافظة متشبعة بالقيم الدينية والوطنية، حيث تلقى تعليمه الأول في الكتاتيب والمدارس الإسلامية، قبل أن ينتقل إلى الحياة العملية، ثم إلى فرنسا في أوائل العشرينيات من القرن العشرين. وهناك، تفتحت مداركه على واقع العمال الجزائريين المهاجرين، وظروف الاستغلال والتمييز، فتبلورت لديه فكرة مقاومة الاستعمار من خلال التنظيم السياسي والفكري. أسّس أول تنظيم وطني جزائري في المهجر، وهو “نجم شمال أفريقيا”، سنة 1926، ليكون أول صوت سياسي جزائري يطالب صراحة بالاستقلال التام عن فرنسا، وهو ما كان يعتبر في ذلك الوقت طرحًا جريئًا وخارجًا عن المألوف في ظل سياسة الإدماج الاستعماري.
وبفضل خطبه وكتاباته ومواقفه، أصبح مصالي الحاج رمزًا للوطنية الجزائرية المبكرة، وانتشرت أفكاره في ربوع الوطن، خاصة في تلمسان، التي تحوّلت إلى معقل للنشاط السياسي، حيث نشطت خلايا حزب الشعب الجزائري، ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية، في الأزقة والأسواق والمساجد والزوايا، خاصة في الأحياء العتيقة مثل القصر والمشور والرميلة. ومن خلال التجمعات والمراسلات والنشرات السرية، غذّت المدينة وعي الشباب، وشجعتهم على مقاطعة السياسة الاستعمارية والمطالبة بالتحرر.
وبعد تفجر الثورة التحريرية، كان لتلمسان أيضًا دور مهم في تغذيتها بالرجال والإطارات، أبرزهم العقيد لطفي أحد قادة الولاية الخامسة التاريخية، والتي شملت تلمسان ومنطقة الغرب الجزائري. كان العقيد لطفي مثالًا للمجاهد المثقف والمنظم، وقد تلقى تكوينًا سياسيًا وعسكريًا راقيًا في الخارج، قبل أن يُكلَّف بقيادة الجبهة الغربية، ونجح في تأطير العمل الثوري هناك رغم شراسة الاستعمار. استشهد في ربيع سنة 1960، وهو في ريعان الشباب، لكنه خلّف وراءه إرثًا نضاليًا عظيمًا، لا يزال حيًا في ذاكرة الجزائر.
وقياسا بذلك، لم يكن غريبًا أن ترى تلمسان أحد أبنائها، أحمد بن بلة، يتصدر المشهد بعد الاستقلال، ويصبح أول رئيس للجمهورية الجزائرية سنة 1963. بن بلة، الذي وُلد في مغنية التابعة لولاية تلمسان، انخرط في النضال منذ شبابه، وشارك في الحرب العالمية الثانية ضمن الجيش الفرنسي، ثم انضم إلى حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وكان أحد مهندسي تأسيس جبهة التحرير الوطني. تم اختطافه سنة 1956 في عملية شهيرة، خلال رحلة جوية من المغرب إلى تونس رفقة قادة الثورة، وظل سجينًا في فرنسا حتى قبيل الاستقلال. وحتى الزعيم الراحل هواري بومدين الذي خلف بن بلة، اختار كنية بومدين (اسمه الحقيقي محمد بوخروبة)، تكريمًا للشيخ الصوفي أبي مدين شعيب، دفين تلمسان. وفي وقت لاحق، عاد اسم تلمسان ليرتبط مجددًا برئاسة الجمهورية، حين تولى عبد العزيز بوتفليقة، الحكم سنة 1999، ومكث فيه قرابة 20 سنة قبل أن يطيح به الحراك الشعبي سنة 2019.
معلم سياحي
ولا تقتصر تلمسان، جوهرة الغرب الجزائري، على كونها مدينة للعلم والتصوف والتاريخ، بل تحتضن بين جبالها وسهولها معالم سياحية غاية في الجمال والتنوع، تأسر الزائر بمناظرها الطبيعية الخلابة. ففي أعلى مرتفعات المدينة، تنتصب هضبة لالّة ستي، واحدة من أجمل وأشهر الوجهات السياحية في تلمسان، وتقع على ارتفاع يزيد عن ألف متر عن سطح البحر. تشرف الهضبة على كامل مدينة تلمسان، وتوفر لزائرها إطلالة بانورامية ساحرة على أحياء المدينة، والجبال المحيطة بها، وحتى على بعض القرى البعيدة. سميت لالّة ستي نسبة إلى امرأة صالحة كانت تقيم هناك، وتحوّل قبرها إلى مزار يفد إليه الناس طلبًا للبركة. مع الوقت، تحولت الهضبة إلى فضاء سياحي شامل، يضم حديقة ترفيهية واسعة، وفنادق ومطاعم، وفضاءات لعب للأطفال، كما شهدت المنطقة عمليات تهيئة سياحية كبيرة في السنوات الأخيرة لتعزيز قدراتها الاستقبالية.
غير بعيد عن لالّة ستي، يقع أحد أكثر المعالم الطبيعية دهشة في الجزائر، مغارات بني عاد، وهي مغارات جوفية منحوتة في عمق الجبل، تشكلت بفعل عوامل التعرية والمياه الجوفية على مدى آلاف السنين. تقع هذه المغارات على بعد نحو 7 كيلومترات من وسط المدينة، ويمكن الوصول إليها بسهولة عبر الطريق المؤدي إلى منطقة عين فزة. عند دخولها، يبهرك التكوين الطبيعي الفريد للصخور الجيرية، والأعمدة المتدلية والمتصاعدة التي شكلتها الترسبات المائية عبر القرون، لتبدو وكأنها متحف طبيعي بأعمدة متقنة التصميم دونما تدخل من الإنسان. المغارات باردة في الصيف ودافئة في الشتاء، وقد اعتبرت لسنوات طويلة من أهم الوجهات الجيولوجية في الجزائر، حيث يُقبل عليها السياح والباحثون في نفس الوقت. إضافة إلى بعدها الجمالي، تحمل هذه المغارات في ثقافة سكان المنطقة رمزية روحية ومكانية، وقد استخدمها المجاهدون خلال الثورة التحريرية الجزائرية كملاجئ ومخابئ ضد الاستعمار الفرنسي.
أما الساحل التلمساني، فيحمل هو الآخر من الكنوز ما لا يُقدّر بثمن، خصوصًا في منطقة مرسى بن مهيدي، الواقعة في أقصى الغرب الجزائري، بالقرب من الحدود المغربية. هذا الشاطئ الساحر، الذي كان يُعرف سابقًا باسم بورساي، يُعد من أنقى الشواطئ الجزائرية وأجملها من حيث نقاء الرمال وزرقة المياه. تمتد مرسى بن مهيدي على شريط ساحلي طويل تتخلله التلال والغابات، وتعرف بإقبال كبير للسياح خلال الصيف، حيث توفر شواطئها الواسعة والآمنة ملاذًا حقيقيًا للهاربين من صخب المدن.
ثقافة أهل تلمسان
وليست السياحة في تلمسان، مناظر وأماكن فقط، بل هي عند كثيرين رغبة في الاحتكاك بثقافة وتقاليد عريقة، فأهل تلمسان يتميزون بحرصهم على طقوس الضيافة، والاحتفالات الدينية والعائلية، التي غالبًا ما تقترن بالموسيقى الأندلسية التلمسانية، المعروفة بـ”الغرناطي”، وهو نمط موسيقي راقٍ، تُؤدى فيه القصائد بالعربية الكلاسيكية على إيقاعات هادئة، ويشكل أحد أعمدة الثقافة الفنية في المدينة. وتُقام الأعراس وفق طقوس متوارثة، تشمل الحمّام التقليدي، وتجهيز العروس بلباس “قفطان المنصورية”، و”الشدّة التلمسانية” والاحتفال بالموسيقى والمأكولات المحلية، مثل “الكسكس باللحم والمرق الأحمر”، والحريرة والدشيشة وغيرها.
ومن الملامح التي تميز تلمسان، احتضانها لتاريخ من التعايش الديني، حيث عاشت في ربوعها جالية يهودية حتى منتصف القرن العشرين، كانت تقطن في أحياء معينة من المدينة العتيقة، وتمارس أنشطتها التجارية والحرفية باندماج مع السكان المسلمين، واحترام لخصوصيتها الدينية والتعليمية. ومن المعالم التي تشهد على هذا الحضور، مقبرة يهودية قديمة تقع على مشارف المدينة، ظلت إلى وقت مضى محط زيارة لليهود من أصول تلمسانية المقيمين في الخارج، خاصة من فرنسا، حيث يزورون ضريح الحاخام والطبيب إفرايم بن كاوا المدفون هناك، والذي يحظى بتقدير خاص لدى أبناء الطائفة إذ يعد من كبار علمائهم. والمعلوم أن يهود الجزائر خرجوا من البلاد بخروج الاستعمار الفرنسي الذي اختاروا صفه.
وهكذا ظلت تلمسان عبر العصور نقطة تلاقٍ وتعايش، بين الديانات والثقافات، ساعد في ذلك موقعها الجغرافي وصلتها بالأندلس، ودورها التاريخي كعاصمة لدولة الزيانيين، وكمحطة مركزية على دروب التجارة والحج والمعرفة. وقد حافظ سكانها، على مر الأجيال، على خصائص لا تزال ملموسة حتى اليوم في حياتهم، وفي عمارتهم، وفي أناقة أسلوبهم وعذوبة ملفظهم الذي يستبدل قاف بداية الكلمة بالألف، وفي طباعهم الهادئة التي تفيض بالحكمة والذوق.