ليس بوسع عاقل أن يزايد على إرادة الشعب التونسي، ولا على نزاهة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فقد بدت إجراءاتها مثالية إلى حد بعيد، لكن نتائج جولتها الأولى تستوقف النظر، وقد وصفتها الصحافة التونسية بالصدمة والمفاجأة والزلزال، إلى غيرها من أوصاف تعبر عن عظيم الاندهاش مما جرى، وهو انقلاب أبيض، عصف بأحزاب الطبقة السياسية الحاكمة عبر صناديق التصويت.
والمثير، أن استطلاعات سبر الآراء التي جرت قبل الانتخابات بشهور، توقعت بعضا مما جرى، لكن أحدا في تونس، لم يكن يريد أن يصدق مثلا، أن يفوز قيس سعيد بالمركز الأول، وهو الرجل الذي لا يعرف له انتساب سياسي معين، ولا ماكينة حزبية انتخابية تسنده، بينما كانت الخشية ظاهرة من فوز نبيل القروي، وهو رجل أعمال واسع الثراء، أحاطت به شبهات غسل أموال وتهرب ضريبي، وعملت أحزاب البرلمان المتنفذة على منع ترشحه، وفصلت قانونا على مقاس منعه بالضبط، حال الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي دون نفاذه، وامتنع عن التصديق عليه إلى أن مات، وهو ما أتاح للقروي فرصة الترشح بدون عوائق، وإن استمرت محاولات تحطيمه، والدفع به إلى السجن كمحبوس احتياطيا، وحرمانه من قيادة حملته، أو المشاركة في المناظرات التلفزيونية، أو في الحملة الانتخابية التشريعية لحزبه «قلب تونس» المتكون حديثا، لكن إجراءات الحذر كلها لم تمنع القدر، وفاز القروي بالمركز الثاني في الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة، وعبر إلى الدورة النهائية، متنافسا مع قيس سعيد على فرصة الذهاب إلى قصر قرطاج.
وقد تكون فرصة نبيل القروى أوفر في الفوز بالرئاسة، رغم أن نسبة فوزه في الجولة الأولى (15.6%)، أقل على نحو ملحوظ من نسبة فوز قيس سعيد (18.4%)، وإن كانت المفاجأة واردة على أي حال، فلا يكف الشعب التونسي عن إدهاشنا، وقد حققت الثورة التونسية تطورا سياسيا لافتا واستثنائيا، ونجحت في كسب كامل الحقوق والحريات السياسية والمدنية، ربما إلى حد التخمة، فقد فتحت النوافذ كلها في تونس، وفتحت النوافذ كلها على تونس في الوقت نفسه، وصار للساحة التونسية بعض الملامح الخطرة للساحة اللبنانية، مع فارق غياب الطائفية في التكوين التونسي، وهو ما يضمن قدرا ملحوظا من التماسك الداخلي، قد تهدده اختراقات المال السياسي المقبل من خارج الحدود، أو اختراقات التمويل الأجنبي المفتوح لعدد هائل من منظمات المجتمع المدني، إضافة إلى «الفرنسة « الملحوظة لقطاعات مؤثرة من النخبة التونسية، وتزوير حقيقة الصراع الاجتماعي في تونس، وخلعه من أصوله الطبقية، وتصويره زورا كصراع بين المحافظة والتحديث، أو بين الأصوليين والعلمانيين، وكلها تصورات ثبت فسادها، بدلالة اتجاهات التصويت المفضلة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فقد حصل قيس سعيد التقليدي على أكثر أصواته من خزان التحديث الموصوف، من جهات الساحل التونسي سياحية الطابع، ومن أصوات الشباب الأصغر سنا، وعلى العكس تماما من نبيل القروي، المصنف في خانة التحديثيين، الذي حصل على أكثر أصواته من جهات الجنوب التقليدي الأشد فقرا، ومن أصوات الأكبر سنا، ومن دون أي تمييز أو اصطفاف ديني علماني، بل بدت الصورة أكثر بلاغة بأقوال المتنافسين الأكثر حظا، فقد نقل عن قيس سعيد المحافظ فكريا، أنه مع تطبيق عقوبة الإعدام، وضد قانون المساواة في الإرث بين الجنسين المخالف لنصوص القرآن، وضد ميول الاعتراف بحقوق المثليين جنسيا، وهي الآراء ذاتها، التي عبرت عنها حملة نبيل القروي، وتلقى قبولا طبيعيا عند القواعد الواسعة للشعب التونسى العربى المسلم.
حققت الثورة التونسية تطورا سياسيا لافتا واستثنائيا، ونجحت في كسب كامل الحقوق والحريات السياسية والمدنية
والمعنى ببساطة، أن جوهر الصراع، في تونس وفي غيرها من أقطار العرب، ليس ثقافيا كما يشاع، ولا اختيارا جبريا موهوما بين الدينية والعلمانية، بل إن جوهر الصدام والتدافع اقتصادي اجتماعي المنشأ، وهو ما يبدو ظاهرا بجلاء عند تأمل مغزى الفوز المفاجئ لقيس سعيد ونبيل القروي، صحيح أن كليهما، لا يقدم حلا لمآزق البطالة وتخلف الاقتصاد، والفقر والتهميش والتفاوت الاجتماعي، وسوء توزيع الثروات، وفجوة النمو بين مدن الساحل ومناطق الداخل التونسي، فنبيل القروى رأسمالي التكوين، ونشاطه تجاري، وفي مجال وسائل الإعلام بالذات، ومبادئ التصنيع الشامل والعدالة الاجتماعية ليست من شواغله، بينما قيس سعيد محكوم بنزعة أخلاقية مجردة، ومهموم أساسا بصفته أستاذا للقانون الدستوري، ويريد تعديلات دستورية، تضمن للشعب حق الاستفتاء المباشر على كل قرار أساسي، ولم يطرح برنامجا اقتصاديا اجتماعيا، يعرف أنه ليس من صلاحيات الرئيس، بل الحكومة بحسب الدستور التونسي، الذي صاغته أحزاب الطبقة المهيمنة، التي سقطت كلها في امتحانى الحكم والانتخابات، ورغم الغياب المرئي لأولويات الاقتصاد والمجتمع في دعاية سعيد والقروي، إلا أنهما امتازا عن غيرهما بإيحاء ظاهر، جمع بينهما على اختلاف المواقع الطبقية، هو مخاطبة مشاعر الفقراء والطبقات الوسطى المعانية ضمنيا، فقيس سعيد مثال للموظف الكفء الشريف، المحال للتقاعد بعد وصوله لسن المعاش، النافر من النزعات الفرانكوفونية، المتكلم دائما باللغة العربية الفصحى، الرافض لتمويل حملته الانتخابية من أموال الحكومة، المعتمد في حملته على طلابه الجامعيين، المقتصد في الإنفاق الانتخابي إلى حد الكفاف، فلم ينظم مؤتمرا انتخابيا واحدا، وفضل الذهاب للناس في الشوارع والبيوت، يستمع إليهم ويحاورهم، ولا يكاد يمتاز عن أحد، إلا بعلمه وإخلاصه وتجرده وتواضع هيئته، ونفوره من كافة الأحزاب، وهو ما جعله قريبا لقلب الفئات العادية من الشعب التونسي، التي دخل نبيل القروى إلى قلبها من باب آخر، هو العمل الخيري، وتقديم الإعانات المباشرة المالية والعينية للأسر الفقيرة، عبر جمعية خيرية، كونها من سنوات، واستعان بقناته التلفزيونية «نسمة» في الترويج لنشاطها، وصارت أكبر جمعيات تونس الخيرية، التي تقدمت لشغل فراغ الدولة الغائبة عن مواطنيها، وجعلت لنبيل القروي صورة «المحسن الكبير»، التي بدت جذابة ومؤثرة وجدانيا عند جماهير الفقراء في الجنوب التونسي بالذات.
إذن، فتقدم سعيد والقروي، له دلالة اجتماعية اقتصادية لا تخفى، تتسق مع المعنى الأصلي للثورة التونسية، وللثورات العربية المعاصرة كلها، المجهضة منها أو المنقلب عليها، فقد بدأت ثورة تونس بواقعة محمد البوعزيزي، البائع المتجول على باب الله، الذي أشعل النار في ثيابه احتجاجا على الظلم والفساد والقسوة، فاشتعلت الثورة من بعد احتراقه، ثم غاب المعنى الاقتصادي الاجتماعي بعدها، وملأت الساحة أحزاب، لم تشارك أصلا في الثورة، واحتكرت لنفسها صدارة المشهد، وبدت في غالبها أقرب لمعنى الثورة المضادة، وهو ما كان موضع عقاب عنيف من الناخب التونسي أخيرا، نتوقع أن يمتد أثره إلى الانتخابات التشريعية الوشيكة المتداخلة مع انتخابات الرئاسة، وهو ما جرى لأحزاب نداء تونس، التي كانت حزبا واحدا، كونه الرئيس الراحل قايد السبسي، وفاز عبره بالرئاسة وبالمركز الأول في انتخابات البرلمان عام 2014، وجمع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان في يده، ثم بدأت المطامع والمطامح الشخصية تؤتي أكلها، وتشق الحزب الواحد إلى ستة أحزاب، خسرت كلها الجلد والسقط في السباق الرئاسي، ولم ينج منها غير نبيل القروي، ربما لشعبيته الخيرية، والتعاطف مع كونه سجينا، تكالبت عليه زعامات أحزاب نداء تونس، المنسوبة كلها تقريبا لتراث بورقيبة وحكم بن علي من بعده، والمعبرة بوضوح صاف عن معنى الثورة المضادة، وكأن الثورة قامت لتحكم الثورة المضادة، وهو المعنى نفسه الذي انتهت إليه «حركة النهضة»، ذات الجذور الإخوانية، وقد شاركت في حكم تونس بمواقع متقدمة بعد الثورة، ثم راحت الثقة بها تتداعى، فقد حصلت في أول انتخابات حرة على 37% من الأصوات، ضاع أغلبها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وعجز مرشح النهضة الشيخ عبد الفتاح مورو، عن العبور إلى الدور الثاني، رغم أن حزب النهضة هو أكبر أحزاب تونس الحاضرة، ولم يشهد انشقاقات ذات بال، لكن شعبيته راحت تهوي بانتظام، فقد حصل على مليون صوت في انتخابات 2011، تراجعت إلى نصف مليون صوت في انتخابات 2014، ثم تراجعت إلى ما يزيد قليلا على 400 ألف صوت في انتخابات 2019، أي 12% فقط من إجمالي الناخبين المصوتين، وهؤلاء بدورهم أقل من نصف إجمالي الناخبين المسجلين، أي أن حزب النهضة حصل عمليا على 6% لا غير من أصوات التونسيين المقاطعين والمشاركين، وهو ما يضيف مددا إلى انطباع تكون سريعا في السنوات الأخيرة، مفاده انحسار جاذبية أحزاب اليمين الديني في الحياة العربية اليوم، وهو ما بدا ظاهرا، من مشرق العالم العربي إلى مغاربه، ومن انتخابات العراق إلى انتخابات تونس، وبالذات مع ثورة السودان، التي خلعت حكم اليمين الديني بانتفاضة الناس الأحرار.
كاتب مصري