انتظارات اليسار: من المساء الكبير إلى السحر الانتخابي

حجم الخط
0

ما عاد اليسار منذ وقت غير قليل ينتظر ما رمّزت له الصحافة الاشتراكية والفوضوية الفرنسية نهاية القرن التاسع عشر بتعبير «لو غران سوار»، أو حرفياً، «المساء الكبير»، قل «ليلة الخلاص».
تداخلت من وراء هذا التعبير الإحالات والمعاني. الانهيار الكارثي للنظام الرأسمالي من فرط تناقضاته، معطوفاً على الهجوم الكاسح لجماهير الشغيلة من كل حدب. استعادة لفيف من مشهديات العبور والخلاص والكشوف المستلة من التراث الديني اليهو ـ مسيحي، إنما من بعد إعادة إنتاجها على محك نهوض الدنيا بدورها وبدور الآخرة في وقت واحد. استعادة نموذج اقتحام المنتفضين القادمين من فوبورغ سانت انطوان لحصن وسجن الباستيل في المساء التفجيريّ للثورة الفرنسية. وفي الوقت نفس تحويل هذا النموذج إلى مشهدية أكثر جذرية وأوسع مدى، كونيّة، كلّية. التشوّق لسكرات «المساء الكبير» لعب دوراً تكوينياً بامتياز في مخيال الحركتين الاشتراكية والفوضوية في المرحلة الفاصلة بين كومونة باريس وبين نشوب الحرب العالمية الأولى وصولاً إلى الثورة الروسية وقد انقسم اشتراكيّو الغرب في إثرها، وبخاصة بعد استيلاء البلاشفة على السلطة، في من رأوا فيها تجسيداً لـ«المساء الكبير»، أو إنباء لدنوّه في البلدان الأكثر تصنيعاً من أوروبا في حينه، أو رأوا فيه النقيض لهذا المساء، أو انطلقوا من مسار الثورة الروسية للانفكاك عن أسطورة «المساء الكبير».
لم يكن «المساء الكبير» هو الأسطورة الوحيدة لـ«الطبقة العاملة الثوريّة». تعايش حيناً، وتواجه حيناً آخر مع أسطورة أخرى، تسمّى «التقدّم». المساء الكبير أسطورة الانفجار الكارثيّ الخلاصي غير المتدرّج. «التقدّم» أسطورة أن الزمن يسير بشكل تراكميّ، تصاعديّ، سواء اعتمد لذلك على المنظار «الاصلاحويّ»، التدرّجي، أو على المنظار «الثوريّ»، التوثّبي. من موقع انحيازه لأسطورة «المساء الكبير» انبرى الفرنسي جورج سوريل نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين لتوجيه نقده اللاذع لأسطورة «التقدّم» بوصفها «الدين العلمانيّ» للبرجوازية، الكفيل بتسميم نضال العمال. إلا أنّ سوريل لم يدافع عن «المساء الكبير» على أنه حدث منتظر حصوله، يتعين في الزمان والمكان، وإنما كأسطورة تحريكية، تعبوية، لها أن تحفر عميقاً في وجدان العمّال. ليس قليلاً بعد هذا أن يتأثر كلّ من بنيتو موسوليني وأنطونيو غرامشي بفكر سوريل، كلّ في اتجاه.
بعد الثورة البلشفية، حصل نوع من دمج غريب بين أسطورة التقدّم مدفوعة إلى أقصاها، وبين أسطورة المساء الكبير وقد تشرّبت أثر المسيحانية الروسية ولو بشكل لاواع أو مكابر. كان ذلك من خلال إذاعة أن الرأسمالية دخلت «أعلى مراحلها»، الإمبريالية، والبشرية دخلت مع التجربة السوفياتية ككل في «عصر الانتقال إلى الاشتراكية». بالنتيجة، استهلك القرن العشرون الأسطورتين. تجلى «المساء الكبير» في أيار 68 الباريسية كاستحالة لتحويل التمرّد إلى ثورة في مجتمع صناعيّ متقدّم منذ ذلك الحين وصاعداً. أم عندما تحرّك العمّال في بولونيا ضدّ النظام الشيوعي فقد ظهر أنّ «المساء الكبير» يمكنه أيضاً أن يُسخّر لعودة نفوذ الكنيسة ثم لعودة الرأسمالية. وعندما نضب رصيد «المساء الكبير» تحلّلت أسطورة «التقدّم» أيضأً، فلم تتمكن الأحزاب الاشتراكية الإصلاحية من الاستفادة من كبوة الأحزاب الشيوعية في أواخر سني الحرب الباردة، بل مضت معها في عثرات إثبات القدرة الحيوية على الانتقال إلى الألفية الجديدة. هكذا وجد اليسار نفسه من دون أسطورتيه التأسيسيتين. يعاني قبل مشكلته «في النظرية والممارسة» من مشكلة من المخيلة.

التناقضات هي بين الطبقات الشعبية نفسها، وداخل الرأسمال نفسها، أكثر بكثير مما هناك طاقة ليساري للاعتراف به

لكل من أسطورتي «التقدّم» و«المساء الكبير» محمولها الدينيّ، والميثولوجي. نضوبهما دفع اليسار في المقابل لاشتهاء السحر. صار يحلم بكل انتخابات، وبكل تعبئة جماهيرية، أو بشخصية كاريزمية، كأنها «بداية» جديدة محتملة. لقد ذاب الخيال الثوري في سلسلة من اللحظات السحرّية المنشودة. لم يعد التاريخ هو تاريخ الوعد، بالتقدّم أو بالكارثة الخلاصية، إنما صار تاريخاً من الترقّب. من يتذكّر، ممن كان بإمكانه أن يتذكر في ذلك الوقت، كيف جرى الاحتفاء بوصول طوني بلير الى رئاسة الحكومة البريطانية عام 1997، وكيف شاعت الكتابات التقريظية آنذاك بـ«الطريق الثالث» الفهلوي؟ أما من لم يجار تلك الموجة فاحتفل بوصول هوغو تشافيز في فنزويلا بعد ذلك بعام، على أنها باكورة الاشتراكية العالمية الجديدة. من يتذكر أدبيات الاحتفاء بوصول لولا عام 2003 لرئاسة البرازيل؟ هذا قبل أن يعمّ الاستبشار بأن كتابات كارل ماركس عادت تُقرأ في إثر الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من أزمة فقاعة الرهان العقاري الأمريكية؟ ومن ينسى «انشراح الصدور» بفوز حزب سيريزا في اليونان وتلقف ظواهر جيريمي كوربين وبرني ساندرز والأرقام التي يحرزها لفيف بوديموس في إسبانيا؟
يعيش اليسار في كل مكان من العالم على رفض وجيه للمقولة «الثاتشرية» في الأساس، من أنه «ما من بديل» ـ للرأسمالية، في ثوبها النيوليبرالي. يعيش على التأكيد، المنطقي في نهاية التحليل، بأنّه ثمة بديل. البديل عن اتساع الفوارق الاجتماعية مثلاً تقليلها. والبديل عن اضطهاد الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمعات حمايتها. هذا منطقي للغاية. لكنه ليس كافياً. إذ تسهل محاربته بأشكال من الربط المنطقي، المخاتل، الأخرى. من مثل أن اتساع الفوارق مع ارتفاع القدرة الشرائية للجميع وإن بتفاوت مزيد هو أفضل من ركود اقتصادي بنسب تفاوت أقل في الفوارق. بالنهاية، في هذه المفاصلة لا يمكن أن يفوز تصوّر أيديولوجي اجتماعي على الآخر، بقوة النقاط المنطقية المجتزأة على هذا النحو، وستبقى الناس هنا وهناك، حيث متاحة لها المنازلات الانتخابية، تضجر من رهط وتوليّ رهطاً آخر. إنما الحاصل في السنين الأخيرة، بشكل متصاعد أن الوجه المهيمن على اليمين هو اليمين الشعبوي، والوجه المهيمن على اليسار هو اليسار الشعبوي. مع ميل للرفع من مستوى الاختزالية في السياسة. اليمين الشعبوي يخوضها ضد المؤسسة الحاكمة و«القضاة الحمر» والمهاجرين، يصوّر المسائل كما لو كانت «الماركسية الثقافية» هي المستبدة بالصحافة والإعلام والجامعات في معاقل الرأسمالية. واليسار الشعبوي، «الخلاسي» أكثر، في مقابل «شعب اليمين» الباحث عن الصفاء والتجانس الاقصائيين، إنما يستطيب هذا اليسار خوض المعركة ضد «الواحد بالمئة» على الدوام، في حين أن التناقضات هي بين الطبقات الشعبية نفسها، وداخل الرأسمال نفسها، أكثر بكثير مما هناك طاقة ليساري للاعتراف به في أيامنا. في الوقت نفسه، اليمين هو الذي يربح بالمحصلة عند النظر الى الحسبة العامة. التنافس على أرضية «من الشعب أنا أم أنت» تميل في نهاية المحصلة لكفة اليمين طالما أن الأخير يعتمد على لعبة أن «الشعب هم الذين يشبهون بعضهم وبالتالي يستبعد منه فلان وفلان» في مقابل يسار شعبوي وتقاطعي في آن قائم على لعبة أن الشعب هم الذين تتقاطع السبل بينهم على قاعدة تبادل نتف المعاناة فيما بينهم كما لو كانت طوابع بريد. وليس هذا إلا المقابل المباشر لغياب الأسطورة. فبدلاً من أسطورتي «التقدّم» و«المساء الكبير»، اعتاد اليسار على «مساء ترقّب» الانتخابات التي يجهد، إذا ما أسعدته نتائجها، على أن يختط في اليوم الثاني عبارة «أن التاريخ دخل مساراً جديداً من هذه اللحظة»، وقد فاته أنه دبّج مثل هذا الكلام منذ انتهاء الحرب الباردة الى يومنا، عند كل موسم.

كاتب من لبنان

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية