ترامب يعيد تشكيل علاقات الشرق الأوسط الاقتصادية لمصلحة الصين

إبراهيم نوار 
حجم الخط
0

حرب ترامب التجارية تعيد تشكيل علاقات الشرق الأوسط مع العالم على حساب الولايات المتحدة، لمصلحة الصين بشكل أساسي. وتضيف الموجة الجديدة من التعريفات الجمركية المرتفعة على الدول العربية بحد أدنى 10 في المئة قوة جديدة إلى تدفقات التجارة والاستثمار من الصين إلى الدول العربية. ومنذ عام 2018 تحقق هذه التدفقات زيادات غير مسبوقة، حتى أصبحت دولا مثل مصر والمغرب على وجه الخصوص من الشركاء التجاريين ذوي الأهمية المتعاظمة للصين في الشرق الأوسط. الجديد وهو الأهم أن الدول العربية، خصوصا مصر والمغرب، وإلى حد ما الجزائر والعراق، أصبحت دولا مهمة على خريطة استراتيجية صينية لإعادة توطين صناعاتها حول العالم، من أجل تجنب حرب ترامب التجارية، وفتح أسواق جديدة حول العالم، وإقامة طوق قوي ومتنوع من سلاسل الإنتاج المرتبطة بالسوق الصينية. ومع الموجة الجديدة من الحرب التجارية التي بدأت الولايات المتحدة تطبيقها اعتبارا من 7 من الشهر الحالي يقدم الرئيس الأمريكي للدول العربية الساعية إلى التصنيع وتنويع الاقتصاد هدية ثمينة برفع الرسوم الجمركية على دول العالم أجمع بحد أدنى يبلغ 10 في المئة، يطبق على الدول التي لا تحقق فائضا في تجارتها مع الولايات المتحدة، ترتفع إلى 15 في المئة على الأقل على صادرات الدول التي تحقق فائضا على حساب الولايات المتحدة. وطبقا لمعادلة رفع الرسوم الجمركية، فإنه كلما زادت قيمة العجز التجاري للولايات المتحدة مع دولة معينة، زادت في المقابل نسبة الرسوم الجمركية التي تفرضها على الواردات منها.
وتعتبر الصين ودول منطقة جنوب شرق آسيا، والدول النامية الآخذة في التصنيع الضحية الأولى لحرب ترامب التجارية، بما في ذلك دول تعتبر صديقة للولايات المتحدة مثل فيتنام. وكانت الصين تعتبر دول جنوب شرق آسيا الغلاف الواقي من حرب ترامب التجارية التي بدأ شنها في العام الثاني من فترة رئاسته الأولى. ومنذ ذلك الوقت اتجهت الشركات الصناعية الصينية إلى توطين بعض مصانعها، من صناعات الأثاث إلى صناعات الكمبيوتر، في دول جنوب شرق آسيا. واستفادت الصين من عوامل القرب الجغرافي، ورِخَص الأيدي العاملة، ووجود بنية أساسية متطورة ضمن مبادرة الطوق والطريق، من أجل بناء سلاسل إنتاج صناعية إقليمية متقدمة، بحيث يتم تصدير منتجاتها عبر هذه الدول لتجنب الرسوم والعقوبات التجارية الأمريكية. لكن رفع الرسوم الجمركية على صادرات دول مثل كمبوديا وتايلاند وفيتنام إلى الولايات المتحدة يقطع الطريق على هذه الاستراتيجية، ويدفع الشركات الصناعية الصينية إلى محاولة اكتشاف مواقع جديدة لإعادة توطين الصناعات الصينية بعيدا عن حصار الرسوم الجمركية الأمريكية. وقد وجدت الصناعات الصينية في مصر والمغرب مساحة كبيرة من الفراغ في الاستثمار الصناعي، تستطيع هي ملأها، كما وجدت ترحيبا إداريا وتسهيلات كبيرة من حكومات دول مثل مصر والمغرب والجزائر والعراق. وبعد التدفقات الاستثمارية الكبيرة من الصين إلى كل من مصر والمغرب على وجه الخصوص، ترتقي العلاقات الاقتصادية المشتركة بينها من مستوى الشريك التجاري إلى مستوى الشريك الصناعي. والدولتان تمثلان سوقا مهمة تجاريا للصين، لكن الأهم من ذلك أن أهميتهما تتعاظم كبوابة جنوبية مفتوحة على أوروبا وبوابة شمالية مفتوحة على أفريقيا، بينما إطلالة المغرب على المحيط الأطلنطي توفر للسلع المغربية ميزة نسبية في أسواق الولايات المتحدة. ويمكن لكل من الدولتين، مصر والمغرب أن تلعبا دورا مهما غير مباشر في تعزيز التجارة بين الصين والولايات المتحدة، عندما تصدر إليها منتجات تحتوي على مكونات صينية مهما كانت نسبتها ضئيلة جدا.
ولن تتوقف تداعيات رفع الرسوم الجمركية الأمريكية على مجرد توسيع نطاق المصالح الاقتصادية للصين في الشرق الأوسط، وإنما ستمتد هذه التداعيات إلى تخفيض مستوى المصالح الأمريكية نفسها، باستثناء قطاع النفط. وتشير بيانات التجارة المتبادلة بين الولايات المتحدة والدول العربية إلى تراجع ملموس على مدى العقود الزمنية الأخيرة. وطبقا لدراسة أخيرة أعدها خبراء اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «إسكوا» عن تأثير حرب ترامب التجارية على الدول العربية بعنوان «صدمة الرسوم الجمركية الأمريكية: آثارها على المنطقة العربية» فإن المنطقة العربية تمر بمرحلة مفصلية في علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية، منذ إطلاق الموجة الجديدة من الحرب التجارية في الثاني من نيسان/أبريل الماضي. وتضمن القرار الرئاسي فرض رسوم جمركية إضافية شاملة بنسبة 10 في المئة على جميع الواردات تقريبا، مع فرض عقوبات أشد – تتراوح بين 15 في المئة و42 في المئة – تستهدف دولًا ذات فوائض تجارية كبيرة مع الولايات المتحدة، مثل الصين وفيتنام، ولكنها تستهدف أيضا العديد من الدول العربية برسوم جمركية إضافية تختلف من بلد إلى آخر.
ويُقدّم التقرير تقديرا أوليا قصير المدى لتأثير حرب الرسوم الجمركية على الاقتصاد الكلي للمنطقة العربية في عام 2025، مع التركيز على الآثار الميكانيكية لتحويل مسار التجارة. وفي حين أن الطاقة والنحاس والأدوية وأشباه الموصلات والأخشاب معفاة حاليا، فإن الصادرات غير النفطية مثل المنسوجات والأسمدة والمواد الكيميائية والألمنيوم والإلكترونيات تخضع الآن لرسوم جمركية مرتفعة. ويقول التقرير أن حرب ترامب التجارية تلغي فعليا المعاملة التفضيلية التي كانت ممنوحة سابقا للبحرين والأردن والمغرب وسلطنة عمان بموجب اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية، ما يمثل تحولا كبيرا عن الشراكات التجارية طويلة الأمد، بما في ذلك الواردات من المناطق الصناعية المؤهلة في مصر والأردن، التي لا تتمتع بإعفاء من الرسوم الجمركية الشاملة. ومن المفترض أن الزيادات في الرسوم الجمركية بدأ تنفيذها اعتبارا من 7 من الشهر الحالي. ويشمل القرار جميع الرسوم الجمركية «المتبادلة».

تراجع الأهمية
الاقتصادية للسوق الأمريكية

انخفضت الصادرات السلعية العربية إلى الولايات المتحدة من 91 مليار دولار في عام 2013 (6 في المئة من صادراتها الإجمالية) إلى 48 مليار دولار في عام 2024، ما يعادل 3.5 في المئة من صادراتها الإجمالية. وطبقا لذلك تكون قيمة الصادرات خلال تلك الفترة قد تراجعت بقيمة 43 مليار دولار تقريبا بنسبة انخفاض بلغت 47.2 في المئة. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى انخفاض واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ومنتجات البترول من الدول العربية. ومع ذلك فقد حافظت الولايات المتحدة على فائض تجاري مع المنطقة العربية منذ عام 2015. ووصلت قيمة هذا الفائض في العام الماضي حوالي 20 مليار دولار، ما يشير إلى أن المنطقة ككل تستورد سلعا من الولايات المتحدة أكثر مما تصدره. معظم الدول العربية لديها حصة معتدلة أو منخفضة من الصادرات إلى سوق الولايات المتحدة، باستثناء الأردن. وطبقا لتقرير «الإسكوا» فإن اتفاقيات التجارة الحرة واتفاقيات المناطق الصناعية المؤهلة الموقعة مع مصر والأردن لم تعزز بشكل كبير صادرات مصر (باستثناء الملابس الجاهزة والمفروشات والأقمشة)، مقارنة بالأردن، التي استفادت من الوصول التفضيلي إلى سوق الولايات المتحدة لجميع السلع التي تحتوي على مكونات إسرائيلية كبيرة.
وبالنسبة لنمط الصادرات السلعية العربية إلى الولايات المتحدة فإن التقرير يلاحظ أن منتجات الطاقة والمعادن تستحوذ على النسبة الأكبر، لكن هذه النسبة تتضاءل بمرور الوقت مع التوسع في سياسات تنويع الاقتصاد، والتحول من اقتصاد يهيمن عليه النفط إلى اقتصاد صناعي حديث. وفي هذا السياق، فإن الصادرات غير النفطية من المنطقة إلى الولايات المتحدة ارتفعت خلال العقد الأخير من 14 مليار دولار في عام 2013 إلى 22 مليار دولار في عام 2024، ما يُمثل زيادة قدرها ثلاثة أضعاف في حصتها من إجمالي الصادرات. وسيكون للرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة على السلع العربية تأثير مباشر على صادراتها غير النفطية إلى الولايات المتحدة، ما يدفع الدول العربية إلى البحث عن أسواق بديلة وتخفيف الاعتماد على التصدير للسوق الأمريكية.

تفاوت
تأثير القرار الأمريكي

من المرجح أن يتفاوت تأثير قرار زيادة الرسوم الجمركية على الدول العربية، ما يعكس مدى عمق العلاقات مع الولايات المتحدة. ومن المتوقع أن تتأثر الدولة ذات الحصة الأكبر من الصادرات غير النفطية إلى الولايات المتحدة بشكل مباشر. ويكون التأثير المباشر كبيرا بشكل خاص بالنسبة للدول التي تشكل فيها الصادرات إلى الولايات المتحدة حصة كبيرة من إجمالي صادراتها العالمية. واستنادًا إلى هذين المؤشرين، من المتوقع أن تواجه 6 دول عربية تأثيرًا كبيرا، 5 دول تأثيرا طفيفًا، بينما سيكون تأثير زيادة الرسوم الجمركية ضئيلا على 11 دولة. الدول العربية الست التي ستتأثر تأثرا كبيرا من رفع الرسوم الجمركية الأمريكية على صادراتها هي البحرين ومصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس. وتشكل حصة صادرات كل منها للولايات المتحدة 5 في المئة أو أكثر من صادراتها الكلية. وستكون المملكة الأردنية هي الأكثر تأثرا بشكل مباشر، حيث تستحوذ الصادرات إلى الولايات المتحدة ما يقرب من 25 في المئة من الصادرات السلعية للأردن. أما الدول العربية التي ستواجه تأثيرا طفيفا فهي الجزائر وسلطنة عمان ودولة قطر والسعودية والإمارات. في هذه الدول تقل نسبة صادراتها السلعية للولايات المتحدة عن 5 في المئة من إجمالي الصادرات. وبالنسبة لدولة الإمارات فإن الأضرار الرئيسية ستقع على سوق إعادة التصدير للولايات المتحدة (تجارة الترانزيت) التي تقدر قيمتها بحوالي 10 مليارات دولار.
وفي سياق هذا العرض، فإن تقرير الإسكوا يقرر أن الأثر الصافي لزيادة الرسوم الجمركية على الصادرات العربية إلى العالم سيكون محدودا. ومع ذلك، تتفاوت هذه الآثار بين مجموعات الدول العربية حسب موقعها في تجمعات التعاون الاقتصادي الإقليمي الفرعية. وستشهد دول اتفاقية أغادير (مصر، والأردن، والمغرب، وتونس) أثرا صافيًا معتدلًا في عام 2025 ويعود ذلك أساسا إلى تأثيرات «تحول التجارة» التي تُخفّف الأثر السلبي المباشر على صادراتها الأولية إلى سوق الولايات المتحدة، اعتمادا على مزاياها النسبية والسعرية. ومن المتوقع أن يكون الأثر الصافي على دول مجلس التعاون الخليجي ضئيلا. ويمكن تحقيق نتيجة أكثر إيجابية إذا استفادت هذه الدول من قدرتها التنافسية في مجال النقل والخدمات اللوجستية. ومع ذلك، فإن دول مجلس التعاون قد تتعرض لخسائر كبيرة في عائدات النفط، نتيجة لثلاثة عوامل هي انخفاض أسعار النفط، وانخفاض الصادرات، وانخفاض معدلات النمو. وتأتي هذه الخسائر ليس فقط بسبب تراجع الطلب العالمي، بل أيضا بقرارات أوبك بشأن تأثير وقف تخفيضات الإنتاج التي كانت سارية في العامين الماضيين. وقد هبطت أسعار النفط خلال الأسابيع الأخيرة إلى ما دون 70 دولارا للبرميل.

الآثار المتوقعة عالميا

طبقا للمراجعة الدورية الأخيرة تموز/يوليو لآفاق نمو الاقتصاد العالمي التي يجريها صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن يبلغ النمو العالمي 3.0 في المئة لعام 2025 و3.1 في المئة في عام 2026. ويزيد توقع عام 2025 بمقدار 0.2 نقطة مئوية عن التوقعات المرجعية لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في تيسان/أبريل 2025 «WEO»، وأعلى بمقدار 0.1 نقطة مئوية لعام 2026. ومن المتوقع أن ينخفض التضخم الرئيسي العالمي إلى 4.2 في المئة في عام 2025 و3.6 في المئة في عام 2026، وهو مسار مماثل للمسار الذي توقعه الصندوق في نيسان/أبريل الماضي.
لكن هذه المؤشرات العامة تخفي اختلافات ملحوظة بين البلدان، حيث يتوقع الصندوق أن يظل معدل التضخم أعلى من المستهدف في الولايات المتحدة، وأن يكون أكثر هدوءًا في الاقتصادات الكبيرة الأخرى. وقد يؤدي ارتفاع معدلات التعريفات الجمركية الفعلية إلى إضعاف النمو. كما أن ارتفاع متوسط الرسوم الجمركية يحمل معه أيضا ارتفاع تأثير حالة عدم اليقين بشكل أكبر على النشاط الاقتصادي، وقد تؤدي التوترات الجيوسياسية إلى تعطيل سلاسل التوريد العالمية ودفع أسعار السلع الأساسية إلى الارتفاع خصوصا إذا زادت الأمور تعقيدا في الشرق الأوسط وأوكرانيا. وقد يؤدي ازدياد العجز المالي أو زيادة العزوف عن المخاطرة إلى رفع أسعار الفائدة طويلة الأجل وزيادة التشدد النقدي. أما على الجانب الإيجابي، فقد يرتفع النمو العالمي إذا أدت مفاوضات التجارة إلى إطار عمل يمكن التنبؤ به وإلى انخفاض التعريفات الجمركية. ويجب أن تُعزز السياسات الاقتصادية العالمية الثقة والقدرة على التنبؤ والاستدامة من خلال تهدئة التوترات، والحفاظ على استقرار الأسعار والاستقرار المالي، واستعادة المرونة المالية، وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي تشتد الحاجة إليها. وتخضع كل هذه التوقعات لنسبة مرتفعة جدا من عدم اليقين. ونظرا لأن صادرات الدول العربية إلى العالم تتكون أساسا من الوقود التقليدي والمواد الأولية، فإن انخفاض الطلب العالمي من شأنه تخفيض أسعار هذه الصادرات، ومن ثم تراجع إيرادات الحكومات، الأمر الذي ينعكس سلبا على الإنفاق المحلي ومشاريع الاستثمار. ومن الملاحظ على سبيل المثال أن تراجع أسعار النفط أدى إلى انخفاض أرباح شركة أرامكو السعودية، وانخفاض إيرادات الحكومة، وذلك على الرغم من أن صادرات النفط لا تخضع للزيادة في الرسوم الجمركية طبقا لقرار ترامب.
ويقرر صندوق النقد الدولي بعد مراجعة توقعات النمو على ضوء تأثير زيادة الرسوم الجمركية الأمريكية أنه يجب على الدول العربية إدراك الآثار المتنوعة، والمتناقضة أحيانًا، لتصعيد التعريفات الجمركية الأمريكية؛ فقد يستفيد بعضها من تحسين القدرة التنافسية، بينما قد يواجه البعض الآخر خسائر تصديرية مباشرة أو ضغوطًا مالية نتيجة انخفاض أسعار الطاقة المرتبط بضعف الطلب في الصين والهند. وأوصى الصندوق بتعميق التكامل الإقليمي لتعزيز المرونة، والقدرة على مواجهة تصاعد الحمائية العالمية. وتضمن تقرير صندوق النقد الدولي عن مراجعة توقعات النمو، دعوة الدول العربية إلى تسريع التكامل الإقليمي في أطر عمل مثل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، والاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون الخليجي، واتفاقية أغادير، ما يعزز القدرة التفاوضية الجماعية والتجارة البينية لامتصاص الصدمات الخارجية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية