«بلاد الطاخ طاخ» مجموعة قصص العراقية إنعام كجه جي: وقائع تنحاز إلى الكلمة في مواجهة السلطة

صابر رشدي
حجم الخط
0

غالباً ما تتحول الغربة إلى عدسة كاشفة لدى المبدع المهموم بقضايا وطنه، رغم ابتعاده عنه، فهي ليست مجرد خلفية حياتية؛ بقدر ما هي مكون وجودي، يتغلغل في أعماقه ولا يفارقه، فالوطن لا يغادره، ولا يعني ابتعاده عنه ابتعاداً معرفياً أو عاطفياً، أما الهوية فهي أرقٌ يحياه ليل نهار، منشغلاً بقضاياه وأزماته التي لا تعرف الانتهاء.
من هناك، من تلك الأوطان البديلة، التي لا تعوض الفقد، مهما كانت قوة حضارتها ورغد العيش فيها. ربما كانت الفائدة الحقيقية النابعة من هذا المنفى القسري، أو الاختياري، هو إنتاج إبداع أكثر حرية، يعتمد تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، التي تمنح الكتابة قوة بارتكازها على الروح النقدية، لإعادة تشكيل الواقع، بدون لجوء إلى المراوغة، أو ستائر دخان من الرمزية الكثيفة للتعمية على الأشياء. الكاتب هنا ليس بمعزل عن وطنه، ولكنه يمتلك مساحة تعبيرية أكبر من نظيره الموجود بالداخل، ورؤية أعمق، محكومة بالحنين والنقد البناء نتيجة وضعه الفريد. فهناك من يراهن على كاتب الخارج، وعلى ضميره في كشف جَور وعَوار سلطة الداخل، في ظل تآكل الحريات وانعدام الديمقراطية وتحريم تداول السلطة، إلا بالدم والانقلابات.
إذن، فالغربة هنا لا تمثل انقطاعاً للكاتب عن بلاده، بل اتصالاً أعمق، فهو يرى الصورة كاملة، في شموليتها، وعلى نحو أكثر دقة، يتابع جيداً التشققات، وبنية القهر والفساد، يستمع إلى الصراخ الناتج عن آليات القهر، غير محكوم بالخوف في موقعه المحصن، مدفوعاً بوازع أخلاقي تجاه الحقيقة.
من هنا يغلب على تلك التجارب النضج والإثارة السياسية، جراء هذه الأسباب. ولدينا بالفعل، أسماء استطاعت أن تستفيد من وضعية الهجرة أو المنفى، وصنفت أعمالاً لافتة ومثيرة للاهتمام مثل المغربي الطاهر بن جلون والليبي هشام مطر وآخرين. لقد أضاف المنفى إلى تلك النصوص صوتاً أعلى، مسموعاً على نطاق واسع، من خلال هذه الفضاءات التي تضفي بعداً سياسياً، تشعر معه أن هذه الكتابات ليست ترفاً سردياً لتزجية أوقات الفراغ، أو ألعاباً تجريبية تعتمد على الخيال فقط. فهي تحاول الدفاع عن مجتمعات مغلقة، تضج بالأسئلة المحرمة، والخوف من البطش، لذا اضطلع بعضهم بواجب تبنى قضايا لا يستطيع كاتب الداخل التصدي لها.
في المجموعة القصصية «بلاد الطاخ طاخ» للكاتبة العراقية إنعام كجه جي، نجد هذا الميل إلى اجتراح الهموم القومية، والتعامل معها برفق، ونبرة تجنح إلى الأسى، عندما يكون الحديث عن العراق العظيم، وما آل إليه من انحدار سريع تحت وطأة الديكتاتورية، والحروب، والأزمات الإنسانية، عبر سطور تبطن الحزن والألم وهي تلقي الضوء على الواقع الجديد، في محاولة لتجسيده بتلك الروح المشفقة، لا من موقع المساءلة والانتقاد العنيف؛ فالوعي النقدي لا يقتصر على السياسي فقط، بل يذهب إلى كثير من البنى الثقافية والاجتماعية الأخرى.
كتلك الأحداث التي نطالعها في قصة «عارية في الوزيرية»، التي تُحكى على لسان زوجة فرنسية لفنان تشكيلي عراقي، متخذة دور الراوي الشاهد، المشارك في بطولة النص، بضمير المتكلم، ليحمل في النهاية وجهة نظرها، التي قد تكون قناعاً للكاتبة، تتخفى وراءه، مستبدلة بعينيها عينين أُخريين. إنها قصة لا تعتمد على الكليشيهات، فلا شيء هناك، في العراق، يحتاج إلى التزييف أو التمويه من أجل الإشارة إليه، كل الأحداث، كل التغييرات عاينها، وعانى منها الجميع. تبدأ القصة من تلك اللحظة التي تقرر فيها السيدة الفرنسية حجز تذكرة سفر إلى بغداد، من أجل دفن رماد زوجها في المقبرة الإنكليزية بحي الوزيرية، حسب وصية الرجل بإحراق جثته بعد الوفاة عندما شعر بدنو الأجل. لنتابع معها التغييرات الدراماتيكية التي أصابت هذا الوطن، الذي غادره، بعدما تم فصله من أكاديمية الفنون وسجنه في الأقبية، لأنه نحت تمثالاً للرئيس بعينين غير متناسقتين يهرب بعدها ليعيش ويتزوج في باريس ويموت فيها.
تصف الراوية اللقاء الأول والتعارف: «شاهدته واقفاً كالمأخوذ يتأمل لوحة في مركز بومبيدو. نظر لي ونظرت له. تفاهمنا ببضع إشارات والكثير من هزات الرأس. خاطبته بفرنسيتي التي صقلتها دراسة الأدب في السوربون ورد عليَّ بتلعثمه»، لتبني سردية على نحو أقرب إلى التكتيك الروائي، يجذب المتلقي إلى متابعة الحكاية، لنذهب معها إلى المتوالية العراقية التي يكشفها النص من خلال فقرات شديدة الإحكام، كأننا إزاء عرض فني لحالة مجتمعية مستحدثة. المشكلة الأولى كانت «دلة الرماد»، صعوبة تمريرها من مطار عَمَّان، ثم الاصطدام بالوازع الديني في بغداد عندما استقبلها وزير الثقافة وعرف مطلبها، حوقل الرجل واستعاذ من الشيطان الرجيم وقال لها: «نحن مسلمون ولسنا هندوساً، وحرق الميت حرام. خذي هذا الشيء من هنا، يا مدام، أرجوك».
لترفع الدلة كأنها جمرة خبيثة أو مخدرات، بينما الوزير ينصحها متأففاً بالعودة إلى بلدها.

لماذا؟

هذا ما تسعى إليه الكاتبة، وتود الإشارة إليه، عن طريق إضاءة هذه المستجدات: الفوضى تضرب بعنف في كل مكان، والقتل والاغتيالات يحدثان ببساطة، لنعلم أن هناك بلداً يفتقر مواطنوه إلى الأمان. لنستكمل القصة في محاورات دينية، وأفكار طارئة، ومحاولات بوليسية لدفن رماد الفنان بطريقة مبتكرة، ومدهشة بواسطة تلاميذه وتلميذاته، وخيال الكاتبة.
في قصة «بلاد الطاخ طاخ» نذهب إلى وجه آخر من وجوه السياسة، من القمة تحديداً، من أعلى تجلياتها، الديكتاتور نفسه، لكننا أمام تمثال له في متحف الشمع، أراد أن يتحرر من أسر الزمان والمكان، ومن وضعية الثبات، والسكون، التي جعلته محنطاً في قالب شمعي بالحجم الطبيعي، بملامحه الصارمة التي لا تعرف الابتسام، والتي توهِم الزائرين بأنه ما زال حياً. إنه يريد التحرر من هذه الوقفة الأبدية برشوة الحارس لإنقاذه من هذا المصير. هذا الذي يعرفه الجميع حتى لو لم تشأ المؤلفة ذكر اسمه في ثنايا النص، مفضلة الوصف المستفيض، حتى لا يحدث الالتباس أو تتشابه الصفات مع ديكتاتور آخر:
«عاش حياته كلها متمرداً. تحدى من هو أقوى منه. هرب من بيت العائلة وذاق التشرد. ناضل واغتال وطُورِد وانقلب وأَعدم وجلس على سدّة الحكم. ديكتاتور؟ ثم ماذا؟ الحاكم الضعيف هو من لا يتدكتر. وهو لم يكن ضعيفاً، لم يحترم في حياته سوى المستبدين. حارب وواجه قوى عظمى. داورهم وتحايل عليهم وتغلبوا عليه. طاردوه وأمسكوا به. اعتقلوه. سجنوه. حاكموه. شنقوه وجعلوا منه أسطورة. وها هم يجعلون منه دمية شمعية بالحجم الطبيعي.»
إذن، من هو هذا البطل التراجيدي، بطل المأساة العراقية الحديثة؟
لا يحتاج السؤال إلى طرحه بهذه الصيغة بعد هذا الوصف الشامل، المكثف، الذي اختصر الرجل في عدد قليل من الكلمات.
إنه يريد العودة إلى الحياة مجدداً، مقابل أي شيء. وعد الحارس بمنحه تحويلاً من حسابه في سويسرا، عن طريق أنصاره الذين ما زالوا يديرون أمواله.
تذهب الكاتبة بعيداً في هذا النص تحديداً، إنها لا تتعامل مع التمثال كشيء خامد، بلا روح، قابل للذوبان في أي لحظة، لكنها تأخذنا في جولة سريعة مع شخصية بالغة التعقيد، تتقاطع فيها كثير من الرموز اعتماداً على الذاكرة، شخصية غير قابلة للتهميش، متمردة على وضعية الجمود. إنه يريد إعادة تمثيل دوره في الحياة، من خلال فيلم سينمائي، تصادف بدء تصويره في وقت تحرره من وضعية التمثال. يريد استعادة سرديته الخاصة، لإنقاذ تاريخه من المحو، فالمستبد يخشى التجاهل، والنسيان. يعتبرهما عقوبة قاتلة، فالفيلم إعادة امتلاك للتاريخ، دفاعاً ضد الصمت، وضد الإدانات. وربما، وبشكل رمزي، يعني استمرارية هذا النموذج في حياتنا كقدر مطلق لا يعرف الانتهاء. حتى لو صوره الأدب والفن كدرسٍ ينبغي ألَّا يعاد تمثيله، والاحتراس من تكرار تلك التجربة الملعونة. لكننا، على أي حال، نعلم أن التاريخ الحقيقي للمنطقة العربية هو ما يدوِّنه المنهزمون.
ما زلنا نعاين أحوال الديكتاتور في «بلاد الطاخ طاخ»، نشاهد صورة أخرى له، نراه يتجسد كشخص لطيف في قصة تحت عنوان «مسدس من ذهب»، حيث البطولة الوهمية تعود إلى شاعر متوسط الموهبة. لكن الشخصية المهيمنة على النص هي للطاغية، على الرغم، من عدم ذكر اسمه، كما عودتنا المؤلفة، وكأنها تستعيد هذا الخوف المصاحب لتلك الفترة، وتؤكد عليه عبر التكريس لهذه المشاعر، والتذكير بها مرة أخرى. استمع إلى مدخل القصة على لسان الشاعر، ودقق جيداً في صياغة الكلمات:
«نشف الدم في عروقي يوم استدعيت لمقابلته. وقد كان أهون عليَّ أن أقف بين يديْ خالقي يوم الحساب. مثقلاً بعظيم ذنوبي وفوادح خطاياي، من أن أتواجه مع الرئيس. قال إنه قرأ قصيدة لي أعجبته. وكان يحفظ الأسطر الأربعة الأولى منها. عربدت عصافير البهجة في صدري لكنني سرعان ما انتظرت الكارثة. هكذا هي الأمور مع الحكام الجبابرة. يغرونك بالعسل فتنتعش أناك وبعدها يقطعون لسانك».
يؤكد الشاعر مرة أخرى على اندهاشه، معترفاً بأن قصيدته عادية، ولا يمكن أن تلفت نظر قائد فذ، خالد ومحبوب ومبجل وفارس الفرسان وأمل الأمة، كما يصفه، قصيدة عبارة عن كلام مرسل مرَّ على خاطره في ليلة أسرف فيها في شرب العرق. لكن الأكثر مدعاة إلى الدهشة هو إعجاب السيد الرئيس بهذا النص العشوائي، والأفكار الطائشة، ومناقشته فيه. ثم أهداه في نهاية اللقاء مسدساً في حجم الكف، صغيرًا، ذهبيَّ اللون.
لا تنسدل ستارة النهاية هنا على القصة، بل كانت تلك هي البداية، لنواجه النقطة المركزية التي ستدور حولها المفارقات في النص القصير.

ماذا يفعل شاعر بمسدس؟

يتساءل الشاعر، ويعرف أن هذا السلاح لا يجوز بيعه، لكن زوج شقيقته، الموظف المثالي يذهب إليه للوقوف على حقيقة هذه الحكاية، وأيضاً لرؤية «الكذا» الذي هو المسدس، لكنهما لا يستطيعان نطق اسمه، فهو هدية الزعيم، «لأن للحيطان في بيوتنا آذاناً» كان التعامل مع المسدس تعاملاً ممسوساً بالقداسة. أخذه صهر الشاعر ليستخرج له رخصة، متفاخراً على رجال الأمن، الذين تسابقوا على خدمته.
هذا هو ظاهر النص. لكن يبدو عند إعادة القراءة أننا سنجد طبقة أخرى، مخفية تحت سطح الكلمات المباشرة، إنها قصة الديكتاتور لا الشاعر الذي يملك ناصية السرد، قصة السلطة المطلقة التي تحاول احتكار كل شيء حتى الإبداع، احتواء الكلمة، وتطويعها، ومكافأتها بهدية مشحونة بفيض من الدلالات والرموز، إخضاعها للاستملاك بواسطة أداة قتل، حتى لو كانت مسدساً ذهبياً. إنه تهديد ناعم، يعلن أن إعجاب المستبد أخطر من رفضه.
إنعام كجه جي: «بلاد الطاخ طاخ»
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2022
109 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية