تخييل الأندلس: التاريخ الملتبس الذي أعادت مُخيلة الأدباء بناءه!

تاريخ جديد

خلال ازدهار التاريخ الثقافي منذ مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، وسع الأدباء والنقاد ومُؤرخو الثقافة دائرة عمل الحقل التاريخي بفضل مقارباتهم المعرفية المختلفة، بما فيها الأنثروبولوجيا والتحليل النفسي والنقد الأدبي، مبرزين أن التاريخ يمكن أن يحتضن مقاطع تخييلية. فإن كان التاريخ يطالب بالأصالة والصدق، أو الرغبة في أن يكون موضوعيا بالقياس إلى الماضي، غير أنه من السخف أن ندعي أن المؤرخين كانوا محايدين، فمعظم من يسرد التاريخ لا مندوحة من أن يستخدم التقنية السردية في كتاباته، ويتمثل الواقع والماضي عبر وسيط الكلمات؛ أي اللغة بما هي نسق «قابل للانهيار». فالمشتغل بالتاريخ يلجأ بدوره إلى المجاز (الاستعارة، الكناية، المجاز المرسل، السخرية) لإعادة بناء أحداث الماضي، ويظهر عبر المظهر البلاغي لخطابه، أنه لا يصف ما جرى وحسب، بل كذلك يبنيه بطريقته الخاصة. بموازاة هذا الوعي الجديد، ازداد الميل إلى بالكتابة البيوغرافية، التي اهتمت بسير الناس العاديين، وانزاحت إلى قدر من الخيال لإعادة تمثيل أحداث الماضي، بما في ذلك «التاريخ الجديد» الذي دعا إليه جاك لوغوف وهو يتساءل: «أليس لتاريخ الفرد العادي دلالته ودراميته، مثل تاريخ العظماء؟ أليس لتاريخ اللباس وهيئة اللباس وطريقة الأكل جاذبية أكثر من تاريخ المعارك والاجتماعات الدولية، والجدل البرلماني والحملات الانتخابية؟». وعلى شاكلة هذا التاريخ، يمكن أن نذكر «التاريخ من أسفل»، و«التاريخ المجهري»، و«التاريخ اليومي» وغير ذلك. كما يتحدث بيير بورديو عما يسميه بـ«الوهم السيري» الذي يُترجم عن نفسه داخل المعرفة السوسيولوجية، بدعوى أنه يوجد داخل الحياة أشخاصٌ عديدون، ويوجد لدى كل شخص تواريخ عديدة وحيوات ممكنة، داعيا إلى تجاوز التعارض بين الموضوعية والذاتية عبر محكيات الحياة.

تخييل سرديات الأندلس

لم تكُف الأندلس عن مناداة الشعراء والأدباء والمفكرين إليها؛ إلى جنانها المعلقة في الذاكرة وشجرة التاريخ، بطرق وتآويل متعددة. فقد شكلت الأندلس خلال الحكم الإسلامي ما بين القرنين الثامن والخامس عشر للميلاد (711- 1492م)، أي منذ ما سمي بالفتح الإسلامي للأندلس، إلى سقوط غرناطة آخر ممالك المسلمين، صورةَ “الفردوس” الذي ازدهر ثُم ضاع وصار أثرا بعد عين، ليس فقط في المخيلة العربية، بل لدى الكثير من الكتاب والفنانين الأوروبيين. يحتفظ المخيال التاريخي الإنساني للأندلس ذكرى مكان شبه أسطوري عاش فيه الناس بعقائدهم وأحلامهم ومشاريعهم، في سلام. وظل لهذه الذكرى تأثير دائم على الخيال الأدبي والفكر الإنساني، منذ بدايات الشعر العربي في الأندلس إلى العصر الحديث حيث ألهمت، برمزيتها وإحالاتها الحضارية والثقافية الكثيفة، عوالمَ الأدب وفن العمارة والرسم والسينما والموسيقى، مثلما شغلت أطاريح الدراسات الأندلسية الأكاديمية التي تتناول تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية وحضارتها وهجراتها.
تحت الظلال الكثيفة لتلك الذكرى، تَخيل الأدباء العرب المكانَ الأندلسي، ونسجوا مع عناصره المتنوعة من مدن، شخصيات، مآثر، عادات، فنون، علاقات مغايرة ومُحينة تتجاوز ما هو معطى وتاريخي، إلى ما هو رمزي وسياسي يصل ما انقطع في التاريخ، ويثري الذاكرة بأبعاد جديدة وأسئلة مركبة يستثيرها عالمُ الحاضر، ولاسيما من الذين تذرعوا بأنهم “موريسكيون” قادهم الحنين لينوبوا عمنِ أُجْبِروا على إخفاء هوياتهم، ويواصلوا سرد مقاطع الحكاية القديمة عبر شخوصهم المُتخيلة في فضاء السرد كما الشعر، في مسعى لفهم ما حدث، وتأويله ضمن الواقع المعاصر.
ففي فضاء السرد، كثيرةٌ هي الروايات العربية، التي عالجت الأندلس بين سردية الازدهار والتعايش في مجموع تمثيلاتها، وسردية الانهيار والسقوط، التي طغت على نظيرتها وكشفت مظاهر المأساة وما نتج عنها من قمع وتعذيب وطرد قسري جماعي سنة 1609. وهكذا بات الروائيون المعاصرون (رضوى عاشور، سالم حميش، أحمد التوفيق، واسيني الأعرج، هاني نقشبندي، ربيع جابر، حسن أوريد، عبد الإله بن عرفة، سعيد العلام، إلخ)، يستلهمون موادهم السردية من الأندلس في تاريخها وشخصياتها وأحداثها ومدنها، وفي مراحل ازدهارها وانحطاطها وأفولها، بل صنعوا من عناصرها التاريخية والمادية مصدرا تخييليا يعيدون على ضوئه ابتكار سردياتهم البديلة والخاصة التي تتخطى منطق الوثيقة التاريخية أو السجل المُدون الذي عملت عليه الرواية التاريخية ابتداء من أعمال جورجي زيدان («فتح الأندلس أو طارق بن زياد»، «فتاة القيروان»، و«عبدالرحمن الناصر»، تمثيلا) التي تدخل ضمن مشروعه المعروف بـ«روايات تاريخ الإسلام»، بقدر ما تنفتح على رهان تخييلي وجمالي جديد يقلب مواجع الحقبة الأندلسية ويتفاعل معها، باعتبارها مرجعا أساسيا يمكن أن يجيب عن مشكلات واقعهم وحضارتهم المستجدة في العقود الثلاثة الأخيرة؛ وهذا يعني أن مثل هذه السرديات تقدم جوانب مختلفة لم تكن مطروقة من قبل، ويمكن أن تملأ الثغرات التي حجبتها مصداقية التاريخ وتحيزاته الأيديولوجية ذات المنحى الكولونيالي، وبالتالي تذهب إلى تحرير التاريخ من سلطة الصورة النوستالجية التقديسية، أو إعادة كتابته بعد التخريب الذي تَعرض له “الأرشيف الذهني” من طرف ديوان التفتيش، عبر منظور استكشافي ونقدي مُفكر فيه.

أندلس الشعراء

في فضاء الشعر، بقيت الأندلس، بدءا من “نونية” أبي البقاء الرندي (1204 – 1285) إلى العصر الحديث، مصدر إلهام الشعراء ومرآة أحزانهم وأشواقهم إلى ذلك المكان شبه الأسطوري. استوحاها أحمد شوقي في بعض أندلسياته كتلك التي عارض فيها نونية ابن زيدون (يا نائح الطلْح أشباهٌ عوادينا/ نَشْجى لواديك أم نأسى لوادينا)، وأطلق شعراء المهجر في البرازيل (فوزي المعلوف، إلياس فرحات، إلياس طعمة، الشاعر القروي، رشيد سليم الخوري) على ناديهم الأدبي اسم «العصبة الأندلسية»، مُتغنين بها ومتجاوبين مع صنيع مُوشحات شعرائها في سبيل تجديدهم الشعري. واستعاد رموز حركة الشعر الحديث صورة “الفردوس المفقود”، الذي أثار أحزانهم في منفاهم، أو خلال إقامتهم بإسبانيا؛ مثل نزار قباني وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وأدونيس وأحمد عبد المعطي حجازي، مثلما قدح شعورهم بضياع “وطن مستحيل”، بل ذكرهم بضياع فلسطين كما عند محمود درويش. وفي صميم تخييلهم لجرح الأندلس ومعاناتهم الذاتية، يستدعون شخصيات ورموزا تاريخية أندلسية (طارق بن زياد، صقر قريش، أبو عبد الله الصغير، إلخ) للدلالة على ماضي العرب المجيد في الأندلس، وما آل إليه من أفول، وعلى واقع الهزيمة والانحطاط الذين يعيشونه ويُمنون النفس لتجاوزه.
كما يحضر قناع غارسيا لوركا ابن غرناطة ورمز غنائيتها الجريحة الأنصع.
نتيجة القرب الجغرافي والذاكرة المشتركة وابتعاث «أدب الأندلس» في الفترة الحديثة داخل الوسطين الأكاديمي والثقافي، تحول الإرث الأندلسي لدى المغاربة إلى أحد الروافد الأساسية في تشكيل هويتهم الوطنية وآدابهم وفنونهم، فتعززت الثقافة الأندلسية في بلدهم وأصبحت جزءا لا يستهان به من فسيفساء تراثهم الجمالي والفني (موسيقى، عمارة، رسم، شعر، سرود) لدرجةٍ صار معها أندلسي الروح والهوى، خصوصا إذا علمنا أنه حتى قبل سقوط الإمارات الإسلامية كانت ثمة موجات هجرة/ تهجير جماعية للأندلسيين – الموريسكيين إلى العدوة الجنوبية، ولم تنقطع طوال قرون.
في أشعار المغاربة ثمة أندلس، أكثر من أندلس يستعيدونها ويستلهمون منها عناصر الجمال والبوح الذاتي وفتنة الصور بشكلٍ محسوسٍ يُضْفي على المكان رمز السمو والسخاء الطبيعي، مثلما يوظفون أساليب وصورا وتقنيات تُمثل امتدادا لتقاليد التخييل الأندلسي في طابعه التوشيحي العارم. وفي الفترة الحديثة، تغلب على أشعارهم لهجة الأسى والحنين إلى ماضٍ بعيد، بحيث باتوا يستحضرون صورة الأندلس كـ”فردوس مفقود”، فيبكون ضياعها ويتغنون بمجدها الزائل، وأحيانا يحلمون ببعثها واستعادتها حضاريا، ويتخذونها مصدر إلهامٍ للمقاومة والاستنهاض كما عند شعراء السلفية والإصلاح الوطني؛ من أمثال عبد الله كنون وعلي الصقلي وحسن الطريبق وغيرهم؛ وهو ما كان يخلق تخييلا قائما على مُرددات بلاغة النوستالجيا. لكن وجدنا عند بعض الشعراء المتأخرين؛ من أمثال عبد الكريم الطبال، ومحمد الطوبي ومحمد بنيس، وغيرهم، كيف خفتْ هذه اللهجة وأخذت تتلفعُ بلبوس فلسفي وأنطولوجي يُحدث في لاوعي الذات وكتابتها الشعرية شعورا بزوال الحضارات وعبثية الزمن وخذلان الحاضر، مثلما يضفي على استدعاء الرموز التاريخية والحضارية (عبد الرحمن الداخل، المعتمد بن عباد، ابن زيدون، ولادة بنت المستكفي، لسان الدين بن الخطيب، ابن عربي، ابن حزم، قصر الحمراء، غرناطة، قرطبة)، بُعْدا لا زمنيا يعبر عن تخييل رمزي لواقع عربي مأزوم، ولأفق بلا حُرية. وقد تتجسدن الأندلس بوصفه رغبة في استعادة بهاء اللحظة، وعطشا دائما، وتوقا صوفيا إلى وصل ما انقطع واغتنام مائدته المجنحة.
من أندلس إلى أندلس، لا تزال لغةُ الشعر قادرة على الكشف، وهي تبني طريقة مبتكرة لتخييل الأندلس، مستوحاة في الأصل من حاضرها: أندلس المُوشحات، والموسيقى والغناء، والزخارف والنقوش، ونداء الأعالي. وكذلك أندلس الوعد الذي تهفو له الذات الشاعرة، فيما هو يضيء، من عطشٍ في إثر عطش، تلك السبل المتعرجة والممكنة التي تُجاهِدها بِـرُوحٍ صوفيةٍ لبلوغ الـ”هناك”، على نحو ما صدع به الشاعر الفلسطيني محمود درويش ذات جُرْحٍ فاغرٍ فاهُ:
“هَلْ كَانَتِ الأَندلس
هَهُنا أَمْ هُنَاكَ؟ عَلى الأَرضِ… أَمْ في الْقَصيدَة؟”.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية