«الهنغاري» رواية الجزائري رشدي رضوان: تعدد الخطابات والأنساق المتقابلة من التباين إلى التوحّد

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في روايته «الهنغاري» يعتمد الكاتب الجزائري رشدي رضوان على استدعاءات تاريخية حقيقية مثل الموسيقار المجري فرانز لست الذي لقب باسم شيطان البيانو، ويعدّ واحدا من أمهر العازفين على تلك الآلة بالإضافة إلى كونه واحدا من المؤلفين الموسيقيين المؤثرين بشكل لافت على الموسيقى العالمية، صاحب الرابسوديات الهنغارية والفالس مفيستو، ومثل الشيخ قدور بن غبريط مدير المسجد الإسلامي بباريس، بالإضافة إلى إشارات تحدد المدار التاريخي للراوية مثل الرايخ وهنريش هاملر قائد الشرطة السرية الغستابو أحد المسؤولين عن إبادة البشر في الحقبة النازية ومساعده رينارد هيدريتش، وسالاسي المجري زعيم حزب الصلبان السهمية. ويستند إلى شخصيات متخيلة لها وجود حيوي وفعال لبناء مناحيه المعرفية التي يؤسس لها، مثل جينو ماتيوش الهنغاري المسيحي، ومسعود الجزائري المسلم، ويحيي المديوني الجزائري اليهودي.
من خلال هذا الثالوث المتخيل يشيد الكاتب عالمه الروائي في إطار وجود خلفية موسيقية لها حضورها المؤثر، فالقارئ أمام رواية تبجل الموسيقى وتعلي من شأنها، بوصفها طريقا للاقتراب والتوحد مع المتعالي واللامتناهي، وبابا للوصول واكتشاف المجهول في لحظة أبدية تتعاظم على الألم ومعوقات الحياة، فهي طريق يوحد ويصيّر التعددية الدينية والعرقية إلى تجل إنساني لا يحفل بالصراع. فاعتماد الرواية على رابسوديات فرانز لست في بنائها العام في تحويل فصول جزء منها تحت مسمى رابسوديات له تأثيره في تجذير الأنساق المتباينة، فجينو ماتيوش في هذه الرواية يعد امتدادا لفرانز لست من جانب أول في انفتاحه على التراث الغجري في بناء رابسودياته، وكأنه بهذا التوجه يظل بعيدا عن التمييز العرقي الذي يعد المثير الأساسي للحروب، بالإضافة إلى التمييز الديني والأيديولوجي، لأن الإنسان-إذا نظر إلى نفسه على أنه متميز- سينظر إلى الآخرين نظرة بها المزيد والكثير من الدونية.
فالرواية تقارب سياقا تاريخيا به الكثير من الخصوصية، سياق الحرب العالمية الثانية التي كانت سببا من خلال نتائجها وأحداثها لنير الأسئلة التي لا تتوقف، أسئلة ترتبط بالإنسان، وفكرة الانتماء للإنسانية وجدوى هذا الانتماء، لأنها – أي الحرب – تعيد الإنسان إلى ذاته بفعل المواجهة، وإذا كانت منطلقة من تمييز عرقي يرفع شأن الذات، ويمارس تقليلا وإهدارا لقيمة الآخر، فإنها تفتح الباب لأسئلة متصلة بالوجود، تزلزل القيم الكبري مثل العدل والمساواة بين البشر. فالحرب تشعرك دائما بالضآلة، وتنفي الوضع المثالي للذات، وتضعه في حيز المساءلة، ففي مواجهة واقع مطبق قائم على تمييز عرقي، لا مجال للإيمان بصورة متخيلة للذات الفردية أو الجماعية مزدانة بقيم مثالية. فبعد الحرب ودورها في زلزلة القيم والتصورات تقول الرواية على لسان ماكيتوش: (لطالما اعتبرت نفسي جوهرة نادرة مصقولة بلا تكرار، ورجلا استثنائيا تفنن الرب في خياطته… اكتشفت أخيرا أنني مجرد ذرة غبار في مهب عاصفة قريبة).

الرابسوديات وتعدد الخطابات

استند الكاتب في بنائه لروايته على تعدد الخطابات بكل ما يحويه من التفاتات وانحناءات وتكرار من وجهات نظر قد تكون متباينة أو متجاوبة، تتقاطع الخطابات فيما بينها، لأنها تقارب الشخصيات نفسها في لحظات زمنية متباينة أو متطابقة، فهي تقوم في بعض الحالات بوظيفة إكمال الحكاية وترميم الناقص في كل خطاب على حدة، وفي بعض الحالات تقدم وجهات نظر متباينة لذات الحدث لتشكيل الفرادة الذاتية في تلقي الحدث لدى كل شخصية انطلاقا من الوظيفة المعرفية أو الأيقونية لكل شخصية. يتمثل الفارق في المكان والزمان، وفي قدرة هذا المكان على تخفيف الضغوط على الشخصيات، وفي زيادته وقياس أثره، بالإضافة إلى المقارنة بين قبول الآخر ورفضه ارتباطا بسياق حضاري خاص.
الرابسوديا السردية في نص الرواية تتشكل في إطار شهادة الذات على نفسها وعلى عصرها وسياقها الحضاري، فهي اعتراف ذاتي بالوجود وفق لحظة زمنية، وارتباط الرابسوديا السردية بالذات واستبطانها الخاص يجعلها بعيدة عن الخطاب النمطي الخطي، فتصبح وثيقة الصلة بالكتابة المتشظية ذات الطابع الحر المنفتح على لحظات أو تراث موغل في القدم. يتشكل خطاب الرابسوديا في الرواية من وعي الذات بوضعها الإشكالي، وارتباط السارد بمؤلف الرابسوديات المجري (فرانز لست) جعله وجها من وجوهه وتجليا له في انفتاحه على الهامش والمهمشين، وفي شعوره بمعاناتهم، فالرابسوديا في معنى من معانيها تمثل حنينا إلى الهامش وإلى الماضي، وتمثل محاولة دائمة للإمساك بهذا القديم المترسب.
الخطاب المتمثل في أوراق يحيي المديوني يؤدي وظيفة الإكمال الخاصة ببداية الرحلة بين (مسعود) الجزائري المسلم ويحيي المديوني الجزائري اليهودي، مع الإشارة إلى الانفتاح على الإنساني في الجزائر أثناء الحرب العالمية الثانية من خلال الاستناد إلى مقولات جدة المديوني، ويؤدي هذا الخطاب عملية التتميم والإكمال السردي لنهاية الرحلة والشكل الأخير للشخصيات الذي يفضي إلى توحد ما، وإلى إحلال بعضها مكان الآخر، على نحو ما يمكن أن نرى في الجزء الخاص بنهاية ماتيوش، واقترابه من مسقط رأس مسعود، وتحوله إلى صورة أخيرة له تكمل عمله ودوره، بعد أن تمّ إعدامه بسبب اشتغاله بالسياسة ومقاومته للمحتل الفرنسي.
تداخل الخطابات أوجد ما يمكن أن نطلق عليه خلخلة في ملامح البطولة، حتى لو كان عنوان الرواية مشدودا للهنغاري، ويضعه في بؤرة الاهتمام، مما يجعل شخصية جينو ماتيوش بتحولاته العديدة من جينو ماتيوش إلى التركي البكوش إلى الأب لاخوس أساسية، ولكن هذا التعدد أوجد مساحة مساوية وموازية للجزائري مسعود بغموضه وثباته، فأصبت أكثر جدارة في أن تسير جنبا إلى جنب مع شخصية جينو ماتيوش في تشكيل المناحي الفكرية للرواية، خاصة في ظل ذوبان الحوادث والشخصيات، وصعود الفكرة التي يتحرك في إطارها الجميع.
والخطابات ليست مرتهنة فقط بتشكل لغوي يختلف من سارد خارجي مراقب يقوم به الصحفي إلى خطاب سردي كاشف عن ذات تتلوّى في سوء تكيفها مع عالمها المحيط وأنساقه المطبقة، إلى خطاب متمم للنهايات ونتوءات البداية، ولكنها أيضا مشدودة إلى فضاء المكان، فهناك كابوشيفار في المجر، مكان السقوط من الدير (حيث يتوّحد جينو ماتيوش مع آدم)، من خلال فاعلية سلطة القوة القاهرة، وعنفوان التمييز القائم على الأعراق، وهناك في الشمال الفرنسي بيت مادلين الكاشف عن أثر الحرب على النساء وتحويلهن إلى سلعة ومساحة للانتهاك مع كل حرب. بين هذه الأماكن والفضاءات تتقاطع الأزمنة والخطابات، حيث تؤدي القوة دورها في إسدال الاغتراب والتيه، وطمس معالم الذات وانسحاقها، فتتحول إلى ذات مقموعة لا تكشف عن داخلها إلا في لحظات خاصة تتخلى فيها عن خوفها، على نحو ما يمكن أن نرى سلوك ماتيوش حين اعتدى الكومندان الألماني على الفتاة الخرساء.

من الأنساق المتقابلة إلى التوحد

في خطاب الرابسوديات يكتشف القارئ حالة من التوازيات والتقابلات بين أنساق وفصائل متباينة في التوجه ونقطة الانطلاق، وقد تشكل ذلك في خطاب الرواية انطلاقا من كونها خطابا مضادا لكل أصناف التمييز بين البشر، وهيمنة السلطة والقوة، ولقد استندت الرواية للاشتغال على هذا الخطاب إلى فترة كان أثرها السلبي والكارثي غير محدود، وظلت ذكرى سيئة لكل من يؤمن بالمبادئ الإنسانية من العدل والمساواة دون نظر إلى عرق أو دين.
وإذا كان جينو ماتيوش يمثل حجر الزاوية في تشكيل نسق المقهورين والخارجين عن الإجماع في التوجه العام، فإن القارئ يمكن أن يضع في حدود ذلك النسق مجموعة أخرى من الشخصيات مثل كاتيكا الغجرية وإليزا وزوجها راؤول، وصاحب الحانة ساندور وزوجته في مقابل جماعة فريتز التي تمثل الشعب الذي تحركه الشعارات الحزبية وسالاسي زعيم حزب الصلبان السهمية وزعيم الحزب الشيوعي الذي أصبح صراعه مع الحزب الآخر صراعا على التقرب من الرايخ الألماني، بالإضافة إلى مسؤول الأمن في كابوشيفار الذي كان أكثر الشخصيات ثقلا في ذلك الإطار أو النسق في شعور الآخرين بالانسحاق، تقول عنه الرواية: (رجل يجسد وجوده على الأرض معنى أن يعاقبك الرب على ذنوبك قبل أن تصعد إليه).
لكن حضور النسقين السابقين اللذين يتشكلان في سياق الهيمنة من جانب، وسياق المقموعين والمهمشين من جانب آخر يكشف في بعض الجزئيات عن أن هناك شخصيات تخطت حدود المشابهة في الإطار العام، أو الوجود في الجوار داخل النسق إلى حدود التماهي والتوحد، وكأنها أصبحت صورة للذات أو مرآة لها، بحيث لا يصبح هناك فارق كبير بينهما. أولى هذه الترابطات تتمثل في الترابط الموجود بين جينو ماتيوش والموسيقار فرانز لست بالرغم من الفارق الزمني، ولكن طريقة استحضار فرانز لست وفاعليته صنعت من ماتيوش امتدادا له، أو على الأقل أصبح وجها من وجوهه العديدة، وقد تمثل ذلك في المزاوجة والتوازي بين الرابسوديات الموسيقية والرابسوديات السردية التي تتضمن شهادة ذات على حياتها وعصرها وتقلباته المرهقة.
لكن التوحّد اللافت للنظر في نص الرواية يتمثل في توحّد ماتيوش مع الجزائري مسعود، خاصة وأن الترابط بينهما ترابط يشير في تشكله إلى الوجود الإنساني المنفتح على العميق والمؤسس في نفوسنا دون معوقات الجنس والعرق، وكأن في هذا الترابط أو في هذا التوحد شكلا من أشكال المجابهة أو المقاومة لكل أشكال التمييز التي نراها متجلية في الحرب التي مزقت الجميع، ففي هذا الترابط إعلاء للإنساني في شكله العميق قبل الانزواء تحت الانقسامات بدعوى الدم الأزرق الآري.
الرواية تمثل صرخة تحذير، لأنها مبنية على تجربة ومعاناة، فكتابة ماتيوش في رابسودياته كتابة استعادية بعد نزال الحياة، ومقاربة التباينات والاختلافات والتوازيات التي تتشكل في إطر متقابلة. هذه الكتابة الاستعادية تبدأ من لحظة النهاية والإدراك والمعرفة، ولهذا تأتي صورة مسعود في الرواية متفردة، وغير مقيسة إلى شبيه أو نظير، بل ومحاطة من خلال فعل التغييب وضميره السردي بشيء من التقديس في طريقة تقديمها من خلال نص سردي كشفي مقطّر، بالإضافة إلى توحّد ماتيوش معه في النهاية، وكأنه يشكل بانتقاله إلى مسقط رأس مسعود إحياء له ورفضا لمقتله وانتهاء وجوده، لأنه يمثل الثورة على كل أشكال التمييز والقهر والظلم، فمسعود ينطوي على معنى نبيل في كل حالاته حتى في لحظات هزيمته وانكساره.

رشدي رضوان: «الهنغاري»
دار العين، القاهرة 2021
227 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية