الناقد والمترجم المصري سليمان العطار: من قيود الأكاديمي إلى فضاء الثقافي والفكري

عادل ضرغام
حجم الخط
0

الكتابة عن سليمان العطار (1945 ـ 2020) كتابة عن قيمة علمية وإنسانية في الوقت ذاته، لأنه واحد من القليلين الذين لهم تأثير في الدراسات والبحوث العلمية والفكرية، ولهم تأثير لا يقلّ قيمة في الجانب الإنساني، وربما يكون تكوينه الإنساني المنفتح على التعدد والسماحة المفرطة في تلبسها بالرضا سببا مهما في تشكيل ملامح منهجه في الدرس الأدبي.
أول شيء يمكن أن يلفت انتباه أي متأمل لنتاجه يتمثل في التنوع والتعدد في الإسهام في مجالات عديدة، وكلها إسهامات لها تأثير في مجالها، ففي مجال الدرس الأكاديمي تنوعت دراساته بين الدرس الأدبي والأدب المقارن والأدب الشعبي، ومن أهم مؤلفاته «الخيال والشعر في تصوف الأندلس»، و»مقدمة في تاريخ الأدب العربي: دراسة في بنية العقل العربي»، و»الموتيف في الأدب الشعبي والفردي»، و»الموشحات الأندلسية». ولكن شهرته- بالرغم من هذا المنجز السابق – جاءت من إسهاماته في مجال الترجمة، فقد ترجم أعمالا من الأدب العالمي، مثل «مئة عام من العزلة» لماركيز، و»دون كيشوت» لسرفانتس، و»خلية النحل» لخوسيه سيلا.

آليات المقاربة

في كل ما قدم العطار في مجال البحث الأكاديمي هناك نسق لشخص يتأمل بشكل خاص لكي يرصد التشابهات والتناقضات والارتكاسات، ويحاول أن يبحث عن المصدرية التي شدته بعد ذلك إلى تصوراته عن الأنماط الفاعلة في الثقافة العربية وفي العقل العربي الذي يركن إلى الثبات، وارتباطه بالبحث عن المصدرية أو العلة التي أدت إلى الشكل الذي يقاربه ويتأمله. ولأن العطار ينتمي إلى جيل من النقاد والباحثين الحقيقيين أصحاب المنزع الموسوعي في الدرس الأدبي فنجد في مقاربته للأعمال في كتاباته لها سمت خاص، فمن جهة أولى لا يقارب الأعمال الأدبية دون أن يفهمها فهما حقيقيا، ودون ادعاء أو تدليس أو كذب مشفوع بالتمويه على القارئ، ومن جهة ثانية تجده في اعتماده على النظريات والمناهج يستخدمها استخداما خاصا، فلا يتوجه إليها بشكل مباشر أو جامد، وإنما يظهر أثر تلك النظريات في مقاربته بشكل عرضي، فليس هناك صعوبة في أن يكتشف قارئ كتابه «الخيال والشعر في تصوف الأندلس» أثر المنحى الأسلوبي في الدرس الأدبي، وخاصة في ارتباطه بطبيعة التناول والمقاربة.
وربما كان استناد هؤلاء النقاد – وهو واحد منه – إلى جزئية الفهم سببا مهما في أن تظلل كتب العطار جزئيات مرتبطة أو مهمومة بالتساؤل المستمر، وتتبع الأفكار، ومحاولة تبرير ظهور الشخصيات أو انقطاعها بشكل لافت أو حاد. فغياب اسم ابن مسرة من المصادر بعد نهاية القرن الرابع الهجري، وعودته للظهور من خلال إشارات ابن عربي لا يمرّ عليه أثناء بحثه، وإنما دفعه إلى التساؤل عن مغزى ظهور الاسم في كتابات ابن عربي، مما يجعله يصل إلى نتيجة مؤداها كون ابن مسرة له توجه خاص مشابه لتوجه ابن عربي، في اهتمامه بمسألة الحروف من جانب، وفي مزجه اشتغاله بالفلسفة والاعتزال بالتصوف من جانب آخر.
وفي بحثه عن الفهم تجلت له التشابهات والنظائر والتجليات العديدة للفكرة عبر العصور والأزمنة، فلدى العطار يقين بأنه لا شيء يولد من فراغ، وأن الآداب والفنون تتشكل في إطار متنام بنّاء من خلال الإضافات التي يضيفها الأدباء أو الشعراء على مدى الفترات والعصور الزمنية، ولهذا نجد في كتاباته، وخاصة في كتابه «الخيال والشعر في تصوف الأندلس» اهتماما بدراسة المصادر الخاصة بكل فكرة، فنراه يتتبعها مراقبا طبيعة تشكلها في كل فترة وفي كل عصر.
نستطيع أن نقرر شيئا مهما عن آلية مقاربة العطار في اقترابه من موضوعاته، خاصة في أعماله الأولى على الأقل، فهو يبدأ من المستوى البسيط إلى المستوى الأكبر، في حركة قائمة من البداية على التفتيت الذي لا يتجلى لذاته، وإنما للوصول من خلال مقاربة هذه الجزئيات وتداعياتها الدلالية في ارتهاناتها الجزئية إلى مقاربة نسق كلي يستند إلى تفعيل الجزئي، بوصفه النواة الفاعلة في التشكيل البنائي للنص..
في مقارنته بين نص شعري من «ترجمان الأشواق» لابن عربي، وبعض رسائل «الإشارات الإلهية» لأبي حيان التوحيدي، لا يكتفي بتقرير فرضيته الواضحة، ولكن – لطبيعته الخاصة في استجلاء موضوعاته العلمية – يقدم دراسة مقارنة بين العملين تبدأ من المعجم في النصين، ثم يبدأ في تناول البناء اللغوي وظواهره متحركا بصورة لافتة نحو البني الأكبر حجما، ليصل في قفزة ثالثة إلى الرمز في القصيدة وارتباطه بنص الرسالة، ويختم هذا المنحى الذي ينطلق من الجزئي إلى الكلي الذي يشكل الهدف الأساسي من التفتيت السابق إلى دراسة المقامات والأحوال الصوفية بين النصين.
وثمة ملاحظتان مهمتان في آلية مقاربة العطار لحدود التشابه بين النصين، الأولى تتمثل في الارتباط بالفكرة بعيدا عن حدود النوع الأدبي، وهو توجه يشير إلى حتمية معرفته بالجانب النظري (للتناص)، وارتباط مقاربته -أي التناص – بالطبقات المعرفية التي تتشكل للأفكار في كل فترة زمنية، وفي ظل الاهتمام بالطبقة المعرفية وطبيعة تشكلها، تتضاءل جزئية حدود الأطر والأنواع الإبداعية، وأثرها الفعال في التأثير على المبدعين اللاحقين. بحيث تتداخل في ظلّ فكرة الطبقات المعرفية المشكلة للأفكار والمتشكلة منها الفنون والأنواع الأدبية، فالفاعلية هنا للفكرة، وليست لمحددات النوع، وحضورها.
أما الملاحظة الأخرى فتتمثل في كون دراسة هذا الترابط – انطلاقا من ارتباط كل مبدع بسياق حضاري، وتأثير ذلك السياق في مقاربته الموضوعات التجريدية الكبرى – لا يؤثر بأي حال من الأحوال على أصالة ابن عربي في منحاه الخاص به، ولكن مناط الاهتمام في ذلك السياق، وذلك التأسيس إثبات نوع من البناء المتنامي للفكرة، وتشكلاتها على فترات متباعدة استنادا إلى تشابه المناحي الفكرية، والفصائل الإبداعية التي تعتبر بثباتها وتمددها جزءا أساسيا من بنية العقل العربي.

من قيد الأكاديمي إلى براح الثقافي

في المرحلة الأولى من منجز العطار يشعر القارئ أن هناك تركيزا في كتاباته على البحث والتقصي، وتقليب أي ظاهرة يتعرض لها على وجوهها العديدة، بشكل يدعو في بعض الأحيان إلى شيء من الاستغراب والاندهاش، ولكنه في مرحلة تالية يتحول نسق كتابته إلى شكل مغاير. فإذا كان في المرحلة الأولى مهموما بإثبات مشروعية توجهه من خلال الإلحاح على مقاربة الظاهرة من جميع وجوهها المتاحة، ففي هذه المرحلة يتحول نسق كتابته ومقاربته تحولا خاصا، فهو ينطلق من الامتلاء والقدرة على الفيض بحرية لافتة، حيث يتخلص من قيود الأكاديمي ومحددات خطابه إلى براح الثقافي للالتحام بقطاع عريض.
ففي كتابه عن «الموتيف في الأدب الشعبي والفردي»، ومن خلال تحلله من قيود الدرس الأكاديمي، ينفتح على موضوعه انفتاحا لافتا بوصفه رسالة إلى القارئ العادي البسيط المهموم به وبنقل فكرته إليه، ربما تجد صدى أو شيئا من حركة تزحزح هذا الثبات الذي يراه العيب الأكبر في تشكيل العقل العربي. فهذا الثبات أثرت في رسم خطوطه، وتجذير ملامحه مجموعة من الأسباب، منها ما هو ديني، منها ما هو سياسي مشدود لنمط المجتمع المسيّج بأسس ثابتة وفاعلة على الدوام، وهي الأفكار التي ستأخذ شكلها النهائي في كتابه «مقدمة في تاريخ الأدب العربي».
المتأمل لأفكار العطار يدرك أن هناك أفكارا تشكلت في بداية إسهامه في الدرس الأكاديمي، وهذه الأفكار أصبح لها وجود مختلف في كتبه العلمية التالية، بل تحركت من كونها جزئية داخل متن، إلى عنوان يمثل متنا قائما بذاته. في كتابه «الخيال والشعر في تصوف الأندلس» يتناول في جزء من الكتاب موتيف الرياح وعلاقاته الرمزية داخل البناء الشعري عند ابن عربي، ولكن تناوله يأتي واقفا عند حدود التناول الجزئي، فلا يعنّي نفسه بتعريف الموتيف، وإنما نجده انطلاقا من فكره وطبيعته مشغولا بالبحث عن فاعلية الموتيف في سياق النص موضوع المقاربة والتناول.
العطار في اعتماده على المنظرين الغربيين مثل ستيف تومسون أو بروب أو غيرهما، لا يقف عند حدود تناولهم واشتغالهم. فالموتيف الذي يعني في الأدب الموضوع أو الفكرة التي لها حضور دوري في الأدب بأنواعه المختلفة، وتستخدم بوصفها مصطلحا في علوم وتخصصات عديدة، مثل الرسم والنحت والعمارة والموسيقى، على أنها نوع من الحضور المتكرر الذي يحمل بالضرورة معنى أو ملمحا ثقافيا تكوينيا يرتبط بشكل أو دلالة تم استخدامه من  قبل المنظرّين الغربيين على أنه يمثل آلية سكونية ترتبط بتصنيف الأدب، وتحديد أنماطه، وتسكين كل جزء في مكانه، يتجلى ذلك في استخدام بروب للموتيف، واختياره لمسمى (الوحدة الوظيفية) في كتابه «مورفولوجيا الحكاية».
ولكن مقاربة العطار للموتيف تضع فكرة التشابه أو التناظر في الحكايات الشعبية أو الأساطير لبنة للانطلاق إلى استبصار فاعليته وحضوره في شكل خاص، فعمله لا يقف عند حدود إدراك التشابه لإكمال عملية التسكين النوعي أو الوظيفي، ولكنه يقارب الفاعلية لحظة التشكيل، فيبدو إدراك  التشابه أو التناظر ليس بوصفه نواة ساكنة مستمرة في السكون، بل يكشف هذا عن حضور وحركة وتجليات مشدودة للنسق العام، ولكنها لا تبقي عليه.
تنبع قيمة مقاربة العطار لموضوع الموتيف في كونه يستند في مقاربته إلى تشكلاته وتجلياته عبر أزمنة مختلفة، وثقافات متباينة، ويعاين التحويرات التي أسدلتها كل ثقافة عليه، انطلاقا من طبيعتها، ومن طبيعة السمات التي يمكن أن تسهم في تشكلها وفي استمرارها وارتكاسها وثباتها، وطبيعة التوجهات، وطبيعة العقل. ولا تقف حدود التحوير في التشكل النصي للموتيف عند طبيعة كل ثقافة بارتهاناتها المزمنة، وإنما ترتبط في تحولاتها الشكلية، وتحويراتها الدلالية بالأنواع الأدبية، على نحو ما يمكن أن نرى في مقاربته لموتيف موت الأب في رواية «بداية ونهاية» أو في «الثلاثية» لنجيب محفوظ، أو مقاربته لرواية «مائة عام من العزلة» لماركيز، أو مقاربته للسيرة الشعبية مثل «الزير سالم» و»سيف بن ذي يزن»، أو في سيرتي عنترة وأبي زيد الهلالي.
ربما كانت جزئية الانفصال أو الانبتات عن التاريخ القديم من الجزئيات التي أسس عليها العطار رؤيته للسياق العربي بشكل خاص. ففي لحظة من لحظات التاريخ يحدث هناك انفصال أو انبتات للأمم عن تاريخها الموغل في القدم، وربما يحدث هذا الانفصال الذي يؤدي إلى محو السابق لتجذير أو لتحديد بداية هذه الأمم بدين ما، مثل تجذير التطابق بين العروبة والإسلام، وما قبل الإسلام يتمّ محو تاريخه، وإن وجد فإن تجذير لحظة البداية تحاول أن تشوهه، مثل كل النماذج العربية التي تضاءل وجودها بفعل ممارسة التشويه تجاهها لإسدال نسخة وعي وإدراك جديدة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية