بين التهجير والتطبيع… المقاومة هي الطريق

حجم الخط
0

أيّاً يكن مقصد ترامب من تحويل ساحل غزة إلى ريفييرا جديدة، بوجود قوات أمريكية.. أيّاً يكن مقصد دونالد ترامب من دعوته المريبة الفلسطينيين في قطاع غزة للهجرة إلى مصر والأردن.. أيّاً يكن مقصد ترامب من قوله إنه سيبتُّ خلال بضعة أسابيع في طلب «إسرائيل» إعلان موافقته على ضمّ الضفة الغربية إلى كيانها.. أيّاً تكن رغبة ترامب في توليف صفقة قرنٍ جديدة بشأن قضية فلسطين تقلب قرارات مجلس الأمن الدولي، وأحكام القانون الدولي رأساً على عقب، ويكون من شأنها تسهيل ضمّ الضفة الغربية إلى كيان العدو وتصفية قضية فلسطين. أيّاً تكن طريقة ترامب في دعم حكومة بنيامين نتنياهو الإئتلافية لتفادي سقوطها المرتقب. أيّاً يكن طموح ترامب لاجتراح استراتيجية جديدة لتصفية القضية الفلسطينية بجعله تطبيع العلاقات بين السعودية و»إسرائيل» ثمناً لتفادي ضمّ قطاع غزة إلى كيان الاحتلال. سواء كان صحيحاً أمّ مجرد تخيّلات تعميم التطبيع الشامل بين العرب و»إسرائيل» ليكون طريقاً لتكوين قوة ثالثة رديفة للولايات المتحدة، تقف فاصلاً بين الصين وروسيا وإيران من جهة وعالم الإسلام ودول أفريقيا الغنية بالموارد والأسواق من جهة اخرى. سواء كان صحيحاً أمّ مجرد تكهّن أن يكون تطبيع العلاقات بين عالم العرب و»إسرائيل» بديلاً من تدمير منشآت برنامج إيران النووي والاكتفاء تالياً باتفاق جديد معها للحؤول دون امتلاكها سلاحاً نووياً.

يجدر بالنهضويين العرب أن يلتزموا خيار المقاومة ونهجها وأن يعوا دروس التاريخ وأهمها أن الغلبة تكون مهما طال الصراع، لمن يكون ميزان الإرادات في صفه وليس بالضرورة ميزان القوة

سواء كان صحيحاً أمّ مجرد تكهّنات تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، حول عدم قيام ترامب بعقد أيّ اجتماعات، أو إجراء أيّ مناقشات، أو استكشاف أيّ من الجوانب العملية أو القانونية لاقتراحه بشأن توليّ الولايات المتحدة ملكية قطاع غزة لقاء تحويله ريفييرا جديدة، سواء كان صحيحاً أم مجرد رواية صحافية، أن إيفاد ترامب مبعوثته إلى لبنان مورغان أورتاغوس لمقابلة الرئيس جوزيف عون ومصافحته، وفي إحدى أصابع يدها اليمنى خاتم نجمة داود التوراتي، ولتعقد لاحقاً مؤتمراً صحافياً في مقر الرئاسة، تعلن فيه بلهجة حارة امتنانها لـ»إسرائيل» لأنها هزمت حزب الله، ثم لا تلبث ان تُصدر أمراً بعدم جواز مشاركة الحزب في الحكومة الجديدة، بأي شكل من الأشكال، مشيرةً إلى «أننا نأمل انتهاء نفوذه في لبنان بعدما انتهى عهد إرهاب الحزب في لبنان والعالم».
سواء كانت رواية صحيحة أم مجرد تكهنٍ، بأن إيفاد هذه المبعوثة الاستفزازية كان بقصد استفزاز حزب الله لحمله وحلفائه على التمسك بمشاركته في الحكومة الجديدة من جهة، والتهديد بعودته إلى القتال من جهةٍ أخرى في حال لم تنسحب «إسرائيل» من القرى الحدودية التي دخلتها بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار، فيكون ذلك ذريعة لكيان الاحتلال لمعاودة حربه التوسعية في لبنان. أيّاً تكن الحقيقة المضمرة أو الثابتة من وراء هذه التصريحات والتصرفات والإشارات، فإن من واجب القوى الوطنية النهضوية في عالم العرب، لاسيما في فلسطين ولبنان والعراق والأردن ومصر، ألاّ تعوّل على ما يُطلق على ترامب من ألقاب وصفات وتوصيفات من طراز مجنون ومغرور ومتقلّب ومحترف إثارة ومبالغات لاجتذاب الأضواء، نعم يجب عدم التعويل على مثل هذه الأقاويل والإيحاءات بأنه سيستعيد وعيه وتقديره للواقع، ولن يتوخّى إلاّ مصالح بلاده، التي لا تتوافر إلاّ في الدول العربية بالدرجة الأولى. ولا يغرينكم ردود الفعل السلبية الشاملة التي صدرت عن غالبية دول العالم وحتى عن حلفاء الولايات المتحدة نفسها في حلف شمال الأطلسي، ضد تصريحات ترامب وشطحاته الجنونية، ذلك أن للرجل مخططاً كبيراً لـ»جعل أمريكا دولةً عظيمة مرةً اخرى» ينطوي على تحركات سياسية وترتيباتٍ اقتصادية وربما حروب إقليمية لتطويق ومحاصرة والحدّ من نفوذ التحالف الضمني بين الصين وروسيا وإيران. نعم، يتوجب على النهضويين العرب، وفي مقدمهم قوى المقاومة الناهضة بخيار التحرير ونهجه، أن يأخذوا على محمل الجدّ كل ما يتفوّه به ترامب ونتنياهو ومن هم على شاكلتهما ضد خصوم سطوة الجنس الأبيض وضد المنادين بالحرية والعدالة وحقوق الإنسان ومساواة المواطنين أمام القانون.
يجدر بالنهضويين العرب أن يلتزموا خيار المقاومة ونهجها وأن يحرصوا، طالما هم قادرون، على البقاء في حال اشتبــاكٍ مع الصهاينة، وأن يعوا دروس التاريخ وأهمها أن الغلبة تكون مهما طال الصراع، لمن يكون ميزان الإرادات في صفه وليس بالضرورة ميزان القوة، أليس هذا ما تحقق على أيدي مقاومي الاستعمار والهيمنة في فيتنام والجزائر وكوبا وإيران؟ ألم يكن ميزان الإرادات هو الأقوى والمنتصر في مشرق العرب بعد طوفان الأقصى في فلسطين وبطولة أهل المقاومة في جنوب لبنان الذين تمكّنوا طوال ستين يوماً من التصدي لثلاثة فرق إسرائيلية (نحو أربعين ألف جندي) ومنعها من دخول أيّ من القرى الحدودية اللبنانية قبل إعلان اتفاق وقف إطلاق النار؟
إن الثبات في المقاومة الميدانية والمدنية هو تعبير ساطع عن تصاعد مفاعيل الصحوة التي فجّرتها وأشاعتها المقاومة الصلبة في كلٍّ من فلسطين ولبنان، وأنها ستبقى شرطاً لامتدادها المرتقب إلى سائر بلاد العرب.
كاتب لبناني
issam.naaman@hotmail.com

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية