«الهاربات».. عن هموم وقضايا الإنسان العربي

القاهرة ـ «القدس العربي»: فاز مؤخراً العرض التونسي «الهاربات» لمؤلفته ومخرجته وفاء الطبوبي بجائزة مهرجان المسرح العربي في دورته الـ (16)، الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح. أقيمت هذه الدورة في القاهرة في الفترة ما بين 10 و16 يناير/كانون الثاني 2026، التي ضمت عدة عروض عربية.. «مواطن اقتصادي» المغرب، «مأتم السيد الوالد» العراق، «كارمن» مصر، «كيما اليوم» تونس، «الساعة التاسعة» قطر، «على خطوط التماس» لبنان، «من زاوية أخرى» الكويت، «وندوز آف» المغرب، «جاكرندا» تونس، «طلاق مقدس» العراق، «بابا» الإمارات، «مرسل إلى» مصر، و»فريجيدير» الأردن. مع ملاحظة أن عرض «الهاربات» فاز أيضاً بالجائزة الكبرى بمهرجان أيام قرطاج المسرحية في دورته الـ 26 عام 2025. العرض إنتاج المسرح الوطني التونسي، أداء.. فاطمة بن سعيدان، منيرة الزكراوي، لبنى نعمان، أميمة البحري، وصبرين عمر، وأسامة الحنايني. تأليف وسينوغرافيا وإخراج وفاء الطبوبي.

كائنات وحيدة على محطة باص

على محطة الباص تتلاقي الشخصيات مُصادفة كيفما اتفق.. امرأة مُسنّة كانت تعمل خادمة حتى تعول أولادها، الذين هجروها وتركوها وحيدة بعدما أدت رسالتها، رجل يعمل في مصنع كابلات كهربائية مطلق وأب لطفلين يدور في فلك لقمة العيش، عاملة في مصنع خياطة تريد الزواج وتكوين أسرة هرباً من سلطة العائلة، خريجة كلية حقوق تعمل كاتبة تحت التمرين في مكتب محام على أمل أن تمارس مهنة المحاماة بالفعل يوماً ما، جامعة قوارير بلاستيكية أشبه بمشرّدَة، ومدرّسة تحلم بالتعيين والاستقرار في مهنتها، تعمل مساعد مدرس تحت الاختبار، ولم تقبض راتبها بعد. ست شخصيات لا تبحث عن مؤلف، بل تم تألفيها وفق هوى ظروف اجتماعية واقتصادية لا دخل لهم بها. ينتظرون مرور الباص حتى يصل كل منهم إلى مكانه، ولكن يطول الانتظار، وتتفاعل الشخصيات كاشفة عن مأساة ربما تبدو فردية في البداية، إلا أنها في الأخير ترسم ملامح أزمة كُبرى تحيط بالجميع وتتحكم بهم. هذه الكائنات أيضاً لا اسم لها، وكأنهم يُعرّفون أنفسهم من خلال عملهم أو مهنتهم ـ أصبحوا أشياء ـ وهو أمر ينفي إنسانيتهم، فهؤلاء لن يستشعروا إنسانيتهم ووجودهم في ظل هذه الظروف.

حالة الانتظار

ولكن.. ماذا بعد الانتظار؟ الأمر هنا أشبه بسجن كبير تُغزل خيوطه وقضبانه في غفلة من أصحابه، ربما حالة الانتظار هذه هي التي كشفت لهم عن معنى ما يعيشونه بالفعل، الجميع مشغول باليوم ومروره، ليس كيف مرّ، بل المهم أنه مرّ وانتهى، وهكذا كل يوم. حالة الانتظار هذه جعلتهم في حالة من شجاعة مواجهة مصيرهم، بداية من كونهم غرباء عن بعضهم بعضا، كما أن الجميع في المأزق نفسه ـ كل حسب حالته وظروفه ـ لتبدأ الاعترافات والمشاحنات والتعليقات من كل منهم تجاه الآخر.

محاولة البحث عن حل

الخطوة الأخرى هي البحث عن حل، وكيفية الخروج من الأزمة، فكانت المرأة المُسنّة هي الدليل ـ بما لها من خبرة حياتية ـ فهي كما تقول أو تتوهم، تعرف الطرق جيداً، وهكذا يسيرون كما مسيرة العميان، ليعودوا سيرتهم إلى المكان نفسه (محطة الباص)، فهي دائرة سعي مغلقة لا تنتهي. ومن فكرة أو حالة (العمى) هذه، وهي حالة مجازية أكثر تأثيراً من كونها عضوية تتماس الحكاية مع المُتلقي أكثر، فالشخصيات قريبة منه، ولا تتحدث أو تبحث عن تهويمات، أو تعيش حالة من التأمل الفلسفي الفارغ، كما في الكثير من العروض، بل شخصيات من الحياة بالفعل، وليست قاصرة على وعي مؤلفها المعطوب. الأمر الآخر هو الأزمة القائمة ومحاولة اكتشاف أو استكشاف أسبابها، حتى لو لم تعرف الشخصيات السبب، إلا أنها توحي به للمُتلقي، لتصبح الأزمة وضياع حيوات هؤلاء تتمثل في (السلطة). فلا ننسى أن العرض تعبير عن صُنّاعه وأحوالهم، وهو انعكاس غير مباشر لوضع اجتماعي وظرف سياسي بالأساس، وهنا لا نشهد تهويمات عروض من دول الخليج مثلاً، أو افتعالا وتشتيتا كما في العروض المصرية ـ (كارمن) كمثال على ذلك ـ بل فعلا حيا يعيشه ويتنفسه التونسيون، ويعرفون وفق ثقافة متأصلة كيفية التعبير عنه، فالأزمة أزمة سلطة بالأساس، خاصة بعد الحلم بتحقيق عدالة حقيقية صعد مع الثورة التونسية، وتبدد بفضل السلطة الحالية، ليعيش الجميع في حالة انتظار لا تُحتمَل حتى ينتهي هذا الكابوس.

العرض المسرحي

حاول العرض التأكيد على هذه الأفكار وكذلك شخصياته وحيواتهم.. الفراغ، العزلة، حالة الضياع الدائم، ولا مستقبل تبدو معالمه، هنا يصبح المكان عبارة عن حائط، وأفق مظلم، وكذا بعض اللوحات الإرشادية المعهودة في الطرق.. (ممنوع)، (منطقة أشغال) فالطريق غير صالح، وإشارة تمنع المرور، وهكذا التعبير عن حالة عامة في حياة هؤلاء يعيشونها، أكثر من كونها إشارات أيقونية، أصبحت تتجاوز دلالاتها.

بعيداً عن النسوية

وحتى لا يوصم العرض بمصطلحات يدمنها المنظرون، ونقصد (النسوية)، لا نجد سوى رد مؤلفة ومخرجة العرض نفسها على انتماء العرض للنسوية ـ كليشيهات تنظيرية في كل ندوة ـ ذلك في الندوة التي أقيمت في المهرجان، فتقول.. وجود 5 شخصيات نسائية في العرض لا يشير إلى أنها تتناول قضية نسوية، فهذا انطباع يستسهل الأمور… فالعرض يضم شخصيات نسائية درامية، وليس شرطاً أن تناقش قضايا نسوية، هناك مواقف في الحياة، نجد فيها النساء بأعداد أكبر، وفي مواقف أخرى نجد العكس. فالموقف الدرامي هو الذي يحدد نوع الشخصيات وشكلها.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية