في الوقت الذي تتواصل فيه عمليات الإبادة الجماعية والتهجير القسريّ للفلسطينيين (في غزة، بشكل رئيسي، وفي الضفة الغربية، بشكل متدرّج) أضاف الهجوم على الدوحة موقعا جديدا إلى قائمة الأراضي العربية التي تنتهك إسرائيل سياداتها بشكل يوميّ تقريبا، في سوريا ولبنان واليمن، مع تهديدات متزايدة للأردن ومصر وتركيا (ناهيك عن إيران).
شكّل العدوان الإسرائيلي الأخير على سيادة قطر مفاجأة استراتيجية، أولا، لكونه جرى على دولة عربية تشكّل قطبا اقتصاديا وسياسيا وماليا وازنا في الخليج والعالم، وثانيا لأنه نقض مفهوم الحماية الأمريكية المفترضة لدول الخليج العربي، الحليفة تقليديا لواشنطن، وهو أمر زاد من سوئه أن قطر تستضيف أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط (العديد) كما أظهر أن إسرائيل مستثناة من التنسيق الأمني والشراكات وأنظمة الإنذار المبكر والاستخبارات والقدرات الاعتراضية الأمريكية!
أظهر الهجوم، الذي شنّ، حسب مصادر إخبارية عديدة، من أجواء البحر الأحمر، قدرات عسكرية إسرائيلية جديدة تمكّنها من تجاوز دوائر السيطرة الجغرافية السابقة، فيما بيّنت ردود الفعل الأمريكية على العملية، مراوحة بين ضعف إدارة ترامب أمام بلطجة حكومة بنيامين نتنياهو، ومحاولات للتساهل مع تداعيات العملية الخطيرة، وتبريرها إن لم يكن التواطؤ الصريح معها.
تمثّل هذه الوقائع المذكورة مضافا إليها أدلة على اختراق إسرائيل لشبكات الاتصال العربية، وللأمن العربيّ عموما إلى تحدّيات كبرى للدول العربية، ومن الواضح أن الهجوم الأخير على الدوحة رفع مستوى قلق الدول العربية، بغض النظر عن مواقفها وعلاقاتها الإيجابية أو السلبية مع إسرائيل.
خلال القمة الطارئة والتي عقدت في الدوحة قبل أيام لبحث العدوان، ظهرت إشارات عديدة على تغيّرات ملحوظة ليس في الكلمات الملقاة فحسب، بل بما استتبعها من اجتماعات وإجراءات، كما جرى خلال حديث أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد، عن حلم نتنياهو بالسيطرة على المنطقة العربية، ووصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لإسرائيل بـ«العدو»، واقتراحه إنشاء قوة عربية مشتركة.
وفي الوقت الذي كان مجلس الدفاع الخليجي يجتمع، في الدوحة، أمس، ويعلن عن قرارات منها زيادة تبادل المعلومات الاستخبارية وتفعيل العمل المشترك لمنظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية، كانت وسائل الإعلام تتحدث عن توقيع السعودية وباكستان اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك، وقد علّق موقع «إسرائيل ديفنس» على الخطوة بالقول إنها «تأتي وسط مخاوف متزايدة في الخليج بشأن مصداقية الولايات المتحدة»، و«التشكيك بقدرة الولايات المتحدة على توفير ضمان أمني مستقر في المنطقة»، فيما تحدث باحث في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب عن «تلميحات عن مظلة نووية باكستانية للسعودية».
بطغيان قوتها الفائضة في كل الاتجاهات، وانخراطها في إبادة جماعية وعمليات تطهير عرقي وضمّ للأراضي الفلسطينية، وبممارساتها العدوانية على الدول العربية والإقليم، خلقت إسرائيل منطقة التهاب كبرى في الشرق الأوسط، مما فرض على الدول العربية ضرورة «ضبط الإعدادات» كافّة، والاستعداد لكل الاحتمالات.