لا يكفّ الشعر عن طرح السؤال الأصعب على الإنسانية الإجابة عنه حتى الآن وإلى آمادٍ لا نعلمها يقيناً: إلى أين نمضي بعد الموت؟
ولا يجيب الشعر، إذ يخون طبيعته ويتحول إلى يقين يقدّم العزاء مثله مثل الدين أكثر من تقديمه المعرفة، إن أجاب بغير التخيّل المتعدّد في احتمالاتٍ لا تنتهي.
ويلجأ الشعر في مواجهته السؤالَ المستحيل هذا إلى تقديم ما يخفّف على الإنسان وطأةَ الخوف مما يقدمه الدين له من ذهابٍ إلى جحيم عالم العقوبات إن لم يتّبع تعاليمه، ووطأةَ الحيرة مما يقدمه له من عالم جنّاتٍ مشكوك في دخولها بعدم القدرة على احتمال مصاعب الطاعة.
وينال الشعر بهذا محبّة البشرية والتوافق عليه مقابل عدم تقبل الأديان لبعضها إن لم نقل تناحرها وإخفاء سكاكين ذبحها لبعضها تحت ثياب يقين مُلْكيّة الحقيقة.
في تواضعه الجميل الرفيق بالإنسان عن تضييعه بالأوهام، ينحسِر الشعر عن طرح سؤال ما بعد الموت العظيم عنه، إلى التقاط أثر الإنسان الذاهب، سواءً في أبدية الموت؛ أو الارتحال إلى مكان آخر، هجرةً أو سجناً أو منفى؛ أو مروراً عابراً ربّما، مثلما تمرّ بنا امرأةٌ وتترك لنا ابتسامتَها، أو عطرها الذي يأسِرنا، شمشمةً ولملمةً واستجلاباً للذكريات، وحسرةً جميلةً تعوّضنا عن تلاشي عطر الغياب.
في مجرى تواضع الشعر نلتقط مجموعةً شعرية أصدرها الشاعر السوريّ حسين درويش تحت عنوان ملتبَس بين الوضوح والغموض، لكنه موحٍ في كلِّ الأحوال هو «بريقُ مَن مرّوا من هنا»، حول اللحظة التي أثّرَت بنا أو الكائنِ الذي شهدْنا تفاصيل حضوره وما لبثا أن غابا ليتركا لنا التقاط أثرهما الذي لن يلبث أيضاً أن يغيب. على صورة ما بلوره الشاعر ببريقٍ نتخيّله رذاذ ضوء أزرق في جريان نهر الحياة بين سماء وأرض مقلوبتين إلى بعضهما؛ بغاية تخفيف عبء الغياب الذي يثقل أرواحنا عند المغيب الذي سواءً كان لحظة تشابك أيدي حبيبين في سيرهما على شاطىءٍ. أو تراصف جثث الموتى الجيران كما لو كانوا في بطن بحرٍ أو في جوف مقبرة جماعيةٍ، أو كان لحظةَ عتبٍ أو غضبٍ أو حبٍّ أو أيٍّ من لحظات الجريان في حياتنا التي يحاول الشاعر تجميد سائلها في قصيدة «دمعةٌ مالحةٌ»، حيث:
«كأني أسمع دمدماتِ
لياليهم الموحشةَ
ألمحُ ضجراً يتماوج كالزلازل في أطرافهم
يَلُوح مثلَ حربٍ تغذُّ خطاها في الطريق
تنحدر مثلَ دربٍ
تتلقّف خطواتِ الجيران
حيث عيونهم الحزينة تتلاصق/ كنوافذ القطار
حيث أسمالُهم تتطاير في الريح
تنقل أسرارَ شتاتِهم/ إلى قرى التاريخ
أسرارُهم مالحةٌ/ كدموع المسافرين
كبقعةِ الحبر على كرّاسة الأطفال/ دموعٌ شجيّةٌ.. سخيّةٌ.. حائرةٌ
كقطرة زيتٍ أخيرةٍ/ في قنديل الليل».
تجلّيات البريق:
بدءاً من كلمة «بريق» التي تتألّق خارجةً من أصلها الكربوني «الأثر» بضغط الشعر، ثيمةً وواسطةَ عقدٍ جميلٍ متفرّد؛ يكوّن درويش مجموعته من عشرين قصيدة نثر، يغلب عليها التوسّطُ في الطول، ووحدةُ نهج البساطة العميقة، سواء في التموضع داخل المجموعة بالتوالي كما لو كانت فصلاً واحداً، أو بجريان كلِّ قصيدة في ذاتها.
ويتبع الشاعر في جريان القصيدة نهجاً واحداً تقريباً مع بعض التنويع الذي يكسر الرتابة إن حدثت، بأسلوب وضعِ لازمةٍ ناظمةٍ للقصيدة تفتح باب معانيها كمستويات على محورها، في ترابط بسيط وجميل يعدّد المعاني دون شرشرةٍ داخل القصيدة الواحدة، بتراكبٍ على محور ثيمة «بريق من مرّوا من هنا».
وتلعب اللازمة الذي يضعها الشاعر للقصيدة إضافةً إلى تراكب المعاني، دور ضابط إيقاع القصيدة الذي يكسر جريانها إن جرتْ بما لا حاجة لصرف الطاقة عليه.
ويمكن للقارئ عيش متعة الإيقاع المُعنّى كمثالٍ في لازمة: «لن تعرف أبداً» في قصيدة «من يعرف؟»، التي تتكرّر ستِّ مرات، خالقةً سبعةَ مقاطع نشهد فيها: «بريقَ الجيران الذين تركوا أحواضهم تجف تحت الشمس، وأصدقاءَ وحدة المشاعر، والأسماءَ التي تركت خلفها صفير الزمن وهي تتساقط من الهواتف، وأذرعَنا المتأرجحة على أكتافنا كالدمى، وصورة المغنيات تحت مخدة الأسرار، كلماتِ الحب المسروقة من دفاتر الشقيقات، النوافذَ الملطّخة بالشقوق، حفيفَ ثياب الجيران خلفها، لهاث ضلوعهم قربَها وظلال رقصاتهم، بقايا أصواتهم التي ترفُّ إلى الشرفات. وسؤالَ كم من الريح امتحنت الأبواب».
وذلك قبل أن يكسر الرتابة في تحوّل اللازمة بالمقطع السابع إلى انزياح كلمة «أبداً» من معناها القطعي بصيغة المخاطِب في المقاطع الستة إلى معناها التفسيري في المتكلّم الجمعي: «أبداً لم نكن شهوداً في موسم الرحيل/ أبداً لم نكن حِجاباً أمام ضريح القبّرات/ كنّا ندماءَ جراحنا الوردية/ سعداءَ بخطانا/ ثقيلةً/ هزيلةً/ كقطارٍ يئن في الريح».
وفي قصائده العشرين المتحلّقة على ثيمة البريق، يمكن للقارئ كذلك أن يشهد، في البريق كأمثلةٍ لا تعيض عن التمتّع بعوالم المجموعة، ما يتجلّى:
ـــ من الذين يمدّون أيديهم من خلف البحار البعيدة، دون أن نعرف، ولا حاجة لذلك طالما نحن نشعر بهم من كلمات الشاعر، مَن هم، وطالما هم يُذكّروننا بمن نعرف من ندماءِ سَهَرِنا من خلال ما يعرف الشاعر عن ندماء سهره. وعن أوطانهم ويأسهم والمقاهي التي سهروا بها في الأماسي التي يلوّنها بريقهم بالأزرق لدى الشاعر، وبغير لونٍ ربما لدى من يتولّد لديه إحساسٌ بندمائه، ويحسّ فيها بوحدته ووحدتَهم، من خلال معالجة الشاعر لوحدته موازاةً بعالم وحدة ندمائه.
ــ من الذين ترتسم برّيتهم الزرقاء كما لو أنهم ماتوا، هكذا ببساطةٍ، أو بأحداثٍ مؤسفةً، أو بجرائم ضد الإنسانية، أو بإبادة جماعية، وفق ما تستدعيه مخيلة القارئ عمن ماتوا بكثافة الإحساس بهم في قصيدة «برّية زرقاء»، كبؤرة لتجلّيات البريق، حيث:
«أمرّ على شاسعِ مثواهم
راحلونَ مثل غيمةٍ بدّدتها الريح
لا شيء على أجداثهم الصمّاء
سوى بريقِهم الأزرق
بريقِ من مرّوا من هنا».
ــ من النساء، الأمهات، الحبيبات، الأخريات العاديات أو العاشقات، اللواتي تُصوِّر القصائدُ الخاصة بهنَّ مرورَهنَّ، ببريقٍ أزرق خاص مشوب بمشاعر الأنوثة، الحبّ، الحنان، الحنين، وغنى العالم، في ترابط اللحظات بحركة لحظات الطبيعة وكائناتها. وفي التمسك بإبقاء بريقهِن نابضاً، في جميع حالاتهنَّ، مثل: «ها أنذا أصغي لنداءات البريق/ النداءات المترنّحة/ حين ينام الليل تحت المطر/ بُحّة الريح في حقول القصب/ أسمع صوت الأحلام/ تتمشى قرب كتفيكِ/ كأن يدي تركض خلفها». ومثل: «عُشَّاقُك كلّهم/ قبلي أو بعدي/ بناةُ أمجادك/ يستيقظون من ندمهم/ ومن عالمٍ أزرق/ غامضٍ وموارب/ يمدّون أعناقهم/ يثيرون غبارَ ماضيهم/ ملحَ غيابهم/ نشوةَ ذكرياتهم/ عشاقُك/ ندماءُ الحنين/ يعبرون الليلة نافذتَك المضاءة/ كأنهم شدْو ربابةٍ/ أو رعشةُ رمحٍ في الريح».
ومثل العاشق الذي يحاول لملمة المعشوقةِ من قطرات المطر، ويتحوّل إلى لصٍّ للعصافير الملوَّنة التي يتجلّى بها بريق حضورها: «لستُ سوى لصٍّ أبحث عن اسمي/ بين كلماتِك/ عن آهاتِك بين الوسائد».
ــ من عالم الطفولة وتتبُّع البريق في تفاصيلها، مثل ساعة المدرسة التي هي: «ساعةٌ يعلوها الغبار/ يمرُّ تحتها شريط من الذكريات: «هنا جرس المدرسة/ هنا أول موعد/ وهنا بيتٌ رمتْه الريح شمالاً.». ومن عالم العائلة المتجلّي كبريق متناغم مع عوالم ما تفتحه التكنولوجيا، في «كروب العائلة» على الـ»الواتز أب».
ـــ من عوالم كل ما يحيط بنا ويدفعنا تجلّيه إلى «إعادة نظر» فيه، لاستخراج الطازج الناصع البسيط من الذي اهترأ بدءاً من «لون ثيابنا الداكنة لفرط صرامتها»، وليس انتهاءً بأفكارنا، من خلال تجديد الشعر وألق الكلمات.
شبكة صيد اللحظات والكائنات:
في إعادة النظر بالمعطى لنا من آبائنا، وبما اعتيد عليه مفروضاً بقوة العادات والمعتقدات، لا تغيب عن غاية المجموعة في تخفيف أحمال اليقين بما يقوم به الشاعر من التقاط بريق اللحظات قبل انطفائها، شبكةُ صيد اللحظات/ الكلماتُ التي تتوهّج كمغناطيس للبريق. ويُراكبها الشاعر في تركيب جمله الشعرية الناهجة أسلوبَ الكتابة الآلية التي منحتْها السوريالية لشعر ما بعد الحداثة، والمفاهيمُ التي تشبك فعلَنا الجماليّ، بالتقاط أو صيد بريق اللحظات والكائنات في وحدتنا مع الطبيعة، حيث لا شيء يَفنى في ارتباط حركة أشياء الطبيعة وكائناتها مع أفعال البشر التي حدثت باستحالة اللحظات والكائنات إلى بريق,
وحيث يمكننا أن نختم في أيّة قصيدة من المجموعة مثل قصيدة «وشم» بـ:
«على هذا المقعد تشابكت الأصابع
وجرى نهرٌ من ندم العتاب
على هذه الطاولةِ نقرت الأصابع كلماتٍ بيضاء
كلماتٍ تشبه حقول الثلج
تشبه بريق الأعناق
عند هذه الزاوية سقطت المناديل
نديَّةٍ من فرط الشهيق
يا كلماتِ الحبّ لا تبَتَّلِي بالغياب
يا كلمات..
اصمدي قليلاً قرب هذا الدخان
ما زال أزيز النيران يضيء
دربَ العشاق
دربَ الأعناق البيضاء..
بيضاء من الهجران/ من الندم
بيضاء مثلَ قبلةٍ ناعمةٍ
سقطتْ فوق شامةٍ داكنةٍ
هكذا».
حسين درويش: «بريق من مرّوا من هنا»
منشورات المتوسط، ميلانو 2023
78 صفحة.