أثارت مباراة كرة القدم التي جرت ليل الأحد الماضي بين منتخبي العراق والسعودية بنهائي كأس آسيا دون 22 سنة معركة سياسية شرسة، وتحوّلت بسرعة الى مادة عراك طائفيّ بأسوأ صورها في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي على الانترنت.
افتتح المعركة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي اتصل بمدرب الفريق العراقي حكيم شاكر وقال له ان ‘قلوب كل العراقيين معكم باستثناء الارهابيين الذين يقتلون الإنسان فهؤلاء لا يريدون من يعمّر البلد أو يسجل انتصارات له، وإلا فكل العراقيين معكم قلباً وقالباً’.
بتصريحه هذا يحاول المالكي اضافة الانتصار الرياضي في كرة القدم الى رصيده السياسيّ وتوظيفه في معركته السياسية لاعادة انتخابه من خلال تحشيد الطائفة الشيعية في العراق خلفه وتأجيج مشاعرها ضمن معركة كسر الاعتصامات المدنية والمقاومة السلمية للمحافظات السنّية بدعوى مكافحة تنظيم ‘داعش’.
تلقّف المدرّب العراقيّ كرة المالكي الملغومة وبالغ فيها رابطاً الانتصار الرياضي بـ’انتصارات’ المالكي على ‘داعش والارهاب’، كما فعلت ذلك وسائل اعلام عراقية كثيرة، بينها صحيفة ‘النهار’ التي نشرت صورة للفريق السعودي وقد استبدلت وجوه لاعبيه بصور علماء دين سعوديين.
ما لبثت آثار هذه الحملة الاعلامية والسياسية ان انتقلت الى الشارع العراقي فغصت شوارع بغداد والمحافظات العراقية بالمحتفلين يرفعون اعلاماً عراقية ويهتفون ‘رغم أنوف داعش حققنا النصر’، في تأكيد شعبي للمساواة التعسفية بين ‘داعش’ والسعودية، وهي بلد لا يمكن اختصاره بفريق رياضي ودولة ومذهب دينيّ، ناهيك عن إعلانها صراعاً عسكرياً وسياسياً ليس مع ‘داعش’ و’القاعدة’ فحسب بل مع أهم حركات الإسلام السياسي في العالم الإسلامي ‘جماعة الإخوان المسلمين’.
تجاهل هذا البعد السياسيّ: أي العلاقة العدائية بين النظام السعودي وتنظيمات الإسلام السياسي (بما فيها المعتدل منها) يدلّ على حاجة المالكيّ الماسّة حالياً لخلط الأوراق داخل العراق بتأجيج النزعات الطائفية بين الشيعة والسنة، وخارج العراق بالربط التعسّفي بين السعودية و’داعش’، وهما على طرفي نقيض سياسيّ.
من جهة أخرى فإن خلط الأوراق هذا بين السعودية و’داعش’ يفضح أيضاً موقفاً انتهازياً مشابهاً للمملكة من جماعة ‘الإخوان المسلمين’ التي عمد النظام السعودي تمويلاً وإعلاماً الى المشاركة في حملة ابادتها والتحريض ضدها والمساواة بينها وبين تنظيمات السلفيّة المسلّحة المتأثرة بنهج ‘القاعدة’، حين يعتبر، هو والحكومة الراهنة في مصر، الجماعة مسؤولة عن أي عملية إرهابية في مصر رغم إصرارها على أساليب العمل السياسي المدني والاحتجاج الجماهيري بالتظاهرات والاعتصامات والمشاركة في الانتخابات.
بهجومه على ‘الإخوان المسلمين’ ونعتهم بالارهاب و’قوى الظلام’ فتح النظام السعودي باباً لا يستطيع إغلاقه وقت يريد، فبتخفيضه كتلة سياسية وجماهيرية ضخمة، كالإخوان المسلمين، إلى مرتبة ‘الارهاب’، يسمح عملياً، للمالكي وأضرابه، بخفض النظام السعودي أيضا الى هذه المرتبة بدوره، فكلاهما، أي جماعة ‘الإخوان المسلمين’، والنظام السعودي، يستثمران في الرأسمال الرمزي للإسلام السنّي، وهذا الخلط بين مظاهر هذا الإسلام السنّي وتشكلاته لا يمكن أن يستخدم في حالة ثم يُمنع استخدامه في حالة أخرى.
يتعرّض المسلمون في العالم، سياسياً وإعلامياً واجتماعياً، لمفاعيل هذا الخلط المتقصّد بينهم وبين الإرهاب، وتصبّ الدعاية الأيديولوجية الرخيصة للأنظمة الاستبدادية العربية ضد كل الحركات الاسلامية المناهضة لها في طاحونة ‘الاسلاموفوبيا’ العالمية بشكل يجعل المسلمين مشاريع اضطهاد في بلدانهم وخارجها.
ومن المؤسف أن النخب العربية، في أغلب اتجاهاتها السياسية، تسهم بدورها، من جهة أحزابها ‘الإسلامية’، في تكريس الوعي الطائفي، أو من جهة أحزابها ‘العلمانية’، في تكريس كره الإسلام والمسلمين تحت اليافطة العريضة لـ’مكافحة الإرهاب’ التي ترفعها الأنظمة والأحزاب حين تريد مكافحة خصومها السياسيين.
يظهر كل المسلمين في مسلسل ‘الوطن’ (وهو دراما شهيرة بتعاون امريكي ـ اسرائيلي) على اختلاف ايديولوجياتهم ومذاهبهم كارهابيين.
ما يفعله النظامان العراقي والسعودي يساهم بتكريس وتفعيل هذه الأكذوبة.