تشويه الجمال الإلهي: عبرة «المرأة القطة»

حجم الخط
0

في زمنٍ ليس ببعيد، كان وجه المرأة مرآة صادقة تعكس نبض قلبها، وتتحدث ملامحها بلغة لا يعرفها سوى من تأمل جمالها الحقيقي. وجه الأم، ذلك اللوح الإلهي الذي حمل آلامنا وضحكاتنا، كان يحكي لنا قصة كل دمعة نزلت في الخفاء، وكل ضحكة أطلقت لتبدد همومنا. في قسماتها، كنا نقرأ الفرح والحزن، الغضب والحب، كل إحساس بشري حملته بصدق، فأين نحن اليوم من هذا الإرث؟
نعم أمهات من أيدٍ خشنة نسجت حياتها في الكدح، إلى وجوه حفرت فيها الابتسامات والتجاعيد طريقا للحكمة ـ رمزا للخلقة الإلهية النقية، لا يعكر صفوها زيف أو تزوير. لكننا اليوم نعيش في عصرٍ شاحب، عصر يُسجن فيه الجمال الطبيعي خلف قناعٍ من السيليكون والعمليات التجميلية المفرطة، حيث يُعاد تشكيل الوجوه لتبدو مثالية بمقاييس مزيفة، كأننا نحاول تحدي يد الخالق.
«المرأة القطة»، جوسلين وايلدنشتاين، اسمٌ صار رمزا لعصرٍ قرر أن يقتل الإحساس ليُحافظ على مظهرٍ زائف. رحلت تاركة خلفها قصة حزن مغلفة بالبهرجة، حيث ذابت ملامحها الأصلية، وخُنقت حركات وجهها التي كانت تستطيع أن تعبّر عن غضبها وضحكاتها، لتحل مكانها ملامح جامدة لا حياة فيها.
رحلت «المرأة القطة» بعد أن صنعت لنفسها أسطورة مشوهة عبر عمليات تجميلية لا حصر لها. هذه العمليات لم تكن فقط محاولة للهروب من الزمن الذي ينحت ملامح البشر، بل كانت حربا خاسرة ضد الطبيعة ذاتها. يُقال إنها سعت لتشبه القطط، وأنفقت الملايين لتحقيق هذا الهدف الغريب، والنتيجة؟ وجه فقد هويته، وملامح اختفت تحت سطوة مبضع الجراح.
لكن، هل نلوم جوسلين وحدها؟ أم أننا جميعا شركاء في صنع هذا الجنون؟ مجتمعاتنا الحديثة هي التي فرضت معايير قاسية للجمال، جعلت المرأة تحارب نفسها بدلاً من أن تحبها. جوسلين لم تكن الوحيدة، لكنها كانت العنوان الأبرز لجريمة تُرتكب بحق النساء كل يوم. إنها جريمة تشويه الخلقة التي منحها الله، استبدال النقاء بالكمال الزائف، وقتل الإحساس الحقيقي في سبيل مظهر صناعي بارد. لطالما علمتنا الأمهات أن الجمال الحقيقي ليس في المظهر، بل في الروح. ضربت لنا الأمثال الشعبية أعظم الدروس في القبول؛ منها «الجوهر أغلى من المظهر»، و»الجمال جمال النفس، لا الوجه». لكن في عصرنا الحاضر، تبدلت الأمثال الشعبية بأوهام الإعلام ومقاييس المثالية المادية. فأصبحنا نؤمن بأن الجمال يُباع في زجاجات الكريمات أو تحت مشرط الجراح.
آن الأوان أن نتوقف عن تشويه أنفسنا ونتذكر أن كل تجعيدة في وجه أمنا هي قصة عن تضحياتها، وكل بسمة هي إرث عن حبها. السيليكون لا يملك ذكريات، ولا يحمل قصصا، لكنه فقط قناع يخفي الحقيقة. فلتتأمل وجه أمك حين تغضب، تجد أن تجاعيدها ترسم فصولا من كفاحها، وحركات عينيها تروي روايات من صبرها وحبها. ضحكتها العفوية، التي تُبرز أسنانا أرهقتها السنين، هي أعظم سيمفونية تُعزف في لحظة. هذه الحركات هي التي صنعت ذاكرتنا العاطفية، وهي التي شكّلت إنسانيتنا. فكيف نسمح لعصر السيليكون والمثالية الزائفة أن يحرمنا من هذه العاطفة؟ إن وجه المرأة اليوم، في عصر السيليكون، أصبح كالقناع. لا تعرف إن كانت غاضبة أم سعيدة، مشتاقة أم حزينة. كل الوجوه باتت متشابهة، صُنعت من قالبٍ واحد، فاقدة للهوية والخصوصية. لقد قتلنا الجمال الإلهي حين قررنا أن نطارد الكمال المزيّف. فلنعد أيتها النساء إلى جمال حقيقي، إلى وجوه أمهاتكم التي علمتنا أن التجاعيد ليست عيوبا، بل شواهد على الحب. لنفتح أعيننا لنفهم أن الجمال ليس في تناغم الملامح، بل في إحساسها. لا نجعل الزيف يحرمنا من قراءة مشاعر أحبائنا في ملامحهم الحقيقية.
لقد وهبنا الله وجوها تُعبر عن أرواحنا، وجعل كل تجعيدة وكل طية قصة لا تُنسى. فلا تبعن هذا الإرث العظيم، من أجل كمال مزعوم لا يحمل سوى الموت الصامت للإحساس. فلنرفع أصواتنا ضد عصر التشويه، ولنُشد بجمال أمهاتنا اللواتي عبّرن بوجوههن الصادقة عن كل ما عجزت الكلمات عن قوله. لأن الحقيقة ليست في وجه السيليكون المرسوم، بل في الوجه الذي ينبض بالحياة.

كاتبة مغربية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية