تشلسي مشروع عملاق أم قنبلة موقوتة؟

في الوقت الذي تكافح فيه أندية أوروبا لموازنة الإنفاق ومواصلة المنافسة، يبدو أن نادي تشلسي الانكليزي قد اختار طريقا غير تقليدي، يتجاوز كل الأعراف، بصفقات تُبرم خارج سوق الانتقالات، وإنفاق يفوق ملياري يورو خلال خمس سنوات، وعقود طويلة الأجل مع لاعبين لم تتجاوز أعمارهم العشرين عاما.
هل هو عبقرية اقتصادية تستشرف المستقبل، أم جنون إداري سيقود أحد أكبر أندية إنكلترا إلى الانهيار؟ هذا المشروع هو الأكثر إثارة للجدل في كرة القدم الأوروبية. فكيف يخطط تشلسي لبناء إمبراطورية من المواهب الصغيرة؟ ما المخاطر التي تهدد هذا المسار؟ وهل يمكن أن يتحول النادي من منافس شرس على الألقاب إلى مختبر لتجارب اللاعبين الشباب؟
يبدو أن نادي تشلسي قد دخل مغامرة غير مسبوقة منذ استحواذ المالك الأمريكي تود بويلي ومجموعة «كليرليك كابيتال» على النادي في 2022. ففي الوقت الذي تتجه فيه الأندية الكبرى لضم النجوم الجاهزين، اختار تشلسي أن يسير في طريق مختلف تماما، بإنفاق مليارات على مواهب شابة بعقود طويلة تصل إلى 9 سنوات، حتى خارج فترات الانتقالات الرسمية، في مشهد غير مألوف حتى في عالم كرة القدم المليء بالمفاجآت.
في الأيام الأخيرة ضم تشلسي أسماء مثل جيفاني كويندا (17 عاما)، وداريو إيسوغو (20 عاما)، في مقابل أكثر من 70 مليون يورو من سبورتينغ البرتغالي، لينضما الى المواهب كيندري بايز (17 عاما)، وإستيفاو ويليان (18 عاما)، ومايك بندرز (19 عاما)، ومامادو سار (19 عاما) الذين التحقوا او سيلتحقون بالنادي في الاسابيع المقبلة. إدارة النادي تتعامل مع المواهب الصغيرة وكأنهم أسهم استثمارية يمكن بيعها لاحقا بأرباح ضخمة، لكن مع وجود هذا العدد الكبير من اللاعبين في نفس المرحلة العمرية والمراكز، قد تتحول التجربة إلى عبء بدلا من قوة.
الإدارة تحاول اللعب على الوتر المالي، من خلال توزيع تكاليف الصفقات عبر عقود طويلة، ما يسمح بدفع رواتب أقل للاعبين في الوقت الحالي. لكن على أرض الواقع، العقود الطويلة قد تصبح مصيدة للنادي، خاصة إذا فشل اللاعبون في التطور أو قرروا الرحيل عن النادي. والمثال الأبرز هو كول بالمر، الذي أصبح من نجوم الفريق الأوائل، لكنه مرتبط بعقد حتى 2033، ما يجعله مقيدا في نادٍ لا يزال يبحث عن هويته.
وفي محاولة تقليد مشروع نادي برايتون على نطاق ضخم، يخشى البعض أن يفقد تشلسي هويته كفريق ينافس على الألقاب. الموهبة وحدها لا تكفي، إذ أن غياب الخبرة وقائد هجومي متمرس يجعل الفريق يبدو ضعيفًا في المباريات الكبرى. وحتى الآن، لم يتم التعاقد مع مهاجم من الطراز الرفيع يمكنه مساعدة نيكولاس جاكسون، رغم وجود كريستوف نكونكو، ما يثير غضب الجماهير. والنادي يواصل التأكيد على التزامه بقواعد الربحية والاستدامة وقانون العدل المالي، رغم حاجته إلى «بيع إجباري» لبعض الأصول واللاعبين، بالإضافة إلى الاعتماد على بطولات مثل كأس العالم للأندية لضخ أموال عاجلة. حتى بيع الفنادق التابعة للنادي كان ضمن محاولات لتجنب الوقوع في فخ الخسائر الضخمة.
ورغم وجود قناعة داخل النادي بأن المشروع يحتاج الى سنوات للنضوج، بدأت أصوات الجماهير ترتفع، وتتساءل: إلى متى سننتظر؟ وهناك من يعتقد أن ما يحدث هو تخزين للمواهب بدلاً من بناء فريق قادر على المنافسة. وتعليقات المشجعين في مواقع التواصل الاجتماعي تركز على غياب خطة واضحة لجلب لاعب مهاجم كبير أو حارس عملاق أو أسماء خبيرة قادرة على حسم المباريات.
المقربون من الإدارة يصفون المشروع بأنه ما زال في «معسكر قاعدة جبل إيفرست»، أي في البداية فقط من رحلة صعود صعبة جدا. والهدف النهائي هو أن يصبح الفريق من الأفضل في أوروبا، لكن المسافة لا تزال طويلة، والطريق محفوفة بالمخاطر.
ما يفعله تشلسي حاليا هو مقامرة كبرى بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، إما أن تتحول هذه الكتيبة الشابة إلى الجيل الذهبي المقبل ويقف النادي على منصات التتويج الكبرى خلال سنوات قليلة، أو يتحول هذا الإنفاق الهائل إلى عبء مالي ورياضي قد يصعب التخلص منه. بين الحلم وبين المجهول، تشلسي يسير على حبل مشدود، وتبقى الأيام وحدها قادرة على كشف مصير هذا المشروع، الذي لا يمكن وصفه الا بـ«قنبلة موقوتة».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية