بروناي: شريعة إسلامية واعتراضات غربية

في جنوب شرق آسيا، وبمساحة تبلغ نحو 6 آلاف كم مربع، يعيش حوالي 500 ألف نسمة، مشكلين دولة بروناي، التي يحكمها السلطان حسن بلقية، وعاصمتها بندر سري بيغاوان. قفز اسم هذه الدولة الصغيرة إلى قمة الأخبار مؤخرا، بعد أن أعلن السلطان في خطاب متلفز قائلا «أريد أن أرى التعاليم الاسلامية في هذه الدولة تنمو بصورة أقوى وأكثر وضوحا، فهذا النظام، يقصد الحدود الشرعية، يحافظ ويضمن حقوق كل الناس بصرف النظر عن عرقهم أو ديانتهم».
هذا الموضوع ليس جديدا، فمنذ نهاية عام 2013 أعلنت السلطات نيتها تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في البلاد، وقد أصبح التطبيق فعليا في إبريل/نيسان 2014، لكنه اقتصر على الجُنح التي تقتضي الحكم بغرامات مالية، أو السجن لمدد خفيفة. أما الجرائم الكبرى فإن المدعي العام في البلاد أعلن في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2018 بأن العقوبات فيها ستدخل حيز التنفيذ في الثالث من إبريل 2019. وهي تمثل المرحلة الثانية من الأحكام، وتشمل الرجم للمثليين والمتورطين بجرائم الزنا والسرقات والإجهاض، وكذلك إهانة وسب الأنبياء والرسل. وقد أثارت هذه التشريعات موجة استنكار واعتراضات وحراك دبلوماسي، من دول ومنظمات حقوقية وإنسانية، وكذلك من مشاهير انظموا إلى حملة الإدانة هذه. فقد وصفت مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان العقوبات الواردة في هذا التشريع بأنها وحشية وغير إنسانية. ومثلها كان موقف الاتحاد الأوروبي. كما تناولت الصحافة الغربية هذا الموضوع بالتحليل الذي يُبرر التطبيق، بأنه محاولة من حاكم البلاد لتلميع صورته كمرجعية دينية، يُثّبت بها حكمه، بعد أن تدنت عوائد النفط والغاز، التي هي ثروة البلاد الوحيدة تقريبا، على اعتبار أن السلطان كان يلجم أفواه شعبه بالإعانات التي يقدمها لهم، وعدم وجود نظام ضريبي في البلاد، وبالتالي فقد بات عاجزا عن الاستمرار بتقديم هذه الامتيازات، فدعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية كي يُرضي أنصاره المحافظين.
ولأن العالم في أوج حالة الهستريا من كل شيء يمت بصلة للإسلام، فقد ذهبت بعض التحليلات للقول بأن سلطان بروناي بتطبيقه الأحكام الشرعية الإسلامية، يكون قد فتح نافذة لدخول تنظيم «الدولة» إلى البلاد، ومن ثم توغله في ماليزيا وإندونيسيا وبذلك يسيطر على جنوب شرق آسيا. وكأن العراق وسوريا كان فيهما تطبيق للشريعة، حينما سيطر التنظيم على أجزاء واسعة من الأراضي فيهما.
هذا هو البعد الظاهري أو المرئي لهذا الحدث، الذي يحاول الغرب أن يسوّقه، لكن الغاطس منه شيء آخر. فالغرب يعلم تماما بأن العالم الإسلامي حضارته حضارة كتاب سماوي، وأنه يقع في مجال مختلف تماما وفي منطقة أيديولوجية تبحث عن المعاني والقيم. كما أن الاسلام كدين هو قيمة مقدسة للذين تربوا عليه، وهو ليس دينا وحسب، بل ثقافة وأسلوب حياة، وأي اعتراضات على أحكامه هي إهانة لثقافتهم وطريقة عيشهم.
في حين تخلى الغرب ومنذ أمد بعيد عن حضارة الكتاب المقدس، وبات ينظر إلى الأديان على أنها أسلوب شخصي فقط، كما فقد خاصية البحث عن المعاني والقيم التي استبدلها بثقافة الإنتاج والاستهلاك، وبذلك اختزلها في مفهوم واحد هو المنفعة. فقسّم العالم إلى مُنتج ومُستهلك وليس شيئا آخر غير ذلك. في حين لا ينتمي العالم الاسلامي لا إلى هذا ولا إلى ذاك، لأن لديه رسالة أخرى ووضيفة مختلفة في هذا الوضع الكوني. صحيح أنه عاجز ومشرذم ويعاني من حروب داخلية وخلافات عميقة، لكن ذلك ليس معناه أنه عالم بلا رسالة، فالحرب الأهلية الأمريكية سبقت تحول الولايات المتحدة إلى قوة عالمية عظمى، وحتى روسيا تحولت إلى دولة ذات شأن بعد الحرب الأهلية فيها. كما الحرب في الامبراطورية الرومانية سبقت تحولها إلى قوة عالمية حقيقية آنذاك. وحتى في الدولة الإسلامية حصل الشيء نفسه، فبعد الحرب الأهلية بين الامام علي ومعاوية، وفي غضون جيل واحد فقط كانت السيطرة الاسلامية واضحة على الفضاء الأوروآسيوي من المحيط الاطلسي حتى المحيط الهادئ. وهذا هو الذي يدفع الغرب للتخوف من كل تحرك فيه رائحة تطبيق أحكام شرعية إسلامية، لانه يرى فيها تحركا أمميا، ولانه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول جعلت الولايات المتحدة الامريكية من مكافحة كل شيء يمت للاسلام بصلة، حقيقية أو غير حقيقية، نوعا من أنواع العقيدة، وقد تبعها الغرب في ذلك على اعتبار أنها زعيمة العالم الحر.

الكيل بمكيالين هو المنهج الوحيد الذي يسير عليه الغرب خاصة في موضوع الاسلام والمسلمين

إن العالم الغربي مازال ينظر إلى العالم الاسلامي على أنه يتفوق عليه بكل شيء، ومن وجهة نظرهم فإن هذا التفوق يعطيهم حقوقا مضافة في ازدراء أسلوب حياتنا، والاعتراض على منهجنا الديني، من دون الخوض في ما تعنيه تلك الاحكام. فالحدود التي تنص عليها الشريعة الاسلامية يفسرها الفقهاء بأنها وجدت كي تُعطّل. بمعنى أن الاحكام القاسية الواردة هي ليست من أجل العقاب المجرد، بل هي رادع تردع من له النية في القيام بالعمل الموصوفة له العقوبة تلك. وبذلك فإنها لن تُطبّق لأن لا أحد سيجرؤ على القيام بالسرقة مثلا. كما هو الحال في الدول الغربية التي زرعت شوارعها ومؤسساتها، وحتى وسائط النقل العام بآلاف الكاميرات، ودائما ما تجد عبارة تُحذّر الناس بالقول إن الكاميرا تعمل على مدار الساعة واليوم، أي أنك تحت الرقابة المستمرة من قبل الشرطة أو الأجهزة الأمنية الاخرى، فلا تقرب من عمل فيه مخالفة أو كسر لأحكام القوانين المرعية.
إن تعدد الثقافات واختلاف أنماط الحياة هي باقة من قيم الليبرالية، التي ينادي بها الغرب، والتي يدّعي بأنه يريدها أن تشيع بين كل شعوب الارض. لكن المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين هو المنهج الوحيد الذي يسير عليه الغرب خاصة في موضوع الاسلام والمسلمين، لأن الفكر الليبرالي والنظريات الليبرالية ليس هدفها تحرير الإنسان كما يزعمون. هدفها الوحيد خلق بيئة ضاغطة على الإنسان، فمن جانب أن الانسان حر في ما يتصرف، لكن هنالك عنفا مؤسساتيا يمارس عليه. لذلك هنالك رفض مؤسساتي لكل قوانين وشرائع مخالفة.
*كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية