المقاومة الأوكرانية تجدّد الدرس البريطاني

لا يحدث كل يوم أن يطلق الكاتب أو المؤرخ حكما قاطعا بشأن مسألة ما. لكن كل الوقائع توجب القول بأن بريطانيا تعيش منذ عامين أسوأ فترة في تاريخها المعاصر. ولا ينطبق هذا الحكم على فترات السلم من تاريخها فحسب، بل إنه يشمل فترات الحروب أيضا. إذ ليست بريطانيا اليوم أسوأ مما كانت في عهد كاميرون أو بلير أو تاتشر أو هارولد ويلسون فحسب، بل إن وضعها اليوم، وهي تنعم بمطلق السلم، أسوأ مما كان أثناء الحربين العالميتين! لقد فعلت بريطانيا بنفسها، منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، ما يفعل العدو بعدوه حتى صارت، مثلما قال الكاتب دريك تومسون، إحدى أفقر البلدان في أوروبا الغربية: اختارت الهندسة المالية بدل النهضة الصناعية، وسياسة التقشف بدل سياسة الاستثمار، والتقوقع على اقتصاد موصد دون الأجانب (والأجانب في العرف البريطاني السائد منذ عقدين هم الأوروبيون أولا، ثم الأفارقة والآسيويون) بدل الانفتاح على العالم بتنوعه وغناه. ولهذا فإن معدل الأجور في بريطانيا اليوم هو أدنى مما كان قبل خمس عشرة سنة، والمتوقع أن يستمر في التدني.
ولأن البروباغاندا التي تكتظ بها صفحات الجرائد اليمينية الجادة والجرائد الشعبية العابثة على حد سواء كانت تصور الاتحاد الأوروبي على أنه نوع من الاحتلال السياسي والإداري (وقد ساهم بوريس جونسون عندما كان صحافيا في جريدة التايمز، التي فصلته بسبب أكاذيبه وتلفيقاته، ثم مراسلا للديلي تلغراف في بروكسل في نشر هذه البروباغاندا وتعزيزها بكثرة خيالاته وافتراءاته) فقد نسي كثير من البركسيتيين المتحمسين لاستعادة السيادة الوطنية أن رغبة لندن في الانضمام إلى الكتلة الاقتصادية الأوروبية إنما كان سببها إدراك النخبة السياسية البريطانية في الستينيات لتأخر بلادها عن ركب التقدم الاقتصادي والصناعي في أوروبا الغربية، ممثلة آنذاك في الدول الست التي أنشأت المجموعة الأوروبية عام 1957.

إن استطلاعات الرأي بدأت تثبت أن البريطانيين أخذوا يفيقون على هول الكارثة التي وقعوا فيها بمحض إرادتهم، حيث أن ما لا يقل عن 56 بالمائة منهم يرون الآن أن الخروج من الاتحاد الأوروبي كان خطأ جسيما

وكان أكثر ما يؤلم النخبة، مثلما شهد بذلك مرارا السياسيان المخضرمان كنث كلارك ومايكل هزلتاين، هو رؤية مدى التفوق الذي حققته على بريطانيا عدوّتاها الكبريان في التاريخ الحديث والمعاصر، أي ألمانيا وفرنسا. وها إن استطلاعات الرأي بدأت تثبت أن البريطانيين أخذوا يفيقون على هول الكارثة التي وقعوا فيها بمحض إرادتهم، حيث أن ما لا يقل عن 56 بالمائة منهم يرون الآن أن الخروج من الاتحاد الأوروبي كان خطأ جسيما.
لكن رغم كل الوهن الذي أصاب بريطانيا، ورغم رداءة معظم السياسيين الذين يحكمونها منذ بضع سنين، ورغم جبن معظم قنوات الإذاعة والتلفزيون وإحجامها عن إبراز حقائق كارثة البركسيت على قطاعات الصناعة والزراعة والنقل وحتى على حي المال والأعمال (السيتي) وعلى عموم المواطنين (بسب غلاء معظم الواردات الأوروبية) ورغم اشتداد مظاهر الانقسام عند الجمهور وعند النخبة، فإن هنالك في بريطانيا إجماعا لافتا حول أبرز مسألة في السياسة الخارجية الأوروبية طيلة حوالي عام. إذ ليس هناك سياسي أو مواطن بريطاني واحد إلا وهو يؤيد حق أوكرانيا في الدفاع عن نفسها. ولم يحدث أن انتقد أي سياسي وأي مواطن إجراءات الدعم العسكري والمالي (السخي نسبيا، مقارنة بالدعم الذي قدمته بقية الدول الأوروبية) الذي سارعت بريطانيا إلى تقديمه لأوكرانيا. ولفهم أهمية هذا الموقف يكفي استعراض موقف فرنسا وألمانيا: ماكرون يتحدث عن عدم إذلال روسيا والاستعداد للمفاوضات بترك قنوات التواصل مفتوحة (ولو أنه أقلع منذ مدة عن مهاتفة بوتين لما رأى أن محاولاته ومغازلاته لم تفد مع الطاغية شيئا) والمستشار الألماني أولاف شولتز يماطل ويناور أملا في الجمع بين المتناقضات: دعم أوكرانيا عسكريا لكن ليس إلى حد تسليحها بما يكفي لدحر العدوان، أي دعم أوكرانيا لكن دون استعداء روسيا (حتى أرغمته أمريكا وبولندا هذا الأسبوع على إنهاء التذبذب والموافقة على تزويد أوكرانيا بدبابات ليوبارد).
وقد أوجز الطبيب النفساني الملحق بالجيش الفرنسي باتريك كلرفوا الموقف قائلا: إن القوة الأخلاقية التي تحلى بها الأوكرانيون منذ تعرض بلادهم للغزو هي شبيهة بالقوة الأخلاقية التي أثبتها البريطانيون أثناء مواجهتهم للعدوان النازي. فقد انهزمت أو استسلمت كل البلدان التي غزتها القوات النازية من 1939 إلى 1941، إلا بريطانيا، فإنها قاومت لأنه كان فيها شعب صامد وزعيم شامخ. إن مقاومة الشعب الأوكراني هي أجمل رسالة تلقاها العالم من هذه الحرب.

كاتب تونسي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية