بطولات كرة القدم للهواة تجذب المشجعين الصينيين المتشائمين!

حجم الخط
0

بكين ـ «القدس العربي»: بعدما أرهقتهم سنوات من الفساد وسوء الإدارة في كرة القدم الاحترافية، جاءت بطولات الهواة لتشكّل بلسما للمشجعين المتشائمين بعدما بدأت تنتشر في أنحاء الصين وتجذب ملايين المتابعين عبر الإنترنت، وساهمت في تنشيط السياحة المحلية نحو مناطق أقل شهرة مثيرة منافسة ودية بين المدن.

نحو أربعين ألف متفرج احتشدوا في أحد الملاعب في مدينة سوجو، بينما تجمع آلاف آخرون أمام الشاشات العامة لمتابعة الرياضة الأكثر شعبية في الصين حاليا: كرة القدم للهواة. وفي مباراة بيعت جميع تذاكرها تحت حرارة خانقة في سوجو قرب شنغهاي، قفز جمهور الفريق المضيف من مقاعده وهتف فرحا عندما سجل الشاب كاو تشينغ (17 عاما) هدفا في مرمى مدينة يانغتشو بعد دقيقتين على صافرة البداية. وارتدى كثيرون قمصانا حمراء كتب عليها «سوجو» واستخدموا المراوح الورقية لتبريد أنفسهم في يوم صيفي. وقالت تشيان تشونيان، وهي مقيمة في سوجو تبلغ 35 عاما: «بالمقارنة مع بطولات أخرى، الجمهور هنا أكثر حماسة، وحتى إن لم يكونوا يفهمون كرة القدم، فالأجواء حماسية».
انطلقت البطولة لأول مرة في وقت سابق من هذا العام في مقاطعة جيانغسو شرق البلاد حيث تقع مدينة سوجو. وسرعان ما اجتذبت المباريات التي بُثّت مباشرة على الهواء، ملايين المشاهدين على وسائل التواصل الاجتماعي، ما وضع المدن الإقليمية الأصغر على خريطة السياحة المحلية. وأدى ذلك بدوره إلى انتعاش في الاستهلاك المحلي، ومنح المدن التي تستضيف المباريات دفعة اقتصادية تشتد الحاجة إليها بعد سنوات من التراجع. وبدأت هذه المباريات برعاية أعمال محلية صغيرة مثل مطاعم الشواء، لكنها جذبت لاحقا شركات كبرى مثل منصّتي التجارة الإلكترونية «علي بابا» و«جاي دي دوت كوم».
أشار مشجعو البطولات المحلية للهواة إلى أنهم انجذبوا إلى المباريات لبساطة كرة القدم، على عكس ضخامة المبالغ المالية التي تنفقها اللعبة الاحترافية. وقال وانغ شيانغشو، أحد مشجعي كرة القدم في سوجو: «بمشاركة جماهيرية واسعة وتدخل محدود من الشركات، أصبحت كرة القدم أكثر نقاء». وعانت أندية كرة القدم الاحترافية في الصين، بما في ذلك أندية الدوري الممتاز، من فضائح تتعلق بالتلاعب في نتائج المباريات والمراهنات. وغالبا ما تتعرض تشكيلة المنتخب للسخرية والهجوم على مواقع التواصل بسبب أدائها المخيب في البطولات الدولية. وكان الرئيس شي جينبينغ أعلن عن رغبته في أن تفوز الصين بكأس العالم يوما ما. لكن الفريق الصيني للرجال يحتل هذا العام المركز الـ94 في تصنيف الفيفا ولم يتأهل إلى كأس العالم سوى مرة واحدة عام 2002، حين خسر كل مبارياته الثلاث من دون أن يسجل أي هدف.
ويشارك في بطولات المقاطعات لاعبون من مختلف الخلفيات، من تلاميذ المدارس الثانوية إلى موظفي الدولة، بينهم داي هو، أمين فرع الحزب الشيوعي في إحدى القرى، والذي نال اهتمام وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) بظهوره في أرض الملعب. وقال جين شان، خبير كرة القدم بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية في بكين: «بطولات الهواة المحلية تمثل نموذجا رائعا لكرة القدم المجتمعية، وتتيح لكل مواطن أن يكون لديه فريقه المنزلي»، متابعا: «إنها تقرّب كرة القدم من الناس».
كما شهدت السياحة المحلية انتعاشا بفعل شعبية هذه البطولات. فمنذ انطلاقها في أيار/مايو، تسببت بطولة الهواة في جيانغسو التي يُطلق عليها محليا «دوري سو الممتاز»، في ارتفاع الإنفاق السياحي بأكثر من 14% في ست مدن بالمقاطعة، بحسب قناة «سي جي تي أن» الرسمية. وقالت تشين تيانشو، صاحبة مصنع للهدايا التذكارية في مدينة نانتونغ، إن زملاءها سارعوا إلى تصنيع دبابيس معدنية عليها شعارات الفرق ومثلجات على شكل رموز محلية، بعد أن نفدت أكياس القماش التي تحمل علامات البطولة في مدينة مجاورة. وأضافت: «المثلجات لاقت رواجا كبيرا، والدفعة الأولى المؤلفة من ألف قطعة كادت تُباع بالكامل»، متابعة «أداء نانتونغ في دوري سو يمنح المدينة لحظة نادرة من التألق».
وتسعى مقاطعات أخرى جاهدة للحصول على نصيبها من طفرة كرة القدم للهواة إلى السير على خطى جيانغسو، حيث تستضيف مقاطعة جيانغشي الجنوبية بطولة من مرحلتين هذا الشهر. وغالبا ما تؤدي المواضيع الرائجة على مواقع التواصل الاجتماعي في الصين إلى تدفق غير متوقع للزوار إلى أماكن نائية. وفي عام 2023، تقاطر المسافرون على بلدة زيبو الصناعية في شمال الصين، بعدما انتشرت مقاطع فيديو تظهر نمط الشواء المحلي فيها. وقالت تشين، صانعة الهدايا التذكارية: «نجاح دوري جيانغسو هذا العام كان مفاجأة سارة»، مضيفة: «آمل بأن تصبح هذه عادة مستمرة على المدى الطويل».

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية