وصلت العيادة متأخراً عن موعدي ساعة كاملة فوجدتها مزدحمة. ارتديت الثوب الأبيض على عجل، ثم جلست إلى مكتبي. لاحظت وجود مغلف أبيض. استفسرت عنه فأخبرتني السكرتيرة أن شاباً قد أحضره قبل قليل. لم يكن هناك وقت لاطلع على مضمونه لأني باشرت بفحص المرضى فوراً.
كان المريض الأول بدوياً طويل القامة يرتدي كلابية بنية و فوقها جاكيت و يغطي رأسه بشماخ. ورد في بطاقته أن عمره 62 عاماً. يسكن البادية شرقي مدينة سلمية. بدا قوي البنية يمشي بثبات على الأرض. سألته عن شكايته. فأجابت زوجته، التي تحمل بيدها حقيبة متوسطة الحجم. أنه يشكو من ساقه. طلبتُ منه أن يصعد إلى سرير الفحص ففعل. عندما رفع الكلابية فوجئت بوجود طرف صناعي بدل الساق اليسرى. كان الطرف الأيسر مبتور لكن مشيته الثابتة على الأرض لا توحي بذلك قط. أما الساق اليمنى التي يشكو منها فيغطيها ضماد. فتحت السيدة حقيبتها. أخرجت مقصاً جراحياً قصت به الضماد باحترافية. فبانت تحته قرحة كبيرة .
انفجر به لغم مضاد للأفراد قبل ثلاث سنوات و هو يرعى الأغنام في منطقة معرة النعمان. أسعفوه إلى أحد المشافي فبتر الجراح الطرف الأيسر أسفل الركبة، و رمم بنجاح عظام الساق اليمنى بالجبائر و جلدها بالطعوم. لكن الجلد لم يتعاف بكل تام بل بقي متقرحاً حتى الآن. فحصتُ الساق و قررت طريقة المعالجة. عدت إلى مكتبي. شرحت لهم طريقة العلاج، فقد استبدلت المعقم بآخر يجفف الآفة بشكل أكبر، و أبدلت الصاد الحيوي بصاد من زمرة أخرى. خلال ذلك كانت زوجته تسأل أسئلة غاية في الدقة عن طريقة التعقيم و الضماد و مواعيد الدواء. أخيراً حددت موعداً للمراجعة بعد أسبوعين.
بدأت الزوجة بإعادة تضميد الساق. أدركت أن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً و ليس هناك وسيلة أخرى فسلّمت بالأمر. أخرجت السيدة من حقيبتها، التي بدت كأنها عدة مشفى ميداني صغير. أخرجت كفاً جراحياً معقماً ارتدته بحرفية. فتحتُ المغلف أمامي فوجدته دعوة لندوة تقيمها منظمة مجتمع مدني تعمل في مجال إعادة تأهيل مصابي الحروب. أخرجت السيدة كيس سيروم مالح و بدأت تغسل الجرح به دون أن تلوث الأرض فقد وضعت سلة المهملات على الأرض أسفل الساق. كان موعد الدعوة يوم الخميس القادم في فندق أفاميا الشام. طلب منها زوجها أن تُسرع لأن العيادة مزدحمة. لكني طلبتُ منه أن يتركها تنهي عملها كما تريد. قلت :
لا بأس يستطيع المرضى الانتظار خمس دقائق إضافية.
تفرغت لمراقبة تفاصيل عملها. انتهت من تنظيف القرحة بالسيروم المالح، ثم عقمتها بالمعقم اليودي. بعدها وضعت المرهم المرمم للجلد فوق القرحة. ثم غطت كل ذلك بطبقة من الضماد. كانت تعمل بهدوء و حنان. سألت:
منذ متى تزوجتما ؟
ردّت هي أن ذلك حدث ربما قبل عشرين أو ثلاثين سنة لم أعد أذكر. إذاً لا احتفالات بعيد الزواج. هما لا يذكران في أي سنة تزوجا حتى يتذكران يوم الزواج. تابعت لف الرباط بهدوء كي تثبت الضماد. كان مستسلماً بين يديها مكتفياً بمراقبتها كما أفعل دون أن يتدخل بعملها. خاطبت الرجل ممازحاً:
يبدو أنكما تزوجتما عن حب.
ابتسم الرجل. أما هي فقد احمر وجهها. شرحتُ أن ذلك واضح من عنايتها به. فأجابت كي تداري خجلها:
أنا اعتني به لأنه يغضب بسرعة.
أكد الرجل أنه عصبي المزاج. و أردف :
لذلك تتعامل معي هكذا.
ابتسمت و رددت عليه:
هي ترعاك بلطف و حنان لأنها تحبك.
وصفته بشدة المراس يعامل أولاده بقسوة. أكمل الرجل أن لديه تسعة ذكور يسكنون قربه. و لا أسمح لأحد أن يؤذي الآخر. قبل سنتين تشاجر أصغرهم مع الكبير. شتمه و حاول ضربه فطردته خارج البيت. غاب عدة أشهر و عاد ليُقبل يدي و يطلب الصفح. فطلبت منه أن يعتذر لأخيه و يطلب منه السماح، ففعل.
سألته كيف يقضي وقته ؟ فابتسم الرجل و شرح لي أنه عاد لحياته الطبيعية. فهو يقود السيارة. و يفلح الأرض بالجرار الزراعي، و يذهب بالغنم إلى المراعي بعد أن حصل على الطرف الصناعي. أكبرت فيه هذه الهمة العالية.
عادت الزوجة للسؤال عن تفاصيل صغيرة في العلاج و عن الوقت المتوقع للشفاء. فشرحت لها كل شيء من جديد. و دعوني و غادروا. سجلتُ تفاصيل العلاج على الكمبيوتر. نظرت إلى بطاقة الدعوة إلى ندوة منظمة المجتمع المدني من جديد فوجدت موضوعها عن « تأهيل ضحايا الألغام الفردية و إعادة دمجهم بالمجتمع» يشارك فيها خبراء دوليون و في نهايتها هناك حفل عشاء فاخر. كتبت في حقل أدوية المريض على الكمبيوتر أسماء الأدوية التي وصفتها له و تلك التي أحضرها معه. كدت أنسى أهم دواء أحضره المريض معه. هو « الحب» فكتبته.
ناولت السكرتيرة بطاقة الدعوة كي تتلفها . فلمحت جملة « عشاء فاخر». سألت مستغربة:
ألن تذهب ؟
أجبتها:
منذ قليل حضرتها ؟
اذهب إلى حفل العشاء.
أجبتها :
لقد بدأت الحمية من جديد.
و انهمكت بفحص مريض جديد.