المهاجرون غير الشرعيين بين التهريب طوعا والإتجار قسرا

وجدان الربيعي
حجم الخط
0

فاجعة أخرى تصيب المهاجرين السريين الذين ذهبوا ضحية مافيات الإتجار بالبشر. حيث تم العثور منذ أيام معدودة على 39 جثة في شاحنة بريطانية من بينهم مراهق وثماني نساء، الشاحنة انتقلت من بلجيكا على عبارة للسيارات قطعت بحر المانش في طريقها إلى بريطانيا.

وتشير بعض المعطيات إلى أن الضحايا كانوا يخططون للدخول تسللا إلى بريطانيا على ما يبدو إلا أنهم تجمدوا حتى الموت داخل حاوية شاحنة تدور حولها الألغاز. وتقول الشرطة البريطانية إن أغلبيتهم قدموا من الصين.

ويذكر هذا الحادث الأليم بآخر شبيه به كان قد حدث في ميناء دوفر البريطاني عام 2000 حيث لقي 58 صينيا حتفهم اختناقا داخل حاوية محكمة الإغلاق.

وتعمل السلطات البريطانية حاليا على تطوير آليات ضبط الحدود وملاحقة شبكات تهريب البشر وتحذو حذوها في ذلك دول أوروبية لكن من دون جدوى، فتجارة تهريب البشر والإتجار بهم تزداد تناميا مع ازدياد الفقر والبطالة والحروب حول العالم.

وتعمل مافيا التهريب دوما على ايجاد طرق التفافية والتوائية عبر القوارب أو الشاحنات أو القطارات وبوثائق مزورة وبموافقة الضحية الذي يستدين مقابل الركوب على متن قوارب الموت حين تصبح الحياة مستحيلة أو يترجل ماشيا آلاف الأميال ليقع فريسة تجار التهريب فيتم استغلال ضعفه وفقره وحاجته إلى المال.

الضحية واحدة

تتعدد أسباب الهجرة لكن الضحية واحدة وهي المهاجر الذي يركب الخطر ليبحث عن حياة كريمة حرم منها في بلده.

وبين التهريب والإتجار هناك فرق رئيسي هو أن المهاجرين يشاركون في التهريب طوعا في حين يكون الإتجار قسرا وبهذا يتعرضون لمأساتين في وقت واحد ويصبح أمرهم ومصيرهم خارج يدهم. فالطريق إلى الغرب ليس مكللا بالزهور واللاجئ قد ينجو ويكون محظوظا ان لم يبتلعه البحر أو يموت خنقا وبردا في الشاحنات المبردة.

الدكتور فتحي المسعودي أخصائي نفساني وعضو العديد من المنظمات العاملة في مجال الجاليات المهاجرة في بريطانيا تحدث لـ”القدس العربي” عن أسباب الهجرة السرية وتجارة التهريب ومكافحة هذه الظاهرة لتجنب سقوط المزيد من الضحايا وقال:

“فقدان الأمل هو السبب وراء هجرة الكثير من الشباب المكلوم الذي يبحث عن مكان آخر حتى لو كلفه ذلك حياته.

أمور عديدة تجعل الناس تهرب من بلدانها وأهمهما الحروب التي تنعكس على استقرار الإنسان النفسي والاجتماعي والاقتصادي. فعندما يحيط به الموت من كل مكان يسعى للهروب من الوطن إلى مكان آخر أكثر أمنا ولسان حاله يقول أنا ميت على الأقل أموت وأنا أسعى من أجل الوصول إلى مكان آمن أفضل من أن أبقى وأموت بغير إرادتي. المحاولة بالنسبة للمهاجر ممكنة فهو يخرج ويركب القوارب الصغيرة وهو يعلم انه هالك وربما لن ينجح في العبور إلى بلاد الأمن والاستقرار”.

وهو يرى أن هناك سببا آخر ومهم وهو الفقر والحاجة والجوع وهي مؤلمة جدا للإنسان، فالشاب لا يستطيع أن يتزوج بسبب البطالة وعدم وجود فرص عمل وترتفع نسب العنوسة عند النساء وحتى عند الرجال أيضا حيث يصل الكثير منهم إلى فترة الشيخوخة ولم يتزوج بعد لأن ليست لديه الامكانيات.

ويضيف: البطالة مشكلة ملحة لدى شبابنا، فعندما يدرس الإنسان مدة عشرين سنة وفي النهاية يجد نفسه عاطلا عن العمل يشعر باليأس وقد يرفض العمل في مهمات بسيطة لا تناسب الشهادة الجامعية التي حصل عليها، فبالتالي يسعى من أجل الخروج.

ومع انتشار الإعلام والإنترنت والتكنولوجيا والتواصل السريع، الشباب يريد أن تكون له حياة فيها الكثير من الرفاهية، ومتطلبات الحياة الآن لم تعد فقط الأكل والشرب واللباس بل هناك حاجات أخرى.

وتابع: الهروب إلى أوروبا ليس مجانا. وقد يدفع الشخص آلاف الدولارات وأعرف أشخاصا هاجروا إلى بريطانيا وما زالوا إلى اليوم يعملون ليل نهار من أجل دفع ديونهم التي اضطروا لها من أجل الوصول إلى أوروبا.

الإتجار بالبشر يأتي في المرتبة الثالثة عالميا من حيث التجارة غير القانونية، وناتج هذه التجارة 150 مليار دولار سنويا، وهي تجارة مغرية لمن يريد ان يشتغل فيها.

استغلال المهاجرين

ويروي د. مسعودي ما سمع من قصص على لسان أصحابها قائلا إن هناك نساء حوامل يعرضن أنفسهن لخطر الهجرة والإتجار ولا يقتصر الأمر على الرجال فقط وكل ذلك من أجل البحث عن الاستقرار المادي وتحسين الوضع الاقتصادي.

الحياة في أوروبا غالية لذلك فان الكثير من اللاجئين غير الشرعيين يتم استغلالهم أما للعمل في الدعارة وإما في أعمال تحط من القيمة الإنسانية للمرء أو تشغيلهم في ظروف غير آدمية وبمبالغ زهيدة جدا.

 ويلتجأ البعض إلى المخدرات، فالنسبة لبعض المهاجرين هي تجارة رابحة مع مهالكها الكثيرة، وكذلك التجارة في الأعضاء البشرية، فهناك أشخاص مستعدون لبيع أعضاء من أجسامهم مقابل مبلغ مادي لكي يعيشوا وينقذوا أنفسهم ويسددوا ديونهم.

علاج الأسباب

وعن سؤال حول السبل لتجنب سقوط المزيد من الضحايا ومكافحة ظاهرة الإتجار بتهريب البشر واستغلالهم أجاب قائلا:

بلادنا لا تكافح هذه الظاهرة لسبب وحيد هو لكونها تعيش أزمات اقتصادية طاحنة. فمعظم البلدان العربية ميزانيتها تحت الصفر وتعيش على الديون وتزيد فيها نسبة الفقر والإجرام.

ومشكلة الهجرة غير الشرعية عمرها عقود وتزداد بازدياد الأزمات الداخلية والحروب، والمطلوب محاربة الأسباب التي تجعل الناس يهربون لا أن أكون شرطيا أغلق الحدود.

ومحاولة معظم الدول مكافحة النتائج أكثر من مكافحة الأسباب يعتبر في رأيي عملا فاشلا.

ونوه إلى أن هناك تفاوتا بين الشمال والجنوب، وبين أن بعض الدول الغنية أيضا تعيش أزمات اقتصادية طاحنة، وفيها نسبة عالية من البطالة، ومن هنا ليست لديها القدرة على أن تساعد المهاجرين الذين يأتونها من دول فقيرة.

وحذر من الدوران في دوامة خطيرة وقال إن هذه الأزمات ستستمر ولن تتوقف، إذ رغم الحدود المغلقة والمراقبة بشدة يأتي إلى أوروبا سنويا آلاف المهاجرين وللأسف تتم المتاجرة فيهم مرتين، الأولى حين يدفعون أموالا للمافيات لتنقلهم والمرة الثانية عندما يصلون ليتم استغلالهم بأبشع ما يمكن فهم يعانون بين فكي كماشة.

شهادة

حصلنا على شهادات بعض الناجين من الموت في رحلة الهروب إلى الغرب حيث تعرضوا لمعاناة صعبة فقدوا فيها أهلهم وأعزاء على قلوبهم، مهاجرون من سوريا والعراق والجزائر وغيرها من الدول التي تشهد صراعات وحروبا هربوا يبحثون عن مستقبل أفضل لهم ولأسرهم بعيدا عن مشاهد العنف والقتل والاستبداد ليجدوا أنفسهم أمام خطر لابد منه وهو الموت بردا أو غرقا أو جوعا. أما الناجون فقد حالفهم الحظ في البقاء على قيد الحياة من دون ان ينسوا ما حل بهم منذ لحظة الهروب إلى الاستغلال من قبل عصابات التهريب نحو أوروبا.

الشاب السوري أحمد علي قال: تمكنت من جمع المال من أهلي لكنها لم تكن كافية لكل الرحلة. تنقلت من تركيا برا إلى اليونان بحرا لكن تجار التهريب عرقلوا سفري وطلبوا أموالا طائلة مقابل نقلي إلى دولة أوروبية مما دفعنا أنا وبعض الهاربين من الحرب في سوريا إلى المجازفة وعرضنا حياتنا للخطر لأكثر من مرة، ونحن نقطع المسافات الطويلة في ظروف قاسية مات بعضنا بسبب البرد والجوع أما أنا فقد تمكنت في نهاية المطاف من ركوب قطار ومن خلال مساعدة البعض تم الاتفاق مع سائق شاحنة ذاهب إلى بريطانيا طلب مني الاختباء في صندوق صغير فوق قاطرة القيادة وكنت محظوظا وقتها لان جسدي كان نحيلا.

لا يمكن ان أتصور ما مر بي وكم أحمد ربي على أنني ما زلت حيا. يؤلمني جدا ما حل بأصدقائي الذين ذهبوا ضحية استهتار تجار التهريب الذين يستغلون ظروف الناس الصعبة هؤلاء يجب محاكمتهم لأنهم يتاجرون بأحلامنا وهدفهم الوحيد الربح المادي ولا يكترثون لسقوط ضحايا.

هالا أحمد فلسطينية هربت وأهلها من مخيم اليرموك بعد حصاره تقول: عشت الكثير من الصعوبات في رحلة الهروب من تركيا إلى الجزر اليونانية، وبعد معاناة قاسية وصلت إلى الأراضي الألمانية. لن أنسى أبدا صرخات الأمهات وهن يبحثن عن أطفالهن. البعض حينها قال ان هناك مافيا تخطف الأطفال والبعض قال انهم ماتوا غرقا. لن أنسى أبدا بكاء الأطفال بسبب الجوع والبرد وسوء معاملة اللاجئين من قبل شرطة الحدود، لم يتعاملوا معنا بآدمية، المخيمات التي نصبت لنا لم تكن آمنة وكان هناك اعتداء علينا وعلى أطفالنا تصل إلى التحرش الجنسي وخطف الأطفال واستغلالهم لنقل المخدرات والإتجار بهم. لا يمكنني أن أنسى هذه المعاناة ولم تكن فكرة العودة بالأمر السهل. والآن وبعد ان استقر بنا الحال في ألمانيا واستمع وأنظر إلى معاناة المهاجرين يموتون غرقا أو اختناقا في الشاحنات، أبكي دما على حال البشر وعلى الظلم الذي يتعرض له المهاجر في وطنه فيقدم على الهجرة هربا من جحيم الوطن إلى مصير صعب لا رجعة عنه قد ينتهي بجحيم آخر.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية