يقول الشاعر والناقد هنري ميشونيك في حوار كنت ترجمته لـ«القدس العربي» منذ سنوات: «القصيد شكل حياة يغيّر اللغة، وشكل لغويّ يغيّر شكلا من أشكال الحياة. الروايات العظيمة يجري فيها الشعر هي أيضا… التوراة نصّ مثل أيّ نصّ، بخواصّه؛ ولكنّ هذا يصحّ على قصيد لليوباردي وكيتس وفيكتور هيغو أو أيّ آخر. والأمر يتعلّق بمبدأ القصيد، لا بهذا القصيد أو ذاك. والتوراة نصّ له خصوصيّته الشعريّة والثقافيّة بالتأكيد، لأنّه نصّ حمّال لديانات كثيرة. ولكنّ هذا مشكل الديني والديانات، تلك التي لا ينبغي الخلط بينها وبين العلاقات [التضمينيّة] الخاصّة بالقصيد. لتكن التوراة نصّا دينيّا، فهذا على ما أقدّر من سوء الحظّ؛ ولكنّ الأمر جرى هكذا تاريخيّا، ولا رادّ له». أستحضر هذا وأنا أعيد قراءة «المعنى الصحيح لإنجيل المسيح»، وهو عمل جماعيّ للهادي جطلاوي وعلي المخلّبي وضحى الخطيب وعفاف موقو؛ يضعنا في الصميم من شعريّة النصّ المقدّس، وما تثيره من قضايا شائكة عند المسيحيّين والمسلمين؛ مثل: مفهوم الوحي في الإنجيل والتوراة وكتب الأنبياء، وفي الإسلام، والتحريف والوحي الإلهي، وصورة المسيح المنتظر عند اليهود والمسيحيّين والمسلمين، فألقاب السيّد المسيح وعلاقته بالله، ومعنى عبارة «ابن الله» وروح الله (الروح القدس) ومفهوم المملكة الربّانيّة والفدية أو الفداء، فمفهوم الذبيحة عند المسلمين، فمذاهب اليهود وجماعاتهم على عهد عيسى، فالقرابة ومسألة «شعب الله المختار» وأتباع عيسى وحواريّوه، والنساء اللواتي كن حول المسيح، ومفهوم جماعة المؤمنين (الكنيسة) فالموعظة على الجبل وأمثال المسيح فالمسيح ومسألة الطهارة فالذبيحة الكاملة فوداعة المسيح، فمعنى حلول كلمة الله في جسد المسيح، فالعلاقة بين الإنجيل والتوراة، فأهميّة الأنساب في الإنجيل وتكامل سِيَر المسيح فيه. حتى إذا استتبّت لمؤلّفي هذا الجماعي، هذه المقدّمات، انتقلنا إلى النصّ المقدّس عند متّي ومرقس ولوقا ويوحنّا، فسيرة الحواريّين، فخرائط الشرق المتوسّط، وفلسطين ومدينة القدس وبيت الله المقدّس والحرم الشريف في عصر المسيح، ورحلات الحواري بولس للدعوة، ففهرس شروح لبعض المصطلحات والأسماء الواردة في الكتاب.
على أنّ ما يعنيني في هذا المقال، أنّ أمر النصّ الديني (التوراة ـ الإنجيل ـ القرآن، والنصوص البوذيّة…) من أمر الشعر. فهو لا يفقد شعريّته، ولا يستنزف ماءه، في الترجمة؛ كما يُقال عادة عن الترجمة.
وأقدّر أن هذا ما أفلح فيه مؤلّفو هذا الكتاب. فهم متحقّقون بأدواتهم وبموادّ نصّهم. ولذلك ظلّ هذا النصّ محتفظا بذلك البرق الذي تقدحه الاستعارة في ظلمات اللغة. أعني هذا النفق الذي لا نعرف كيف بدأ.. أو هذا البرق الذي يجمع الليل إلى الليل؛ وكأنْ لا نهار، والشتاء إلى الشتاء، وكأنْ لا صيف… والحبّ إلى الحبّ؛ وكأنْ لا إنسان… حتى لكأنّ هذا النصّ المقدّس المترجم هو «شعر الشعر» أو هو إذا استعرت عبارة الباقلاّني في إعجاز القرآن «السرّ اللطيف في نظم اللغة»، أو عبارة غوته «حالة محفوظة من الطفولة». وهذا كلّه أو أكثره، إنّما يجري في سياق يحفظ للنصّ على نثريّته، ما يمكن أن نسمّيه «الوعي الشعري»، بقدر ما يحفظ له شموليّته أو الانطباع الشارد عن الأشياء؛ وقد طواها النسيان. وهذا متوقّع في أيّ نصّ دينيّ مقدّس، مدار خطابه على المطلق، بما أنّه وحي حتى وإن تأدّى بلغة بشريّة.
على أنّ مفهوم الوحي في الإنجيل والتوراة وكتب الأنبياء، ليس هو نفسه في الإسلام؛ وإن كان يداخله من بعض الجوانب. من ذلك رسالة بطرس الثانية: «لأنّ ما من نبوءة على الإطلاق جاءت بإرادة إنسان، بل تكلّم أناس الله مسوقين من روح الله». ويستنتج المؤلّفون من ذلك أنّ الأنبياء يتلقّون كلمة الله، ثمّ يبلّغونها بواسطة لغتهم الخاصّة وأسلوبهم الخاصّ. و«لهذا السبب، يمكن الكلام على الكتاب المقدّس بما هو كلام الله وكلام البشر في الآن نفسه…». ولا نظنّ الأمر يجري على هذه الجادّة عند عامّة المسلمين، برغم أنّ هناك قضيّة هي من المسكوت عنه في القرآن، ونعني قضيّة الخطاب المنقول أو ما يسمّيه عبد القاهر الجرجاني «حكاية القول» أو «الإخبار عن القول». والمقصود بذلك الكلام المُسند في القرآن إلى غير الذات الإلهيّة.
ومثل هذا النّصّ «الوحي» كتابيّ حتّى وإن أعدّ شفهيّا أو ذهنيّا في صمت أي قبل أن يمليه صاحبه على الآخرين، وقبل أن تتدبّره الكتابة وتثبّته في صورة خطّية وتقيّده في هيئة بصريّة. ومن هذا المنظور فإنّ نصّ الوحي مثل الشّعر قول لا يسمع سمعا، بل يستغرق السّمع استغراقا. وفي هذا ما يدلّ على أنّه نصّ يمكن أن يحدّ من حيث هو أداء كتابيّ حتّى وإن جاء بصيغة صوتيّة غير مخطوطة. فهو نصّ «يملى»، وكلّما كان إملاء كانت كتابة. و«كاتب الوحي» إنّما يسّجل الوحي ويقيّده بالخطّ. فهو مدوّن أكثر منه مستمعا. وإذا كانت له مشاركة «شفهيّة» فهي مخالسة لا تعدو استيضاح لفظ أو معنى أو هيئة من هيئات التماسّ مع القول أو التعاطف المرتبط بهذا التماسّ اللّغويّ نفسه، وبخاصّة في نصّ كالإنجيل أو التوراة أو القرآن يتميز بإنشائيّته التي تفسح للمتقبّل من مجالات الخيال والتصّور، إذ يدخل عالما خياليّا بين السّامعين والواقع. هو ما اصطلح المسلمون على تسميته بـ«عالم الغيب»، مثلما يتميّز بإيقاعه اللّفظيّ الذي يستغرق سمع المتقبّل، ولكن دونما أيّ تدّخل منه في أسلوب الرّسالة أو في تركيبها.
إنّ نصّ الوحي يقارب القصيدة طالما كان المرسل هو المتكلّم، وينحو منحى المكتوب طالما كان المتكلّم ممايزا من المنشئ (الذّات الإلهيّة). وهو من ثمّة، نصّ محكوم بهيئة من التّأليف شبه شفويّة وهيئة من التّأليف كتابيّة أو شبه كتابيّة. ومن هذا الجانب فإنّ «التّأليف الشّفهيّ» في ثقافة كتابيّة أو هي عرفت الكتابة بنسبة أو بأخرى، لا يمكن إلاّ أن يختلف عن «قرينة» في ثقافة شفهيّة خالصة. والقرآن مثلا إنّما شدّ العرب بنوع كتابته وهم الذين حاروا فيه، والوحي قريب العهد إليهم، وتحيّروا، فمن قائل إنّه شعر أو سحر وقائل إنّه أساطير الأوّلين أو سجع الكهّان، وقائل ينزّهه عن هذا كلّه فما هو بالشّعر ولا بالسّحر ولا بالكهانة. وفي هذا الزّعم أو ذاك تسليم بأثر أساليب القرآن وبيانه في نفوسهم أي بما هو منضو إلى النوّع و«الحسن» و«الممتع» أو راجع إلى الوظيفة الشّعريّة أو الجماليّة أو إلى «الغريب» أوة»غير المتوقّع». وما كلامهم في مباحث الإعجاز، والوحي بعيد العهد عنهم، على «مفارقة القرآن لكلام العرب» و«خروج نظمه عن سائر نظومه» سوى تسليم بنوع من «بيان القلم» لم يكن للعرب به سابق عهد.
وبهذا النوّع من الكتابة استطاع النبي أن يجمع سلطان النّصّ إلى سلطان النبوّة الاجتماعيّ والسّياسيّ وأن يجعل العرب يعتقدون في اختلافه عنهم، وتميّزه عليهم فيحشدهم في طاعته وفي مراتب قيمه ونسيج نصّه. فلعلّ سلطان الكتابة كان راجعا، في جانب منه، إلى تطابق صريح بين سلطة النّبيّ السّياسيّة وسلطة المتخيّل وطرائق أدائه. ولا نعدم في مباحث الإعجاز لفتات طريفة إلى الأثر الّنفسيّ في أسلوب القرآن، حيث تطّرد عند علماء الإعجاز مثل الرّماني والخطابي والباقلاّني وعبد القاهر، مفردات مثل «اللّذة» و«الحلاوة» و«المهابة» و«الروعة» وما إليها من عبارات تتضافر في صياغة سلطة ذات «كاتبة» غير منظورة، تنفصل ـ وهي تتكلّم ـ عن العالم المتخيّل الذي تنشئه على قدر ما تتّصل به.
ومن هذا الجانب فإنّ الإنجيل شأنه شأن أيّ نصّ مقدّس يأخذ بالوظيفة الشّعريّة أو الجماليّة التي تحمل فضل معنى على أساس من التّأثير في البنية والنغميّة والأصوات والإيقاع والصّورة وما إليها ممّا يجعل الرّسالة أشدّ أثرا وأكثر إمتاعا قراءة أو سماعا. فلعل التّواشج بين الديني والشعريّ، وهو من المظاهر اللاّفتة في هذه النصوص الدينيّة، أن يكون محكوما بسلطة الكتابة الاجتماعيّة، خاصّة أنّه يوسّع من مجال التّخاطب، في المتخيّل الديني، ليشمل البشر والقوى أو الكائنات الغيبيّة معا. وهو تواشج يؤكّده التّقليد الذي جرى عليه المؤمنون، في حفظ نصوصهم المقدّسة المكتوبة واستظهارها. وهي من هذا الجانب مثل الشّعر الذي غالبا ما كان يقوم مقام الشّاهد أو الدّليل في التّخاطب الاجتماعيّ العامّ عند العرب خاصّة.
يعزّز هذا الكتاب مرّة أخرى الرأي القائل بأنّ الآصرة متينة بين النصّ الديني المقدّس والنصّ الشعريّ، وقد تنزّل منهم في الجاهليّة منزلة الدّين حتّى أنّهم كانوا لا ينشدونه إلاّ على وضوء (ابن سينا، أورده حازم، المنهاج ص.121) ـ ما جعله على تعاقب العصور يتخطّى الانقلابات الحاصلة في هيئة الشّعر زمانا ومكانا؛ ليبني هذا لحضور الزّمنيّ الكلّيّ، فيثبّت زائلا ويحوّل عابرا أو غابرا إلى «حال» أو «ديمومة»، شأنه شأن القرآن أو الإنجيل أو التوراة.
*كاتب من تونس