لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعده ديفيد بيلينغ وهبة صالح قالا فيه إن عدد الأشخاص الذين يموتون جوعا كان في تراجع لعقود، وانخفض إلى الصفر تقريبا بسبب عالم لم يكن يتسامح مع رؤية الناس يموتون جوعا، لكن هذا لم يعد الحال.
ومن السودان إلى أفغانستان واليمن وغزة، حيث أعلنت لجنة مدعومة من الأمم المتحدة عن مجاعة يوم الجمعة، ويقول الخبراء إن المزيد من الناس يموتون جوعا مع تجاهل الرأي العام وفقدان الوكالات الإنسانية قدرتها على مواجهة القادة الذين يستخدمون الغذاء كسلاح.
ونقلت الصحيفة عن أليكس دي وال، خبير المجاعة والمدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي في كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس: “قبل حوالي عشر سنوات، بدأت المجاعات بالعودة، وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، شهدنا أعداد الذين يموتون جوعا تتزايد بشكل مرعب”.
ويعلل الخبراء ظهور المجاعة من جديد، بسبب ضعف الاستجابة الإنسانية التي أعاقها تراجع الالتزام بالتعددية وتقليص ميزانيات المساعدات.
وفي الآونة الأخيرة، تعطلت قدرة العالم حتى على إحصاء الوفيات الناجمة عن المجاعة بعد تعليق شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة الأمريكية في كانون الثاني/ يناير، كجزء من تخفيضات المساعدات الأمريكية الشاملة، والتي كانت في طليعة جمع بيانات المجاعة لعقود.
وفي غزة، وقف العالم عاجزا بينما منعت إسرائيل وكالات الإغاثة من إيصال ما يكفي من الغذاء إلى الجيب المحاصر الذي يبلغ عدد سكانه 2.1 مليون نسمة لدرء المجاعة.
وفرضت إسرائيل في آذار/ مارس حصارا شاملا على غزة، ومنعت جميع عمليات التسليم الإنسانية لمدة 10 أسابيع، فيما زعمت أنها استراتيجية لهزيمة حماس. ووسط إدانة دولية شديدة، واصلت إسرائيل تخفيف بعض القيود المفروضة على دخول الغذاء، لكن برنامج الغذاء العالمي قال إنه لا يزال “جزءا ضئيلا” مما هو مطلوب.
قالت لجنة مراقبة الأمن الغذائي المدعومة من الأمم المتحدة،، يوم الجمعة، إن المجاعة التي وصفتها بأنها “من صنع الإنسان بالكامل”، قد ترسخت حول مدينة غزة، وحذرت من أنها قد تنتشر في أماكن أخرى. وأضافت أن نصف مليون شخص يواجهون بالفعل “ظروفا كارثية تتسم بالجوع والعوز والموت”.
وقال دي وال: “حاولت إسرائيل إقناع العالم بأنها ليست مجاعة، لكنها دفعت غزة إلى مجاعة. الآن ستكون العواقب أشد فظاعة بكثير مما لو استمعوا إلى من كانوا يقولون إن هذا سيحدث”.
في السودان، حيث اندلعت الحرب قبل أكثر من عامين بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، كان الاهتمام العالمي أقل بكثير. ولكن من حيث الأرقام، فإن حجم المعاناة في البلاد يتجاوز حجم المعاناة في غزة.
أدى الصراع إلى نزوح 15 مليون شخص وتسبب في معاناة حوالي 25 مليون شخص، أي ما يقرب من نصف السكان، من فقدان الأمن الغذائي الحاد، وفقا لبرنامج الأغذية العالمي. وذكرت أن نحو 638 ألف شخص يعانون من “جوع كارثي”.
ومن بين ملايين الفارين مزارعون اضطروا إلى التخلي عن محاصيلهم أو عجزوا عن حصاد محاصيلهم المستقبلية، مما فاقم نقص الغذاء ورفع الأسعار إلى مستويات بعيدة عن متناول الكثيرين.
وقال توم فليتشر، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، التي قلصت أهدافها لجمع التبرعات: “لقد أكد المجتمع الدولي أننا سنحمي شعب السودان. على شعب السودان أن يسألنا عما إذا كنا سنبدأ في الوفاء بهذا الوعد، ومتى وكيف”.
وأعرب عن أسفه لنقص التمويل، وقال إن السودان أصبح “مثالا قاتما على قضيتين متلازمتين في هذه اللحظة: اللامبالاة والإفلات من العقاب”.
من بين أكثر الأوضاع يأسا، هي مدينة الفاشر، المدينة الوحيدة في دارفور بغرب السودان التي لا تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع. حاصرت ميليشيات قوات الدعم السريع ما يقرب من 750 ألف شخص، ومنعت دخول الإمدادات إلى المدينة ومنعت معظم الناس من المغادرة.
أعلنت الأمم المتحدة عن مجاعة في مخيم زمزم القريب العام الماضي. وصرح مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لجامعة ييل، والذي يرصد الصراع في السودان باستخدام صور الأقمار الصناعية، هذا الشهر بأن ظروفا شبيهة بالمجاعة قد وصلت الآن إلى الفاشر نفسها. وأضاف: “لجأ المدنيون إلى تناول الأمباز، وهو مُكمّل غذائي للحيوانات مصنوع من زيوت البذور المُخمّرة”.
يحدد التعريف الدقيق للمجاعة من خلال نظام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، والذي يعمل على مقياس من واحد إلى خمسة.
تصنف المجاعة -وهي خمسة على مقياس التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي- عندما يواجه خُمس الأسر على الأقل نقصا حادا في الغذاء، ويعاني 30% على الأقل من الأطفال من سوء تغذية حاد، ويموت اثنان من كل 10,000 بالغ يوميا إما جوعا مباشرا أو مرضا ناتجا عن سوء التغذية.
وقد جمعت جامعة تافتس قاعدة بيانات لجميع المجاعات الكبرى منذ عام 1876. ووجدت أن الوفيات الناجمة عن الجوع بلغت ذروتها في عام 1960، في ذروة قفزة ماو تسي تونغ العظيمة للأمام في الصين، حيث مات 36 مليون شخص بين عامي 1958 و1962، ويعزى ذلك إلى حد كبير إلى الرقابة المفروضة ومحاولة خاطئة كارثية لكل من تأميم الأملاك والتحول نحو الصناعة.
على الرغم من أن المجاعات حدثت بانتظام منذ ذلك الحين -على سبيل المثال في نيجيريا بين عامي 1968 و1970 خلال حرب بيافرا، وفي كمبوديا خلال نظام بول بوت بين عامي 1975 و1979، وفي إثيوبيا بين عامي 1983 و1985- إلا أن أعداد الوفيات خلال هذا القرن كانت تتراجع “إلى ما يقارب نقطة التلاشي” قبل العودة الأخيرة للمجاعات.
ويقول الخبراء إن ذلك ربما يعود إلى انتشار الديمقراطية خلال تلك الفترة. وقد كتب أمارتيا سين، الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، أن المجاعات لا يمكن أن تحدث عندما تكون المعلومات متداولة بحرية وعندما تستجيب الحكومات للمجتمع المدني.
إلا أن عودة المجاعة كما يقول الخبراء ترجع إلى عدة عوامل، بما في ذلك صعود قادة استبداديين أقل خضوعا للمساءلة الديمقراطية. فقد سعت إسرائيل إلى استبدال نظام توزيع المساعدات التابع للأمم المتحدة، والذي يتمتع بخبرة تمتد لعقود، بمؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من الولايات المتحدة، وهي مجموعة مثيرة للجدل تدير مراكز توزيع في مناطق عسكرية يحرسها مرتزقة أمريكيون والجيش الإسرائيلي.
منذ إطلاق مؤسسة غزة الإنسانية في أيار/ مايو، قتل مئات الفلسطينيين الذين كانوا يسعون إلى استلام الإمدادات من مراكزها الفوضوية على يد جنود إسرائيليين، ودعا خبراء الأمم المتحدة إلى تفكيك مؤسسة غزة الإنسانية على الفور.
وقال فرانشيسكو تشيتشي، الأستاذ في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، إن عكس مسار المجاعات بمجرد ظهورها “يصبح أشبه بقيادة ناقلة نفط عملاقة، تستغرق وقتا طويلا لتغيير مسارها أو إبطائها” و”إذا لم يحسن الأمن الغذائي بمجرد تسجيل ارتفاع متسارع في سوء التغذية لدى الأطفال، يمكن توقع ما شهدناه في بيئات أخرى، وهو ارتفاع في وفيات الأطفال بما يصل إلى 50 إلى 100 مرة عن ذي قبل”.
يقول الخبراء إن أقسى درس مستفاد من المجاعات السابقة هو أنها غالبا ما تُخلِّف ندوبا على المجتمعات لأجيال. فهي لا تقتل الأطفال أو تعيق نموهم فحسب، بل يمكنها أيضا أن تؤدي إلى استقطاب المجتمعات مع تنافسها على الغذاء.
وربط مؤرخو البنغال أعمال الشغب الطائفية الدامية عام 1947 أثناء التقسيم بالانقسامات التي اندلعت خلال المجاعة التي حدثت قبل أربع سنوات.
وقال دي وال من جامعة تافتس إن نهب المساعدات في غزة من قِبل أشخاص يائسين وعصابات، بالإضافة إلى إعادة بيع الإمدادات المسروقة، علامات على أن الجوع يمزق نسيج المجتمع الفلسطيني.
وقال دي وال: “إسرائيل ليست غافلة عن هذا، إنهم يدفعون المجتمع إلى نقطة الانهيار التي ينقلب فيها الناس على بعضهم البعض”.