قبل ثلاثة أعوام، أقيم احتفال في بلدتي، جرى فيه تكريم أولئك الذين أسّسوا فريق النادي الأهلي لكرة القدم في البلدة، الذي كانت نواته فرقة كشّاف منذ عام 1950، وزّعت خلاله دروع تقديرية على الأحياء منهم، وعلى أبناء الراحلين منهم.
خلال الاحتفال، تحدّث أحد المؤسّسين، وهو مسنٌ عمل في سلك التربية والتعليم (سميح خطيب)، في ذلك الوقت كان عدد السُّكان حوالي ألفي نسمة بعد النكبة، نصفُهم من اللاجئين من قرى مهجّرة أخرى.
«لعبنا على بيادر البلدة التي تحولت إلى الملعب حتى يومنا، وكان للون الرّايات التي كنا نغرسها حول الملعب أهمية كبيرة، إذا علّقنا الرايات الحمراء على أشجار الزيتون المحيطة بالملعب، فهي إشارة لأبناء البلدة «المتسلّلين»، الذين كانوا يترددون على القرية بعد النكبة، بأنّ البلدة مطوّقة، وأنّ الشرطة منتشرة فيها وتتربّص لهم، أما إذا علّقنا رايات بيضاء حول الملعب، فهي إشارة لـ»المتسللين» بأنّ البلدة آمنة، وبإمكانهم أن يهبطوا من الجبال والوعور للتزوّد بالماء والطعام ورؤية الأهل». كانت هذه نواة للنادي الأهلي لكرة القدم في البلدة، وقد استعار مؤسِّسوه اسمه من النادي الأهلي المصري، وكان لهم شركاء في هذه التسمية في ما بعد من قرى أخرى، أذكرُ منها فريق الأهلي أم الفحم. كان النادي الأهلي ينظّم مباريات ودّية بين عدد من الفرق العربية، ومهرجانات في أيام عيديّ الفطر والأضحى، ينتقل خلاله معظم أهل القرية إلى الملعب الذي تنتشر حوله أكشاك المرطبات والمثلجات والأطعمة والألعاب والحناطير وغيرها. ستمر اللعب طيلة أيام العيد للفوز بالكأس، كانت الفرق المشاركة من القرى والمدن العربية، وعلى رأسها فريق أبناء عكا المنافس الأقوى في حينه لفريق مجد الكروم، فقد عُرف عن عكا فريقها قبل النكبة، نجد عنه شرحاً جميلا في رواية «بردقانة» الصادرة عن دار الآداب للكاتب إياد البرغوثي، وفريق أبناء كفر ياسيف، وطمرة، وسخنين وشفا عمرو والفريديس وغيرها. في مهرجان الكأس، كانت تحضر عائلات، وجمهور كبير من القرى المجاورة، ولم يكن غريباً وجود نساء وفتيات بين الجمهور، وهو ما لا نراه اليوم في بلداتنا إلا نادراً، كان بعضهن أمهات وأخوات للاعبين، ولكن السِّر في حضورهن، هو أنّك لم تكن تسمع كلمة واحدة تخدِشُ الحياء، لا من الجمهور ولا من اللاعبين، وكان أي لاعب يتفوّه بكلمة نابية يُبعدُ فوراً من المباراة بواسطة المنظمين مهما كانت أهميته، وهذا انطبق على الجمهور، فقد كانت الأخلاق والروح الرياضية والتسامح واحترام الضيوف أوّلا وفوق كل شيء، وكان كابتن الفريق شخصية قوية مسيطرة ينفّذ قراراته بحزم.
تأثّرت مباريات كرة القدم بالجو السِّياسي العام، فقد سارت هذه الرياضة دائماً في خط موازٍ للسياسة المحلية والدولية
اعتمد الفريق على تبرُّعات الأهالي، ولم تكن أجرة للاعبين، سوى المعنوية، بل كان على كل واحد منهم أن يقتني حذاءه الرياضي من ماله الخاص، أو مما يُجمع من تبرعات بعد كل مباراة يحالف الفريق فيها الحظ والفوز.
النادي الأهلي استمر حتى عام 1969، إذ اعتقل كابتن الفريق المرحوم راجح بشر وبعض زملائه، وتبيّن أنه قائد لخلية فدائية تابعة لتنظيم فتح، اكتشفت السُّلطات أمرها بعد انفجار سيّارة في مدخل مدينة عكا، استشهد فيها شابان كانا من أعضاء النادي الأهلي، هذا أدى إلى ملاحقة السلطات للنادي والتضييق عليه، ومن ثم تفكّكه. انتهى فريق النادي الأهلي بتوحيد ما تبقى منه، مع فريق جديد نشأ في البلدة هو (هبوعيل) التابع للنّقابة العامة للعمال في إسرائيل (الهِستدروت)، وصار اسمه هبوعيل مجد الكروم، استمر حتى 2010 حيث تأسس من جديد فريق اتحاد أبناء أحمد مجد الكروم، وهو أحد لاعبي الدفاع في النادي الأهلي الذي رحل مبكّراً أحمد زيحو. تنقل فريق بلدتنا بين الدرجات من الثالثة حتى الممتازة في الدوري الإسرائيلي، ثم ضعُف بسبب التصدير الكثير للاّعبين الجيّدين، ممكن القول إن بلدتنا مُصدِّرٌ كبير للاعبي كرة القدم، وصل بعضهم إلى العالمية حتى الصين، وإلى فرق الدرجة الممتازة والعليا والأولى في نوادٍ إسرائيلية، وكذلك في فرق الدوري الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس، وهذا لم يقتصر على الذكور، فقد تأسّس فريق للفتيات منذ حوالي خمسة عشر عاماً، وصل بدوره إلى الدوري الممتاز، ونافس على المواقع الأولى، وأنشئت منذ بضع سنوات في بلدتنا أكاديمية لكرة القدم، يتدرّب فيها مئات الأطفال من البلدة وجوارها بإشراف مهنيين ومحترفين لاختيار الجيّدين منهم للعب محلياً، وللتّصدير إلى الدرجات العليا.
في جميع المراحل تأثّرت المباريات بالجو السِّياسي العام، حتى الاضطرار إلى إلغاء بعضها بسبب حالة توتر شديدة بسبب حادث أمني أو ما شابه، فقد سارت هذه الرياضة دائماً في خط موازٍ للسياسة المحلية والدولية.
*كاتب فلسطيني